منذ تنفيذ شعب قطاع غزة لعملية الهروب التاريخي الكبير من أكبر سجن مفتوح في العالم، والذي تمثَّل بالطوفان البشري غير المسبوق إلى العريش عبر الحدود الفلسطينية- المصرية التي داستها الأقدام العارية الثابتة على مبادئها المتمسكة بحقها بأرضها وبحقها بالحياة.. منذ ذلك الوقت ووحدات التخطيط الإستراتيجي وغرف الطوارئ المركزية الصهيونية وعلى مستوى أرفع راسمي السياسة الصهيونية، تعلن حالة الاستنفار العقلي والفكري للخروج بحلول عملية وعلمية؛ خوفًا من تكرار ذات المشهد على الحدود الشمالية لقطاع غزة المشنوق بالأسيجة والجدران، والذي يستحمُّ بحرُها على شواطئها بالدموع والألم كل يوم.

 

هذا الخوف والرعب الذي فشل الصهاينة في إخفائه، والذي بدا واضحًا في تحليلات كتابهم وبرامج مرئياتهم وتصريحات قياداتهم، وقد نجحت اللجنة الشعبية لفك الحصار عن قصد أو غير قصد في بثِّ إشاراتٍ تعمِّق هذا الخوف، وهذا الرعب من تكرار مشهد الزحف البشري باتجاه الحدود الشمالية للقطاع، وذلك عبر إعلان اللجنة الشعبية عن تنظيم سلسلة بشرية من معبر رفح إلى معبر بيت حانون لتكون الأطول في العالم ولتسجِّل في موسوعة جينيس للأرقام القياسية في صالح شعب تمرَّد على الجلاد وحصاره، ليسطِّر بإبداعاته موسوعةً في كتاب التاريخ البشري.

 

ولم ينبع الرعب الصهيوني عن عجزه في ردع هذا الطوفان البشري فيما لو اجتاح الحدود، فعند الكيان ما يدمِّر ويسحق به دولاً وليس شعبًا أعزل إلا من الكرامة والإرادة، ولكنَّ خوفه من تشوُّهِ صورته أمام المجتمع الدولي وكيف ستبدو صورته التي برع عبر آلته الإعلامية العالمية وعلى مدار عشرات السنوات في لعب دور الضحية طوال السنوات الماضية، وكيف ستبدو هذه الصورة وهو يقمع ويسحق شعبًا محاصرًا أعزل إلا من الإرادة، مخنوقًا يبحث نسائم الحرية، وعن حبَّة دواء، أو كسرة غذاء، مغمَّسةً بأمل الحرية والعودة تعينه على الاستمرار في نضاله.

 

وللأمانة هو خوف مبرَّر، لكن ما لا نستطيع فهمه أو تبريره عدم ذهاب حركة حماس- التي تقود آلتُها الإعلامية حملةً ضخمةً لتنبيه وإيقاظ الضمير الدولي عبر إظهار المعاناة التي تقتل شعب غزة كل يوم لجهة فك الحصار؛ الأمر الذي بدأ يجد تجاوبًا من المجتمع الدولي كالاتحاد الدولي ودولة كبرى مثل فرنسا- إلى النهاية في تعميق هذا الرعب الصهيوني عبر الدفع بعشرات الآلاف من المحاصرين المقموعين من الجوعى والمرضى، وهم كثر، للمشاركة في هذه السلسلة البشرية.

 

ولماذا لم تجعل حماس من هذه الفعالية يوميةً أو على الأقل دوريةً؛ ذلك أن أيَّ حدث يمس الكيان الصهيوني أو حدوده يتصدر نشرات الأخبار العالمية، فما بالكم بخبر تكرار محاولات غير حقيقية لاقتحام الحدود الصهيونية المصطنعة من شعب نجح في استعطاف الكثير من أحرار العالم، إذًا فلقد حازت أخبار هذه المحاولات بؤرة التركيز الإعلامي وهو المطلوب لجهة صبِّ مزيدٍ من الضغوط والإحراجات للكيان الصهيوني، ولجهة إيضاح صورته الشيطانية الحقيقية أمام العالم المضلل.

 

ولماذا لا تقيم حكومة حماس في غزة لضحايا الحصار الصهيوني نصبًا ضخمًا في ميدان الجندي المجهول وسط غزة مثلاً، أو على شارع صلاح الدين مقابل بوابة بيت حانون (إيرز) على غرار نصب قتلى الجيش الأمريكي في الحرب الفيتنامية، تسطِّر فيه صورهم وأسماءهم ليكونوا تعبيرًا حقيقيًّا وواقعيًّا ورمزيًّا عن معاناة شعبنا؛ الأمر الذي كان سيحظى لو نُفِّذ بتركيز إعلامي من نوع آخر فريد.

 

لا نقصد بهذه المقترحات تعريض أبناء شعبنا لنيران الاحتلال الصهيوني التي لا ترحم، والتي يتعرض لها كل يوم وكل لحظة، تظاهر أو لم يتظاهر، قاوم أو لم يقاوم، بقدر ما نقصد تأكيد الخوف وبثّ من مزيد من الرعب في صدور الصهاينة الذين يشعرون به خوفًا من تكرار هذا السيناريو، ولجهة تحقيق الهدف الذي من أجله كان تنظيم هذه الفعالية، وهي مزيد من قرع الخزان لإسماع الآذان الصمَّاء وفتح العيون العمياء والقلوب الميتة عن معاناة وألم وقهر شعب تشنقه الدموع العاجزة.

-------------

* صحفي وباحث سياسي فلسطيني.