د. جمال نصار

 

ما زالت قوات الإجرام الصهيوني تواصل هجماتها ضد قطاع غزة على التوالي، وارتفع عدد شهداء الغارات حتى الآن إلى أكثر من 130 شهيدًا، و400 مصاب؛ عدد كبير منهم من الأطفال والمدنيين، في الوقت الذي هدَّد فيه إيهود أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني ووزير جيشه بأن "إسرائيل" لا تنوي وقف هجومها ولو لثانيةٍ واحدة.

 

ونشرت الغارات والهجمات الدموية التي تُشنُّ ضد القطاع رائحةَ الدم والبارود في كل مكان، وأظهرت المشاهد التي خلَّفتها عمليات القصف قسوة الجلاَّد، وأدمت صور النساء والأطفال والشبان الذين أجلت الطواقم الطبية أجسادهم التي مزَّقتها صواريخ الموت من تحت الركام قلوبَ العالم أجمع، وضاقت شوارع وأزقة مدينة غزة وشمالها ببيوت العزاء التي نُصبَت للضحايا الذين استشهدوا في الغارات المتلاحقة.

 

فأين أنتم يا حكام وملوك وأمراء وسلاطين العرب؟! هل ما زلتم في سباتكم العميق لا تتحركون؟! هل ما زلتم متشبثين بالكراسي والمناصب، تاركين من خلفكم هذا الركام والجرح الأليم الذي أصاب الشعب الفلسطيني الأعزل؟! ماذا تريدون؟! هل دوركم هو منع المظاهرات والفعاليات المساندة للقضية الفلسطينية، واعتقال الشرفاء من أبناء الأمة، وزيادة الخناق على إخواننا في قطاع غزة؟!.

 

اسمعوا إن شئتم قول الصحفي الصهيوني "تسفي بارئيل" في مقالٍ نشرته صحيفة "هآرتس" الصهيونية يوم الأحد (3/3/2008): "إن الصمت العربي الرسمي وتعليقات بعض المثقفين العرب على الحملة الصهيونية في قطاع غزة يُنظر إليه في "إسرائيل" على أنه "قبول عربي" بتلك الحملة وكأنها تستهدف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وليس كافة سكان غزة".

 

واعتَبر الكاتب أن مواقف الدول العربية والموقف المصري "المتهاون" على العملية، وغياب ردة فعل عربية قوية؛ يدلل على أن الأنظمة العربية تتعامل مع الحملة كما لو كانت حملة موجَّهة ضد حماس وليس ضد الشعب الفلسطيني في غزة (نحو 1.5 مليون نسمة).

 

كما لفت "بارئيل" إلى أن صنَّاع القرار في "إسرائيل" نظروا إلى تخصيص قناة "الجزيرة" الفضائية مساء السبت حلقةً كاملةً حول عدم تفاعل العالم العربي مع ما يجري في غزة، كضوء أخضر عربي لـ"إسرائيل" من أجل مواصلة حملتها.

 

وأشار إلى أن الانتقادات التي يوجِّهها المسئولون وبعض المثقفين العرب لإطلاق المقاومة الفلسطينية الصواريخ من غزة على المغتصبات الصهيونية منح الكيان الصهيوني شرعيةَ شنِّ حملته العسكرية.

 

ثم تأتي زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس للمنطقة في إطار ممارسة مزيدٍ من الضغط على الأطراف العربية لضمان عدم تجاوبهم مع نداءات الاستغاثة وطلب العون لقطاع غزة، بعد الكارثة التي ألمَّت به جرَّاء هذا العدوان الصهيوني الغاشم.

 

ولا شكَّ أن هذه الزيارة تأتي أيضًا من أجل إخماد حالة التململ الشعبي والجماهيري التضامني مع الشعب الفلسطيني من أجل توفير مزيدٍ من الدعم للاحتلال الصهيوني لارتكاب مجازر جديدة، وتشديد حصاره على غزة وللتغطية على جرائمه التي يرتكبها بحق أبناء الشعب الفلسطيني؛ فالإدارة الأمريكية شريك مباشر في جرائم هذا الاحتلال ضد أبناء قطاع غزة.

 

نحن إذن أمام مشاهد ستحفظها الذاكرة العربية وينبغي أن تحفظها.. لقد تآمر الكل على حماس وعلى الشعب الفلسطيني من أجل إرضاء أبناء القردة والخنازير بني صهيون، وأصبح الجندي المعتدي الأسير قضيةَ العرب والعالم وقضيةَ بعض قادة السلطة الفلسطينية الذين استثمروا ذلك سياسيًّا، وأخذ المتفاهمون معهم في الطرف الصهيوني يدعونهم إلى القفز إلى المتَّفق عليه وتطبيق وثيقة جنيف، وتناسَوا آلاف الفلسطينيين في سجون الاحتلال والسلطة.

 

إن الظروف تشير بوضوح إلى تواطؤ محكَم ونسيج سامٍّ ضد حماس وسلطتها، وضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

 

كل هذا والعرب في حالة صمت رهيب لا حِراكَ فيه، وإن ارتفع فصوت سياسي باهت، غريب مريب، يدعو لحياد بارد، ويقول بعقلانيةٍ لا تستشعر معها حال الجسد ولا ألم الجرح، ولا معنى الكرامة ولا مبدئية التضامن الإنساني، صوتٌ يقول إنه محايد، لا يدافع عن الفلسطينيين ولا يريد أن يدافع عنهم، ولكن "إسرائيل" التي تربطنا بها علاقات لا تقوم بما ينبغي من ضبط النفس؛ من حقها أن تحافظ على الأمن، وأن يشعر مواطنوها بالاطمئنان!!.

 

ولكن ما الذي يستطيع أن يقوله المرء في مثل هذه الحالة البائسة التي وصلت إليها سياسة وحصافة وثقافة وإعلام في أمة العرب؟! هل يستنهض المرء الأمة؟ أم يستنهض المقاومة؟ أم يبكي على الأمة والمقاومة معًا؟.

 

ببساطةٍ مطلقةٍ، لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يتنازل عن أرضه وحقوقه وحياته من دون رد فعل ومقاومة للقتل على الأقل، ولا بد من أن يدافع عن نفسه ودمه وإرادته بكل الوسائل المشروعة.

 

نحن أمام وقائع عربية أصبحت شبه مسلَّمات؛ فمعظم الأنظمة العربية تعيش حالة بؤس سياسي وتنظيمي، وعسكري واقتصادي، وإعلامي وثقافي، وهناك تواطؤ يجعل المخيم الفلسطيني ذاته لا يتحرَّك لنصرة ابن الشعب الفلسطيني المحاصَر والمقتول والمقهور في السجون!!.

 

ولا يرتفع صوتٌ مع القضية أو مع الحق أو مع المقاومة والكرامة، ولا ينصر أحدٌ الدمَ البريءَ، ولا المرأة والطفلَ في قطاع غزة.

 

وبهذا أصبحنا نسير في الطرق التي تُرسَم لنا، ولا نخرج عن المدارات التي تخطُّها أيدي الأعداء لتحدد لنا مسارات تحركنا.

 

لا أمل إذًا إلا في الشعوب العربية والإسلامية الحية والأبية التي تضحي بكل غالٍ وثمين لنجدة إخوانهم في فلسطين، وعلى المؤسسات والهيئات الخيرية، ومنظَّمات المجتمع المدني في كل أنحاء العالم التقدُّم ومد يد العون للمضارِّين والمحرومين في غزة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 38).

--------------

* nassareg2000@yahoo.com