خلال الاجتماع العادي لوزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم 5/3/2008 وردت همهمة في القرارات وفي تصريحات الأمين العام عمرو موسى، مفادها أن مبادرة السلام العربية التي مضى عليها 6 سنوات لم تلتفت إليها "إسرائيل".
وربما كان الأمين العام الأوضح عندما صرَّح بأن الجامعة قد تسحب المبادرة من التداول، وهو تصريح خطير لأن سحبها يعني ترك الساحة بلا نصوص مسرحية، أو العودة عن خيار السلام الإستراتيجي في وقت يبدو أن العالم العربي الرسمي يسعى بكل السبل للإفلات من القضية الفلسطينية.. على أية حال من الواضح أن "إسرائيل" تملك كل الأوراق اللازمة للمضيِّ في مشروعها الصهيوني والتهام فلسطين.
وأهم الأوراق أربعة:
الورقة الأولى هي الشقاق الحاد والغائر في الصف الفلسطيني إلى حدِّ خلق تحالفات حقيقية بين معسكر المقاومة أي "الإرهاب"، ومعسكر "السلام" الإسرائيلي وطريقه المفاوضات لتحقيق ذلك.
والورقة الثانية هي ضمان الدعم الأعمى والمطلق الأمريكي لكل ما تفعله "إسرائيل" ومن ورائها أوروبا وبقية العالم.
والورقة الثالثة هي إرهاق الشعب الفلسطيني وضرب المقاومة وحصارها حتى في بيئتها العربية.
أما الورقة الرابعة والأخيرة فهي قهر الحكومات العربية على الصمت على سياسات "إسرائيل"، وقهر الحكومات العربية لشعوبها وإجهادها حتى لا تقوى على النقد والكلام.
نتيجة هذا الوضع هو المزيد من صور المحارق في فلسطين، وربما تطوَّر الأمر إلى دفع أبو مازن بكل ما يتلقَّى من دعم وأموال وأسلحة إلى الصدام مع حماس قصدَ تصفيتها؛ فيحقق بذلك هدفًا له و"لإسرائيل"؛ مما يؤدي إلى انفجار مروِّع، فلا هو قادر على شطب حماس، ولا حماس يمكن أن تسلم بدون تفجير الموقف بأكمله، وإن كانت "إسرائيل" تواظب على خطة منظمة ومنسقة طويلة الأجل لحرمان الشعب الفلسطيني من الطاقة البشرية القادرة على المقاومة، أو حتى الممانعة، وذلك باغتيال الشباب واعتقالهم ضمن خطة الإبادة الشاملة للشعب حتى تخلص لها الأرض في نهاية المطاف.
الصورة كما تبدو لنا اليوم هي أن "إسرائيل" سوف تستمر في مسلسل اصطياد القيادات والرموز المقاومة، ويوازي ذلك استمرار تجفيف منابع الحياة للشعب وللمقاومة، فضلاً عن استمرار خطة المحرقة في غزة حتى تقضي على السكان بحجة انتمائهم لحماس، أو أن يفروا بحياتهم إلى مصر ولذلك قصة أخرى.
أي أنَّ خلاصة الصورة هي أن المبادرة العربية ليس وراءها سند أو أوراق قوة، ولم يعد حتى ميزان القوة الحالي يبرِّر بقاءها إسرائيليًّا وأصبحت سببًا للازدراء والمذلة "الإسرائيلية" للعالم العربي، الذي فقد بوصلته الحقيقية نحو أهدافه الإستراتيجية، وليس على الساحة سوى الاستيطان الاقتلاعي الإحلالي الصهيوني مع الهوان العربي والتوسُّلات من جانب الشعب الأعزل.
إن استمرار مسرحية المبادرة العربية هو سترٌ لحالة الهوان واللا قرار العربي، وهو عنوان لهذه الحالة في نفس الوقت، وتهرُّبٌ من حقيقة ساطعة تغشى المسرح العربي بشدة، وهي أن "إسرائيل" لن تحيد عن مخططها إلا بقوة عربية رسمية حقيقية، بصرف النظر عن ملايين الجنود ومليارات الدولارات في ميزانيات الجيوش العربية، وما دامت "إسرائيل" تعلم جيدًا حدود القدرة العربية، فلا أظن أنها تقيم وزنًا للعالم العربي أو حتى تفسح له أي هامش للمناورة الدبلوماسية الشكلية، ولذلك فإن الحقيقة التي يتهرَّب منها الجميع هي أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة أمام الطوفان "الإسرائيلي" تحت شعار عملية السلام.
والإجابة عن السؤال في عنوان المقالة: نعم السلام الحقيقي ممكن مع "إسرائيل" إذا كانت الدول العربية جادَّة في تحقيق هذا النوع من السلام الذي يحتاج إلى تعديل موازين القوة، ولعل من الواضح أن استجداء السلام بغير حيازة أسبابه وأوراقه يحوله إلى سلام لصالح صاحب القوة الذي لا يجد ما يضطرُّه إلى تعديل هذا المفهوم أو اقتسام آثار السلام حتى يتوقَّى مخاطر عدم الانصياع له، بل إن سلام الاستجداء هو الذي شجَّع "إسرائيل" على المضيِّ في مشروعها ومحارقها؛ مما يؤدي في النهاية إلى انفجار المشهد في العالم العربي بين شعوب لا تفهم سببًا واحدًا لخضوع حكوماتها، في الوقت الذي تملك فيه كل أدوات القوة والعزة لنظم تعلم أن شرعيتها مرتبطة في التحليل الأخير بقدرتها على مواجهة الوحش "الإسرائيلي".
وهذا هو السبب في إعجاب الشعوب العربية بحزب الله وزعيمه، ويوم يصبح الصراع داخل لبنان، لأيِّ سببٍ، هو ساحة الحرب ومعاركه وليس "إسرائيل"، فسوف تفقد هذه الشعوب هذا الإعجاب الأسطوري بحزب الله، فإلى متى يستمر المشروع الصهيوني في سيره، في ظل سكوت النظم العربية والتشجيع الأمريكي العلني للمشروع ومباركة جرائمه، وحرمان النظم شعوبَها من التصدِّي له أو التعبير عن معاداته.
في هذا المقام أذكر أنه في لقاء يوم 5/3/2008م مع إذاعة صوت أمريكا علَّقت المذيعة على صمت الحكومات والشارع العربي بأن ذلك يدل على عدم اكتراثهم بمحرقة غزة أو رضاهم عنها، فأكدتُ لها أن سكوت النظم قهر وسكوت الشعوب أثر من آثار هذا القهر، ولكني أكدت لها أن غليان الطلبة داخل أسوار الجامعة وتجذُّر الكراهية والحقد سوف يطيح ذات يوم بالجميع.
فاستمرار المشروع الصهيوني، وسحب المبادرة العربية والعجز العربي، والدعم الأمريكي "لإسرائيل"، والانقسام الفلسطيني، وضرب المقاومة، وعجز الدول العربية عن استخدام مصطلح المقاومة في خطابها الرسمي.. كلُّ ذلك والشعب الفلسطيني تحت الحصار والمحرقة اليومية، فهل تعمد الدول العربية إلى استخلاص النتائج الجادَّة قبل أن ينفجر الشارع العربي الذي يشعر بالكراهية تجاه "إسرائيل" وأمريكا، والقهر بسبب عجز الحكومات في معظم الدول العربية عن إدارة موارد البلاد، فتفاقمت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك يكون الانفجار موجَّهًا إلى النظم وإلى ما يرمز إليه عجزها؟!
معنى ذلك أن الدول العربية من مصلحتها أن تتخذ موقفًا إيجابيًّا عقلانيًّا تجاه "إسرائيل" وأمريكا وتجاه شعوبها؛ حتى تفلت من الانفجار الكبير، ليس فقط في فلسطين ولكن ربما في المنطقة بأسرها؛ فقد مضى الزمن الذي كانت الرفاهة الداخلية بديلاً عن الحريات والمواقف الرسمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع إزاء توحُّش القوة "الإسرائيلية" والأمريكية على المنطقة العربية وتداعياته على المقدسات.