عندما تشارك الحكومات الإسلامية المجتمع الدولي في المناسبات الدولية كيوم المرأة العالمي- وأعني بها الحكومات التي قامت باسم الشعب لتحكم الدولة بدستور المصدر الرئيس للتشريع فيه هو الإسلام حتى لو لم تحترم هذه الحكومات دستورها- هي بالفعل تحمِّل نفسها ما لا تطيق بالخوض في المشاركة للتوجهات الدولية من أجل الدعاية أو إثبات غير الواقع.
في عام 1975م تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعو الدول لتخصيص يوم 8 مارس للاحتفال بحقوق المرأة والسلام الدولي، وهو يوافق اليوم الذي تظاهرت فيه المرأة الأمريكية رفضًا للظلم ومعاملتها السيئة في العمل، وتركت الأمم المتحدة لكل دولة اختيار طريقة تفعيلها لهذا اليوم بما يتفق مع التقاليد والأعراف التاريخية والوطنية لها، فشاركت العديد من الدول الغربية والعربية والإسلامية في هذه الاحتفالية السنوية، وكان على المشاركين إظهار مدى ما تمَّ تحقيقه في مجال المرأة من حرياتٍ ومدى ما حصلت عليه المرأة من امتيازات وإنجازات وحقوق.
والآن.. ما الدليل على التفعيل الإيجابي لهذا اليوم العالمي وما زالت الظروف هي هي والقهر هو هو والظلم كما هو؟.
ففي المشاركة السياسية التي تلقى دعايةً حكوميةً معلنةً نجد انخفاض النسبة إلى أدنى مستوياتها، ليس لعدم وجود كفاءات ولا لارتفاع نسبة الأمية، ولكن لظروف أمنية ومالية وثقافية واجتماعية؛ لقد رُشِّحت أكثر من امرأة في مصر نفسَها لعضوية مجلس الشعب، وبعد نجاحهن الساحق أمام منافسهن تمَّ تزوير النتيجة لأسباب أمنية.
ولأسباب أمنية أيضًا يَمنع الأزواج زوجاتهن من الخوض في الانتخابات بشكلٍ خاص، وعلى وجه العموم من المشاركة في الأنشطة المجتمعية؛ لتجنُّب تعرُّضهن لعنف الدولة، وعندما تسأل الأساتذة في الجامعات عن مشاركاتهن في الانتخابات تجد أكثرهن عازفاتٍ عن المشاركة لاقتناعهن بعدم جدوى المشاركة ولفقدان الثقة في نزاهة العملية الانتخابية، فتترك العملية برمتها، وعندما تفكر الأخريات في الترشيح فإن الأموال المطلوبة لإنجاز هذه العملية لا تتوفَّر بسهولةٍ تسمح لهن بالمشاركة، مع وضع المخاطرة النابعة من التزوير في الحسبان.. هذا في مجال المشاركة السياسية، فما بال التمكين الذي يدعو إليه المجتمع الدولي وفيه حدِّث ولا حرج؟.
ما أهمية المشاركة الدولية للدولة بهذا الاحتفال ما دامت الأسر المصرية وزوجات المُصلحين والمخلصين تعتقلهم الدولة في السجون، فتحرم الزوجات من أزواجهن والأطفال من آبائهم ومصالح الدولة من النبلاء، ويحرم الاقتصاد القومي من الأيدي النظيفة، وتشوه سمعة الشرفاء؟ ما الدليل على أهمية التفعيل ليوم المرأة العالمي ما دامت المرأة المصرية تُحرم من ممارسة حقها كمواطنة في التعيين في مصالح حكومية بسبب ارتدائها الزي الشرعي؟ هل وفَّرت لها الدولة العيشة الكريمة؟ هل أعطت لها حقها في وسائل مواصلات محترمة ونظيفة؟ هل أمَّنت الشوارع ضد سرقتها أو اغتصابها؟ هل ساعدتها على الحفاظ على أسرتها وزوجها؟ أم فتحت لها مجال الطلاق والخلع من أوسع أبوابه؟ هل أعانتها على الزواج وتكوين أسرة؟ أم ضيَّعت عمرها في البحث عن الحقوق الزائفة وطمس معالم الواجبات؟!!.
إذا أرادت الدولة إثبات عكس ذلك.. فهل تستطيع تلبية احتياجات المرأة الأمنية ومتطلباتها الغذائية وسلامتها النفسية واستقرارها المادي؟.
وأعتقد بأن تقدُّمًا إيجابيًّا لن يحدث طالما لم تنبع المشكلات والحلول المعلنة من بيئاتنا الحقيقية، ولم تُقدَّم حلول جوهرية تتفق وطبيعة المشكلات المجتمعية، ولم يتحرك صاحب هذه المشكلات للمطالبة بها بالأصل، فما جدوى المشاركة والتفعيل؟!.
وإذا كنا نريد أن نمثِّل دور النساء المعترضات على ظروف حياتهن في بلادهن وعلى ما توقعه الحكومات ضدهن من ظلم لهن ولأسرتهن ولأبنائهن كما فعلت الأمريكيات والألمانيات وغيرهن.. فهل ستشاركنا حكوماتنا في ذلك؟ وهل ستسعى لاستقطاب المجتمع الدولي تجاه قضايانا الحيوية؟ أم ستزداد ظلمًا وإحباطًا؟!.
عندها يجب أن ندعوَ المرأة المسلمة في أنحاء العالم إلى أن تأخذ ما منحها الله لها من حقوق وما منعها حكوماتهن، ليس بالطريقة الأمريكية في التعبير وفي الدعاية وفي التطبيق، ولكن بالعمل الصالح والتميُّز والوعي بالحقوق التي منحها الله لها؛ لإقامة الحجة على من يدَّعي حقوقًا بدون واجبات، وحقوقًا هي للدعاية أقرب منها للواقع، وهي لفئة مميزة تعطى لتزداد تمييزًا على سائر الناس، وتزداد الهوة والفجوة المجتمعية لصالح الفئة الحاكمة والموالية لها، وليكن للمرأة المسلمة يوم تفرح فيه وتقول للأمم الأخرى: "هاؤم اقرءوا كتابي"، يوم تصل فيه المرأة المسلمة إلى تحقيق ما أمرها به الله ورسوله، والذي يسمح لها بتحقيق السعادة في دينها ودنياها، وهو اليوم الذي تستطيع فيه التعبير الحقيقي عن واقعها بدون تشويش أو تضليل أو إرهاب دولة أو قوانين مفصَّلة لتبقى مقيدة، وهو اليوم الذي تستطيع فيه العيش بأمان داخل بيتها وخارجه، وتعيش عيشةً كريمةً عزيزة مبجَّلة، وهو ذلك اليوم الذي تُعطي لها دولتُها حقوقَها المشروعة؛ من صحةٍ جيدةٍ وتعليمٍ راقٍ، وسكنٍ كريمٍ واستقرارٍ نفسيٍّ وأسريٍّ، وهو اليوم الذي تقوم فيه المرأة بدورها في تنمية مجتمعها والمشاركة الحيوية والبنَّاءة بدون تحيُّزٍ أو مجاملة أو محسوبية، وهو ذلك اليوم الذي تهزم فيه المرأة كل ظلم أو طغيان أو فساد يضيِّعها أو يضيِّع أسرتها أو أبناءها أو يقف أمام قدراتها التي وهبها الله لها لتعمير الأرض ونشر الخير.
على أية حال فأنا لا أتصوَّر احترام العالم لنا إلا بعد أن نقوم نحن بالدور الإيجابي الذي يعبِّر فعلاً عن قضايانا الحقيقية والوقوف أمام الظلم والقهر حتى لو كلَّفنا ذلك العزيز الغالي، فلا عيدَ حقيقيًّا بدون تضحيات، وبعد النصر تأتي الفرحة بإذن الله؛ ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.