- عودة القدس مشروطة بحرصنا على صلاة الفجر

- "الطاعة لله" هي الميدان الأول بعدها يتحقق النصر

 

تحقيق: مروة مصطفى

بلغت القلوب الحناجر، وتعالت الصرخات، ولطّخت الدماء الطرقات، واستشهد معظم الرضّع والأمهات، إنه المشهد في غزة، وهكذا كان المسلمون يعيشون منذ سنوات، ولكننا كنّا في سباتٍ مع المعاصي والذنوب، ونتعاطف معهم ثم نعود، وفلسطين تدفع ثمن ذنوب المسلمين، بما يرتكبه الشباب على المقاهي، وما يشاهدونه على شاشات القنوات الإباحية، فمتى نستحق نصر الله؟ سؤال تأخرنا طويلاً في طرحه وتذكرناه بعدما اشتقنا لصلاح الدين القرن الواحد والعشرين.

 

يقول محمد عبد العال- طالب بكلية الآداب- سمعت من الخطيب في المسجد أن القدس لن تعود إلا عندما يحرص المسلمون على صلاة الفجر، ويصبح عدد مصليه كعدد مصلي الجمعة، فإهمال فريضة الفجر منع النصر فأخذتُ عهدًا على نفسي بالتوبة عمَّا فاتني منها، وألزمتُ نفسي بالحفاظ عليها، وتذكّرت مقولة عمرو خالد وهو يقول: (القدس هي المؤشر لرضا الله عن الفئة المؤمنة فلو رضي الله عنهم سيُعيد إليهم القدس ولو غضب عليهم يسلبه منهم).

 

نعمة الأمن

وترى نادرة محمد- مدرّسة قرآن- أننا نعاني من سلبية تامة تجاه إخواننا في فلسطين، فتحكي لنا عن طالبتها التي تناقشت معها في الأحداث الفلسطينية، فقالت لها الحمد لله على نعمة الأمان، فقالت لها نادرة: أي أمان الذي تتحدثين عنه؟! المسلمون كلهم جسد واحد.. لماذا انفصلنا كمسلمين، وأصبحنا لا نشعر ببعض؟!.

 

رجال الأندلس

أما منة الله مصطفى- طالبة بكلية الهندسة- فتحكي لنا عن زميلها الذي خطب فيهم عن سقوطِ الأندلس، وكيف جاء العدو ووجد غلامًا يبكي فسأله ما يبكيه؟ فأجاب الغلام سبقني أخواي إلى الشهادة فقال العدو: "لم يأنِ الأوان لغزو الأندلس"، لوجود شبابٍ يحملون همَّ هذه الأمة، وبعد أعوامٍ جاء الرجل فوجد غلامًا يبكي فسأله ما يُبكيه فقال الغلام "تركتني حبيبتي" فقال الرجل: "قد حان غزو الأندلس، الآن نغزو الأندلس"، وتقول منة وقتها شعرت بأنَّ أمامنا وقتًا طويلاً لاسترداد القدس.

 

التبرعات

نهال أحمد- طبيبة- لم تستسلم لما يحدث، ورفضت أن تكون مكتوفةَ الأيدي أمام ما يحدث في فلسطين فجمعت التبرعات من أصدقائها ومعارفها وأعدَّت شاحنتين كبيرتين محملتين بالأدوية والبطاطين والطعام والشراب وأرسلتها للجهات المختصة بتلقي التبرعات.

 

تعطيل النصر الإلهي

 يرى د. طلعت عفيفي عميد كلية الدعوة بجامعة الأزهر أن الذنوب تمنع الرزقَ، والنصر شكل من أشكال الرزق، ومفاتحه بيد الله التي يُؤتيها لعباده المؤمنين الملتزمين بشريعته فقال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ) (الحج: من الآية 40) وقوله تعالى أيضًا: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: من الآية 7)، ونصرة الله تكون بالامتثال لأوامره وأن نتحوَّل جميعًا بأنفسنا إلى حظيرةِ الله تعالى بأفكارنا وتعاليمنا واهتماماتنا ونستشعر الفقر إليه ونتلذذ بالعبودية بين يديه ونتعلم من أخطاء السابقين، فها هي غزوة أحد والدروس المستفادة منها تُسطِّر لنا درسًا لن ينساه التاريخ الإسلامي فبمعصية 6% من الجيش المسلم انهزم المسلمون، وتعطَّل النصر الإلهي، فقال تعالى: (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: من الآية 7).

 

فإعداد الفرد المسلم على تحمُّل هم الأمة يحتاج لخطةٍ تتضافر فيها كل القطاعات للنهوض بالمجتمع المسلم حتى يشعر المسلم بأخيه المسلم ويبادر بنجدته ويتعلم مقاومة شهواته، وكيف يتحكم فيها المسلمون بحاجةٍ إلى "أن تلف العجلة كلها شمال"، فالتغيير مطلوب في أفكارنا واهتماماتنا وطرق في تحديد أولوياتنا، والإيمان بالله بحق فقد قال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم: من الآية 47)، أي الذين يؤمنون بالله وإيمانهم لا يتجزأ، وهذا ما عرفه المسلمون الأوائل فتجلَّت لهم معالم النصر الإلهي في غزوةِ بدر، فعلى هذه الخطى يجب أن نسير على درب الناجحين.

 

بشرى هوفمان

 الصورة غير متاحة

د. جمال عبد الهادي

أما د. جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى سابقًا- فيقول (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11)، ويتساءل: لماذا نطالب بالتربية وندعو للتغيير؟.

 

ويجيب: لأن قضية البشر الأساسية هي العبادة وكيف نتغير لنصبح أمة محمد بحق نسير على منهجه في إخلاص العبادة وإتقان العمل وإغاثة الملهوف وإيثار الغير على النفس والقناعة والرضا والعمل للآخرة والمطالبة بالحق والتخلق بأخلاق النبي في معاملة العدو.

 

على هذه الأسس يجب أن نُربي أولادنا كما ربَّى النبي الجيلَ الأول من الصحابة، فها هو- صلى الله عليه وسلم- يطلب من أنس بن مالك أن يفعل له شيئًا ولكنه رضي الله عنه يذهب ليلعب ففطن النبي- صلى الله عليه وسلم- لحاجته للعب.

 

وذهب إليه في مكانِ لعبه وأغمى عينيه وقال له برحمة: "يا أُنيس اذهبْ فافعل ما أمرتك به"، ولم يعنفه أو يقهره، وفي الوقت نفسه علَّمه كيف يلتزم بالكلمة ويسمع ويُطيع، وهو نفسه- صلى الله عليه وسلم- بينما يجلس في مجلس به شيوخ وكان معه عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- وكان ابن عباس ما زال صغيرًا ويجلس على يمين النبي فأراد النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يُقدِّم لهم شرابًا والسنة تقتضي أن يبدأ باليمين فاستأذن ابن عباس في ذلك، فردَّ عليه ابن عباس قائلاً: "والله لا أوثر أحدًا بنصيبي منك"، فاستجاب النبي- صلى الله عليه وسلم- لطلبه ولم يعترض على كلامه وقال: هذا حقه، فربَّاه على أن يكون نواة لشخصيةٍ قياديةٍ ترفع شأن المسلمين وقد كان.

 

وهكذا تكون التربية التي تنجح في إخراجِ جيلٍ بدأت بشائره تظهر على أرض فلسطين في وقتٍ فيه الأمة غير ممكنَّة، ولا آمنة، ولا دينها ممكَّن له؛ لأن العبوديةَ لله بحقِّ غير موجودة، فما أحوجنا الآن لصحوةٍ إسلاميةٍ كبيرة، ويُضيف أننا لا بد أن نعلم أن النصرَ مع الصبر واليسر مع العسر، فبالصبر وعدم التراخي والدعاء إلى الله واحتساب الأعمال يأتي النصر المنتظر فقد قال تعالى: (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ) (البقرة: من الآية 155)، وقال تعالى أيضًا: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)) (الأنعام)، والبشرى زفها إلينا سفير ألمانيا في الرباط سابقًا "مراد هوفمان" الذي أسلم وألف كتابه: "الإسلام كبديل"، وذكر فيه أن القرن الـ21 هو قرن الإسلام الذي سينتشر في أوروبا، فالإسلام قادم لا محالةَ بنا أو بغيرنا ولكن: هل نكون ممن لهم الشرف في ذلك؟! كلنا نتمنى ذلك، فالبذرة صالحة والأرض خصبة والفلاح ينتظر العمل لتخرج لنا نبتة قوية طال انتظار المسلمين لها.

 

الإقبال على الله

 الصورة غير متاحة

 الداعية الإسلامي حازم أبو إسماعيل

ويرى الداعية الإسلامي حازم أبو إسماعيل أن الحال الذي عليه المسلمون لا يؤدي إلى نصرهم بأي حال، فالميدان الأول للنصر هو (الطاعة)، وقد قال تعالى (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: من الآية 7)، ولا ننكر أنه بدأت تحدث عملية تحول نحو الطاعة والالتزام بما يُشعرنا بأن هناك شعاع أمل قريب، فنموذج الشعب الفلسطيني خير دليل على ذلك، وقيادة الشعب الفلسطيني كان مذهبها هو القومية والوطنية، وكان دفاعهم عن بلادهم من هذا المنطلق أما الآن، فالنزعة الإسلامية أصبحت هي المحرك لهم والذي يعملون من أجل نصرته وتزداد ويزداد التجاوب معها من جانب المسلمين في كل بقاع العالم، ولكن ما ينقصنا كمسلمين هو ترجمة هذه الدوافع لسلوك عملي من أفراد المسلمين، ويحتاج لقوة في الإقبال على الله فالنصر مضمون بمجرد تنفيذ شرائطه، وقال تعالى (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ) (الحج: من الآية 40)، وكذلك قوله تعالى (إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: من الآية 7).

 

وبنص القرآن والسنة على أن الذنوب تمنع النصر، وعندما تحدث القرآن عن هزيمة أحد ذكر أنها كانت بسبب الذنوب والمعاصي التي وقع فيها نفر من المسلمين، قال تعالى: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)(الأعراف: من الآية 155).

 

وكل هذه الآيات تدل على أن النصر يتخلف بذنوب الناس ويأتي بالاستغفار والطاعة، ولا بد أن نؤمن أن السلاح في أيدي العصاة هو سلاح في أيدي قلوبٍ مرتجفة، وفي أيدي المؤمنين مهما كان ضعيفًا فإنه يكون في أيدي قلوب جسورة؛ مما يلقي الرعب في قلوب العدو، فالطفل الذي حمل الحجر صمد أمام الدبابة، والسلاح اليدوي أسقط الطائرة بقوة الإيمان وبالعقيدة الراسخة، فالروح التي تكمن وراء السلاح هي التي يتنزل النصر بسببها.

 

الهدية للأم الفلسطينية

وتطالب الداعية كريمة عبد الغني بأن ننظر إلى ما يحدث بنظرة أبعد من التي ننظر بها تحت أقدامنا، فالأعداء يشغلوننا بقضايا هامشية.

 

والتخلق بخلق الإيثار هو السبيل الأساسي للنصر، هكذا علمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال تعالى عنه: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: من الآية 9).

 

وتقترح أن تتنازل كل أم عن هديتها هذا العام في يوم الأسرة وتُقدِّم قيمتها المادية للأم الفلسطينية مشاركةً منها لما نزل بأختها الفلسطينية ولسان حالها يقول: "أنتِ أولى بها منِّي، أنتِ ضحيت بالثمين وأنا أُعبِّر لكي بالقليل، فاقبليه منِّي بنفسٍ راضية".

 

فهذه هي الخطوات الأولى في الطريق السليم، لقد آن الأوان للأمةِ الإسلاميةِ أن تصحو من غفلتها عن الغاية الكبرى، ويتعاون الصغير قبل الكبير في قضية النهوض بالأمة الإسلامية، ولا ننكر أن هناك مَن استشعر هذه المعاني، وبدأ يسعى بكل جهوده من أجل نصرةِ القضية وبدأ البعض في تنفيذ ألبومات ووسائل إعلامية للتوعية بالقضية الفلسطينية امتثالاًَ لقوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)) (التوبة).

 

وعلى الجانب الآخر نلمس نجاح المخطط التخريبي في استهداف فئة ليست بالقليلة من الشباب شغلوهم بشهواتهم، وأنسوهم القضية، وهنا يكمن دور الدعاة في معالجة الإدمان العقلي الذي نجح أهل الباطل في ترسيخه في أذهان هؤلاء الشباب فشغلوهم عن هموم الأمة، ورغم ذلك فإن النصرَ قريبٌ بإذنِ الله.

 

القوة الإيمانية

وتختم الداعية سمية رمضان بنصيحتها فتقول: "عجّلوا لهم بالنصر بتوبتكم عمَّا يُغضب الله في كل أفعالكم وأقوالكم بدءًا من بر الوالدين إلى عدم الخلوة بمحارم الله، وأعدوا للأعداء قوتكم الإيمانية فأنتم لا بد ملاقوهم ولا يزلزل قلوبهم إلا إيمانكم وطاعتكم لله مع الأخذ بالأسباب التي سيوفرها لكم سبحانه وتعالى، فالطريق اتضحت معالمه وقائده رسولنا، فهلموا جميعًا إلى الطريق مهللين مكبرين ومسّبحين".