بين يدي الموضوع..

القارئ للأحداث والمتابع لها يجد أن التضييق الواقع على الحركة الإسلامية في مصر قد بلغ ذروته، واستفحل أمره: مجموعة من الشرفاء تُصادر أموالهم، وتُغلق مصادر أرزاقهم، ويُكبَّلون خلف الأسوار والمعتقلات بأغلال الظلم والقهر والاستبداد؛ يُحرَمون حتى من المحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي ظلمًا وبغيًا وعدوانًا، وها نحن ننتظر النطق بالحكم قريبًا، ومجموعة قد طالتها يد الظلم والطغيان في محاولة خسيسةٍ لمنع أي نجاح لهم في انتخابات المحليات المقبلة، والتي يسعى الطغاة، ومن خلال القهر الأمني، إلى أن يُعيقوا تقدُّم الحركة، ويُقلِّصوا نجاحهم المتوقع، ويحاولون حسم المعركة مبكرًا لصالحهم من خلال استغلال سلطتهم التنفيذية في تحدٍّ سافرٍ لكل القيم والمبادئ التي طالما تشدَّقوا بها وأعلنوا احترامهم لها، وتعدٍّ واضح على حقوق المواطنة، وتضييع كامل لكل القوانين، وإهدار بيِّن لحقوق الإنسان.

 

نقول ونحن نعيش هذه الظروف، ويعيشها معنا أبناء المعتقلين وأسرهم وإخوانهم في الطريق ومحبُّوهم ومناصروهم، نقول لهم: تفاءلوا بالله خيرًا، واستعينوا على من ظلمكم بالصبر والدعاء، واعلموا أن لكم دعوةً مُستجابةً لا تُردُّ أبدًا؛ فنحن لا نشك لحظةً في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما بعثه لليمن: "اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" (البخاري: ح 2268)، وفي روايةٍ للطبراني: "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِين".

 

سنردِّد ونحن في ثبات ويقين وبأعلى أصواتنا ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52).

 

إننا رابحون على كل الأحوال بإذن الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (صحيح مسلم: ح 5318).. إننا الرابحون بإذن الله إن أقمتم العدل فينا أو ظلمتمونا، وموعدنا الآخرة ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: 18).

 

وحتى لا يتسرَّب اليأس إلينا أو يضعف الأمل في قلوبنا أن النصر قادم، كانت هذه الرسالة التي أخاطب بها إخواني المعتقلين وأسرهم، وإخوانهم على الطريق والذين لا يقلُّ ألمهم على مُصابهم في أقرب الناس رحِمًا لهم أو قرابةً منهم.. إنهم كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 

كونوا كبارًا وتفاءلوا

فكثيرًا ما يمر بالإنسان لحظاتٌ حرجةٌ يكون فيها على مفترق الطرق؛ تتلاطمه فيها أمواج الحياة بمشكلاتها ومنغِّصاتها، فتقتل الابتسامة في وجهة، وتقضي على الفرحة في قلبه، تضيق عليه الدنيا بما رحُبت، تستحكم حلقات الضيق عليه حتى يظنَّ أنها لن تُفرج أبدًا، حتى يتسرَّب اليأس إلى نفسه، والخور وقلة الهمة إلى قلبه، فيقعد مستسلمًا واضعًا يده على خدِّه منتظرًا حتفه ونهايته على الوضع الذي تقتضيه الأحداث دون أن يُحاول أو يُقاوم.

 

ويأتي هذا الخُلُق العظيم من أخلاق الكبار الذي يُكسبه القوة والشجاعة، ويلبسه حُلَّة الأمل والقدرة على التغيير للأفضل، والتحكم في مجريات الأمور.. إنه خلُق التفاؤل الذي يبعث في النفس الحيوية، ويُجدد فيها النشاط، ويُكسبها القوة والقدرة على التصدر للأحداث مهما عَظُم خطرها، ومهما استفحل أمرها، فيبدِّدها وينتصر عليها.

 

تفاءلوا أيها الدعاة

الدعاة الذين تحمَّلوا عبء الدعوة إلى الله هم أكثر الناس حاجةً إلى هذا الخلق العظيم؛ ذلك أن طريقهم كله صعاب، وسيلاحقهم كل من خالفهم، وكل مَن تعارضت مصالحهم مع دعوتهم، من هنا نقول: إن الدعاة إذا أرادوا أن يستكملوا مسيرهم ويؤدُّوا واجبهم الدعوي أن يتحلَّوا به وتُصبغ تصرفاتهم وأفعالهم بما يؤكد قناعاتهم به؛ فالدعاة في كل عصرٍ هم الذين يُضيَّق عليهم في وظائفهم، في أرزاقهم، في حركتهم، تكفل الطغاة بتكميم أفواههم إما بالتهديد، أو الحبس أو النفي، وأحياناً القتل، أغلقوا في وجوههم كل منافذ الاتصال بالجماهير، وعمدوا إلى تشويه صورهم والتشكيك في كلامهم، استخدموا معهم كل الأساليب المسموح منها والمحظور.

 

تُرى لماذا يفعلون ذلك؟!

إنه شيء واحد، هو تصدير اليأس إلى صفوفهم، وقتل الأمل في نفوسهم أن يحقِّقوا أي إصلاح؛ إنه التعتيم على كل عمل إيجابي يقومون به، وتضخيم الهنَّات من أخطائهم، مستغلِّين بذلك سلطانهم الأمني والإعلامي.. تُرى هل ستمكنهم من ذلك؟!

 

أخي الداعية..

كن كبيرًا متفائلاً، لا تجعل اليأس يقترب منك، لا تفقد الأمل في الإصلاح وتحقيق النصر؛ هم يعلمون أنهم حماة الباطل، أما أنت تدعو للحق وتدافع عن الحق.

 

أخي الداعية..

تذكَّر كيف بدأ رسولك دعوته وكيف حاربه طواغيت قومه وساداتهم؟ كيف حاصروه في شعب أبي طالب؟ كيف اعتقلوا أنصاره وعذبوهم؟ كيف حالوا بينه وبين الدعوة إلى الله حتى تركهم وهاجر إلى يثرب فارًّا بدينه؟.. تذكَّر كل هذا واسأل نفسك: أين هم الآن؟!

 

قُتل أبو جهل، ومات أبو لهب، وقُتل أُبيّ بن خلف، وقتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وغيرهم وغيرهم من صناديد الكفر ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 33).

 

أخي الداعية.. رسالتك هي رسالة الحق للعالمين، وهي التي ستعلو رايتها وينتصر جندها وإن طال ظلم الطغاة وبغيُهم، فدع عنك اليأس والإحباط؛ فقد أُرسل نبيُّك بالبشارة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (البقرة: من الآية 118).

 

أخي الداعية..

كن متفائلاً وأنت تسير في الطريق، ولا تستطِل المسافات، أو تستعظم ما تتعرَّض له، وتذكَّر هذا الحديث جيدًا وضعه نصب عينيك.. عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ.. لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (1).

 

أخي الداعية..

كن متفائلاً وأنت تسير في الطريق، واذكر قدوتك وأسوتك محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو خارج من مكة مطاردًا.. لا دولةَ له.. ولا جيشَ معه، وأنصاره مشرَّدون بين معتقلين في مكة ومهاجرين في الحبشة وآخرين في يثرب، وعندما أدركه سراقة بن مالك في الطريق وعده صلى الله عليه وسلم بسوارَي كسرى، وهو واثقٌ بنصر الله، متفائلاً في المستقبل؛ آملاً في الأحسن، متطلِّعًا للأفضل رغم قسوة الظروف ووحشتها.

 

أخي الداعية..

كن متفائلاً وتذكَّره صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من مكة إلى المدينة، وقد اختبأ في غار ثور، ويجتمع الطغاة على باب الغار،  فيشتد خوف الصدِّيق فيقول "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا" فيقول له النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!".

 

الله أكبر.. الله أكبر، نعم.. هكذا تكون الثقة في نصر الله، وهكذا يكون التفاؤل بمعية الله ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).

 

أخي الداعية..

تذكَّر وأنت تسير في الطريق قصةَ موسى عليه السلام وقد فرَّ بقومه من بطش فرعون وظلمه، فلما أدركه قال أتباع موسى في يئسٍ وإحباطٍ ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: 61) تخيَّل الصورة أمام عينيك؛ البحر أمامهم وفرعون وجنوده من خلفهم!!.

 

نعم.. قد تكون الصورة قاتمةً مظلمةً، والنجاة تكاد تكون معدومةً، ولكن كل هذا لا يفتُّ في عَضُد الكبار، ولا يوهن من عزم العظماء، فلم يفزع موسى ولم يتسلل اليأس إلى قلبه، ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62)، فكان الله عند حسن ظن موسى به ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66)﴾ (الشعراء).

 

أخي الداعية..

تذكَّر وأنت تسير في الطريق إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وحِيل بينك وبين الدعوة إلى الله، بل إذا سُجِنْتَ واعتُقِلت، وإذا طالتك يدُ الطغاة فكان الموت أقرب إليك من الحياة فلا تجعل اليأس يدخل قلبك، أو الشك يساورك ولو للحظة أنك قد ضللت الطريق، أو فقدت الدليل، بل كن على يقين بالفرج وانتظر النصر، واستمع إلى قول الله تعالى في وصف المسلمين في غزوة الأحزاب ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا (11)﴾ (الأحزاب).

 

تذكَّر إذا وضعت في هذه الظروف ألا تكون ممن قالوا ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (الأحزاب: 12)، وكن من المؤمنين الصادقين الواثقين في نصر الله ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).

 

أخي الداعية..

تذكَّر وأنت في الطريق أقوال حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تدعو إلى التفاؤل وطرد التشاؤم "لاَ عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ" (2) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: "بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا" (3).

 

لماذا التفاؤل من أخلاق الكبار؟

ولأن التفاؤل يعني اليقين التام بقدرة الله تعالى على كشف الغمة، وإزالة البلوى، وتحويل المحنة إلى منحة، يتفيَّؤ ظلالها، وينعم بها بعد لحظات الشدة والكرب.

 

ولأن التفاؤل يتطلَّب من صاحبه أن يكون صبورًا ذا قدرة كبيرة على تحمل المصاعب والمشاقّ.

 

ولأن التفاؤل يحتاج من صاحبة أن يكون صاحب همة عالية، وعزيمة قوية لا يتطرَّق إليها ضعف أو وهن، وهذا لا يكون إلا من الكبار.

 

ولأن التفاؤل يكون في وقت المحن والشدائد، وضعف الأمل في تغيير الأحداث؛ مما يعني ضرورة قبوله والتعامل معه والتفكير في طريقة للتخلص منه وتغييره.

 

ولأن التفاؤل يُعتبر بحق قوةً نفسيةً إيجابيةً، تمنح الإنسان القوة، وتجعله ينظر إلى الغد بابتسامة الأمل الكبير، وتمنحه قوة القائد الشجاع القادر على مصارعة أشدِّ الوحوش قوةً وأكثرها شراسةً، دون أن يُصيبه يأس أو يستحوذ عليه قنوط.

 

الكبار والتفاؤل

الكبار لهم مع التفاؤل مواقف لا تُنسى من ذاكرتهم، ومواقف لا تُمحى في تاريخهم، فمنه يستمدون الذكرى، ويُجدِّدون العهد، ويثبتون على الحق، لا تلين قنواتهم بسهولة، ولا يرفعون راية الإستسلام أبدًا، ولا تضعف عزائمهم ما دام فيهم عرق ينبض.

 

لقد استمدُّوا هذا التفاؤل، وتلك الثقة من يعقوب عليه السلام حينما وصَّى أبناءه حين ابتعثهم لطلب يوسف وأخيه فقال لهم ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).

 

واستمدوها من طالوت وأصحابه، حينما جاوز بهم النهر، فقال بعضهم في يأس وخور واستسلام ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، فأجاب أصحابه في ثبات المؤمنين، وقوة الواثقين، وعظمة المتفائلين: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

 

واستمدوها من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه حينما اجتمع الناس ليقاتلوهم، فكانوا ثابتين على الحق، متفائلين بالنصر، واثقين في الله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

 

واستمدوها من رسول الله وصحبه عندما لاقوا كفار قريش في بدر، ولم يكونوا مستعدين لقتال وإنما قصدوا العير، ولكن الله أراد القتال، ولم يكن هناك تكافؤ لا في العدد ولا في العدة، إنها معركةٌ بمعطيات العقل البشري محسومة لصالح الكفار من قريش، ورغم ذلك يقف النبي صلى الله عليه وسلم يرص الصفوف "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبَد" ثم التفت وكأن شقّ وجهه القمر وقال: "كأني أنظر إلى مصارع القوم عشيةً" (4).

 

تصوراتك تصنع حياتك

قناعات الإنسان وتصوراته، لها علاقة مباشرة بنظرة الإنسان إلى الأمور من حيث التشاؤم والتفاؤل؛ فالذي يسخط ويحزن وينظر إلى الحياة بمنظار أسود فسيراها كذلك، فتضيق عليه الأرض بما رحبت إن تعرَّض لأزمة وإن كانت بسيطة، وتبعد عليه المسافات وإن قربت، وتتعقَّد الأمور وإن سهلت، ولعلنا نلاحظ ذلك عندما تستحكم نظرة اليأس والتشاؤم من إنسان؛ فالإنسان الساخط غير الراضي بقسمة الله، تراه تسيطر عليه حالة من البؤس والشقاء، وتظلِّله غمامةٌ سوداء تحجب الرؤية عنه فلا يرى السعادة وإن كانت منه قريبة، بل يمكننا القول بأن الإنسان كالإناء يتلوَّن بما يحتويه، فإذا كان التفاؤل يملؤه، والبشر يغمره، انعكس ذلك على تصرفاته وأفكاره، فتراه يُعطي الحياة لونها البهيج، وإذا سيطر عليه التشاؤم، وأحاطه اليأس وتمكن من نفسه وقلبه، انعكس ذلك على تصرفاته ومنطقه في التعامل مع الأحداث، وسيكسوها القلق والاضطراب، ويُغطيها الخوف والانقباض من أقل الأحداث خطورةً.. يُروى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ عَلَيْكَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: طَهُورٌ بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَنَعَمْ إِذًا" (5)

 

من هنا نقول إن التفاؤل متى اكتست به النفس صارت قويةً عتيةً واستعصت على كل الصعاب، فلا أحد يستطيع أن يُنكر ما للروح المعنوية من أثر باهر لدى الأفراد والجماعات.

 

الكبار واليأس

اليأس لا يعرف إلى الكبار طريقًا، فهم مُحصَّنون منه بكتاب الله وكلمات الله.. إنها التربية العظيمة التي تمنحهم القوة على مجابهة الأمواج العاتية والظروف الحالكة، وكيف ييأس الكبار وربهم يناديهم ويدعوهم إلى عدم اليأس أو القنوط ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

 

وكيف ييأس الكبار وقد أخبرهم ربهم أن اليأس صفة الذين ضلوا الطريق وفقدوا الدليل ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: 56).

 

أهمية التفاؤل

التفاؤل لا غنى عنه لمن أراد أن يخطوَ للإمام ويصعد للقمم.. إنه السلاح الذي يقهر الخوف واليأس في نفس المؤمن.. إنه الصخرة التي يتحطَّم عليها كل صعب متشدِّد.. إنه الدابة التي يمتطيها الطالب نحو تحقيق هدفه والنبوغ في تخصصه.. إنه الوسيلة التي لا عوضَ عنها لمن أرد مصارعة المستحيل والتغلب عليه.

 

ومن فقد التفاؤل والأمل كان كمن دخل معركته بلا سلاحٍ يُقاتل به عدوَّه، لا.. بل قل إن شئت إنه فقد القدرة على القتال والحافز على الاستبسال؛ فقد دخل معركةً خاسرةً لا محالة.

 

حاجة الناس إلى التفاؤل

الكبار يوقنون أن الحياة بدون تفاؤل حياة لا روح فيها؛ فالتفاؤل يعني عندهم الأمل في مستقبل مشرق، واليأس في نظرهم سهمٌ مسمومٌ يصيب الإنسان في مقتل، فإذا به جثة هامدة لا حراك فيها، وإن نبضن عرقه وضخَّ القلب الدم في جسمه.

 

الكبار يستعينون بالتفاؤل والأمل في تجاوز محنهم، والقيام من عثراتهم، فلا غنى لأحد عن التفاؤل؛ فالطالب في حاجةٍ له كي يستسهل الصعاب في طريق تفوُّقه، والزارع حين يجدُّ ويجتهدُ يدفعه التفاؤل والأمل في حصاد يجمع فيه ثمرة تعبه ونصبه، والتاجر يغدو ويروح، يسافر ويرحل؛ يحمل البضائع ويتحمَّل مشاقَّ بيعها وتسويقها، يدفعه التفاؤل إلى الربح الحلال الوفير، والعالم يصبر ويُثابر في معمله، يُجري تجاربه فينجح مرةً ويخفق أخرى يدفعه التفاؤل إلى مواصلة العمل حتى يحقق النجاح ويصل إلى نتائجه.

 

والتفاؤل يحتاجه الجندي في ميادين المعارك؛ أملاً في تحقيق النصر، ويحتاجه المريض الملازم للفراش فيتحمَّل مرارة الدواء أملاً قي تحقق الشفاء وعودة الصحة والعافية، والتفاؤل يحتاجه الشعب المقهور المُحتل، فتهون عليه تضحياته وآلامه أملاً في الاستقلال والحصول على الحرية.

 

والتفاؤل يحتاجه المؤمن في سيره إلى الله؛ فهو يصبر على لأواء الطريق فليزم طاعة ربه، ويبتعد عن معصيته، فيتبع نبيه في كل ما أمر حتى وإن خالف هواه؛ أملاً في نيل جنته والفوز برضوانه.

 

التفاؤل مصدر الاطمئنان والسكينة

يقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي: "ومن مصادر السكينة لدى المؤمن ما يغمر جوانحه من أمل، ذلك الشعاع الذي يلوح للإنسان في دياجير الحياة، فيُضيء له الظلمات، ويُنير له المعالم، ويهديه السبيل؛ ذلك هو الأمل الذي به تنمو شجرة الحياة، ويرتفع صرح العمران، ويذوق المرء طعم السعادة، ويحس ببهجة الحياة.

 

الأمل قوة دافعة تشرح الصدر للعمل، وتخلق دواعي الكفاح من أجل الواجب، وتبعث النشاط في الروح والبدن، وتدفع الكسول إلى الجد، والمُجدّ إلى المداومة على جدِّه" (6).

 

اليأس وأثره

كما أن التفاؤل له أثره العظيم في نفوس الكبار في دفعهم للأمام، وتحقيق أهدافهم وتحديهم للصعاب والتغلب عليها؛ فإن اليأس والقنوط لهما أثرهما أيضًا السلبي على أصحاب الهمم الواهية والعزائم الفاترة والإرادة الضعيفة.

 

فاليأس متى تطرَّق إلى نفس الجندي والمقاتل قبل أن يدخل معركته، فإنه سيخسرها لا محالةَ وإن تزوَّد بأحدث الأسلحة وأشدّها فتكًا، واليأس إذا تمكَّن من نفس المريض فسيموت ويهلك وإن أخذ الدواء والتزم إرشادات الأطباء وتعليمات الحكماء.

 

واليأس سيقتل الطموح والرغبة في الارتقاء وإثبات الذات وإن سُخِّرت الإمكانات وزُلِّلت الصعاب ومُهِّدت الطرق، واليأس سيقطع الطريق على العبد متى أخطأ في حق مولاه، وسيمنعه من العودة إلى حظيرة الإيمان، وسيُغلق في وجهه الأبواب المفتَّحة له كي يعود.

 

واليأس سيجعل الطالب متى يئس من النجاح أن يستسلم للفشل، ويترك طريق الجِدِّ والاجتهاد، ويُرحِّب بالراحة والدعة، ولن يُجديَ معه نصحٌ ولن يشمَّ طريق التفوق وإن حصل على الدروس الخصوصية في جميع المواد.

 

مصدر التفاؤل

الإيمان هو المصدر الحقيقي الذي يستقي منه الكبار تفاؤلهم في الحياة؛ فالإيمان هو المعين الصافي الذي يتزوَّدون منه، ويُثبِّتهم إذا ادلهمَّت الخطوب، ويمنحهم القوة إذا أصابهم الضعف، ويملأ قلوبهم باليقين إذا تسرَّب اليأس والشك إلى قلوبهم، إنه الإيمان الذي متى رسخ في قلب العبد حطَّم الصعاب وتخطَّى الحواجز، واجتاز السدود وتغلَّب على كل العقبات.

 

الإيمان مصدر تفاؤل المؤمن؛ لأنه يمنحه القوة الحقيقية التي لا تُقهر ولا تُهزم؛ لأن المؤمن يعلم أن الله هو القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 

الإيمان من أكبر المصادر الذي يمنح الإنسان التفاؤل والإقبال؛ فالمؤمن يعتقد اعتقادًا جازمًا بهيمنة الله على الكون وسيطرته على مقاليد الأمور كلها، فكيف ييأس عبدٌ أصابه الفقر  وربه الله الذي بيده خزائن السماوات والأرض.. عطاياه بلا حدود، لا تنفد من كثر العطاء، ولا تقل من كثرة المنح والعطايا ﴿وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 7)؟! وكيف ييأس عبدٌ مريضٌ وربه قادر أن يشفيه وإن عجز الأطباء عن علاجه، وقد شفى أيوب من قبل وقد عجز عن شفائه أطباء عصره ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)﴾ (الأنبياء)؟! وكيف ييأس عبدٌ وربه يناديه إن هو أدبر، ويفرح بتوبته إن هو أقبل.. إله يجازيه الحسنة بعشرِ أمثالها، والسيئة بمثلها، وإن تاب غفرها له.. إله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل؟!

 

إنه الإيمان الذي يدبُّ الحياة في النفس الميتة باليأس والقنوط، فإذا هي شعلةٌ من النشاط والهمة العالية؛ فالله هو الذي يبني في تلك النفس التفاؤل ويُحيي فيها الأمل، ويجدِّد فيها النشاط حينما يخاطب جانب الفطرة فيها ويجعلها دائمًا تظن الخير وتتوقَّع الخير، وترجو الخير وتسعى إليه.. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (7).

 

وكأنه نداءٌ من العزيز الرحيم: قدِّم الظن الخير، وتفاءل بالخير تجده، وأقبِل فسوف تجد الله يقبل عليك.

 

الكبار وغيرهم

الكبار ينظرون إلى المستقبل نظرةَ استشراف وأمل وثقة؛ لأن المستقبل بيد الله، والله غفور رحيم، لا يسوق إلا كلَّ خير، ولا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها، وغيرهم ينظر إلى المستقبل نظرةَ تشاؤم وبؤس واستسلام وقلق وخوف، ويترقَّب الكوارث والمصائب.

 

الكبار إذا نزلت بهم نازلة أو أصابتهم مصيبة حمدوا الله واسترجعوا، ولم يتسرَّب اليأس إلى نفوسهم، فلا يجلس مكسورَ النفس مهمومَ الفؤاد، وإنما يرقب الفرج من الله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، بينما غيرهم من الناس يجزعون في المصاب، ويقهرهم الحدث، ويسيطر عليهم اليأس، ويمتلكهم الخوف، ويستسلمون لِمَا وقع بهم، ويعتبرون ما نزل بهم إنما هو بدايةٌ لسلسلة من المصائب.

 

ولذلك فإن الكبار بتفاؤلهم يستطيعون أن يتغلَّبوا على المصاعب ويقهروها؛ حتى يكون لهم شأن في الحياة، بينما غيرهم فالأحداث بتشاؤمهم تسحقهم، والمصائب تُضعفهم، ولا يستمتعون في حياتهم.

 

الكبار يوقنون بأن الله خلقهم في الدنيا ولم يقصد الشقاء لهم، أو يكتب التعاسة عليهم، بل خلقهم ليكونوا خليفته في الأرض ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ (الأنعام: من الآية 156)، بينما غيرهم بتشاؤمهم يرون الدنيا سوداء مظلمة، سعادتهم فيها لحظية، يرضون بالدنيَّة في كل شيء، يخشون الواقع وتقلُّب الأيام، ليس لديهم طموح يسعون إليه، قُتلت في نفوسهم الرغبة في الارتقاء والتقدم.

 

التفاؤل سلوك الكبار

التفاؤل من السلوك التي تُميِّز الكبار عن غيرهم؛ فالكبار إذا كانوا في ميادين القتال كانوا على يقين بعدالة قضيتهم والتي يُقاتلون من أجلها؛ لأنهم مع الله وفي سبيل الله، يردِّدون قوله ويستشعرون معيَّته ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ (173)﴾ (الصافات).

 

والكبار إذا كانوا على فراش المرض لم يتسلَّل اليأس إلى قلوبهم، ولم يفقدوا الأمل في الشفاء، ولم ينقطع رجاؤهم في العافية؛ صابرون على كل الأحوال، فهم ينظرون إليه (أي المرض) أنه مطهرة لذنوبهم، إنها نظرة الرضا والحب عن ربهم، وبجانب ذلك فهم يدعون ربهم آملين في الشفاء، يحدوهم ابتهال إبراهيم عليه السلام ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: 80).

 

والكبار إذا كبرت سنُّهم واقترب عمرهم من الانتهاء وأصبحوا على مشارف الموت وجاءهم النذير فاشتعل الشيب في رءوسهم، وضعف الجسد وأوهن، لم يحزنوا على ما فاتهم، ولم يبكوا حالهم، بل استشرفوا القادم، واستبشروا خيرًا، فلا زالوا على آمالهم واحتفظوا بحظهم المنتظر من ربهم؛ الرحمة والمغفرة، ثم الجنة والنعيم المقيم ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: 60: 63).

 

والكبار إذا أخطؤوا يومًا أو زلَّت نفوسهم لحظةً فارتكبوا ذنبًا، لم ييأسوا من رحمة الله، ولم يساورهم شكٌّ في مغفرته لهم، فمهما كانت ذنوبهم عظيمة فإن عفو الله أعظم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

 

والكبار في أشدِّ اللحظات ألمًا، وأقواها مصابًا، تراهم صابرون محتسبون، لم يتطرَّق اليأس إلى أفئدتهم، بل تجد فيهم الرجاء الشديد ألا يحرمهم الله الأجر في مصابهم، ويزيل ما نزل بهم من ألم، ويخفِّف ما وقع بهم من وجع ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 156-157).

 

الكبار إذا ظلمهم غيرهم، ونالوا من حقوقهم، لم يفقدوا الأمل في تحصيل ما فقدوه، ولم ييأسوا في أن حقهم سيصل إليهم يومًا ما ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (الحج: 60).

 

نماذج من تفاؤل الكبار

صلاح الدين الأيوبي

ذلك المجاهد.. من الكبار الذين حملوا على عاتقهم همَّ الدفاع عن المقدسات، وقرَّر قتل اليأس في نفوس المسلمين، وإحياء النخوة والقوة بداخلهم من جديد، فكان ظهوره بحق ميلادًا للأمل الذي طال انتظاره، ورجاءً شك الكثيرون في تحقيقه.

 

ظهر هذا البطل المغوار في ظروف صعبة، وفي وقت حرج، فَقَدَ فيه المسلمون هيبتهم في قلوب عدوِّهم، قبل أن يفقدوا كرامتهم وقوتهم في ميادين القتال، وساحات الحروب.

 

ظهر صلاح الدين وقد استولى الصليبيون على كثير من المدن الإسلامية، وفي مقدمتها مدينة القدس، وعلى رأسها المسجد الأقصى، وظلت في حوزتهم وتحت سيطرتهم قرابة قرن من الزمان، حتى يئس الجميع، ورُمي بالجنون والسفه من ظن أن تقوم للمسلمين قائمة، وظن المسلمون كما ظن غيرهم أن لا أمل في تحقيق النصر، والظفر على الأعداء، وتحرير المقدسات.

 

ولكن مع الإصرار والرغبة في التحرر، والأمل في حياة طيبة كريمة، والتفاؤل بمعية الله ونصره، والثقة في تأييد الله وتمكينه، استطاع هذا البطل العظيم أن يُحرر المسجد الأقصى، ويقهر الصليبيِّين، ويذيقهم لباس الذل والمهانة في معركة حطين الحاسمة.

 

سيف الدين قطز

بطل من الأبطال، وعظيم من العظماء.. واجه الكثير من التحديات، والعديد من الصعوبات، صارعته المحن في أشد صورها، الصورة كانت واضحةً أمام عينه، يأس متمكن من النفوس، واستسلام مُذلٌّ للعدو وهو في أعتى صور التجبُّر والقهر، إنهم المغول والتتار الذين أشعلوا الأرض حربًا، وسعوا في الأرض فسادًا، لم تكن لهم قيمٌ يحتكمون إليها، أو عهود يلتزمون بها، من حاربهم قاتلوه، ومن استسلم لهم أيضًا قتلوه وذبحوه، استطاعوا تخريب العالم الإسلامي وتدميره إن شئت أن تقول، نهبوا الأموال المصانة، وداسوا القيم المقدسة، وفتكوا بالأنفس البريئة، وهتكوا الأعراض المحرمة، حتى قيل إن هولاكو استطاع إقامة جبال شامخة وأهرامات عالية من جماجم المسلمين، وإن شئت أن تتضح الصورة أمام عينيك فاسمع إلى كلام المؤرخ "ابن الأثير الجزري" وهو يصف هول الأحداث: "لقد بقيت عدة سنين مُعرِضًا عن ذكر الحادثة؛ استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فكنت أُقَدِّمُ رجلاً وأؤخِّرُ أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب بيديه نعيَ الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني!! ويا ليتني كنت نسيًا منسيًّا!!".

 

من كان يظن أن يتخلَّص العالم الإسلامي من هذا الخطر الداهم، والجاثم على صدور المسلمين، لا أظن أن أحدًا كان يُفكر في التحرير، أو عنده الأمل في تحقيق ذلك، حتى جاء المجاهد الكبير، والفارس العظيم، الذي لا يعرف المستحيل، فخطَّط ودرس، وبثَّ الروح من جديد، وبنى اليقين في نفوس المسلمين، فاستطاع أن يقهر التتار ويُلحق بهم هزيمةً ساحقةً في معركة "عين جالوت"، رُفعت بها رؤوس المسلمين، وعلت بها هاماتُ المؤمنين، وأصبح لهم المجد والعظمة والرفعة.

 

الرسول والذين آمنوا في الأحزاب

هناك مواقف يُختبر فيها الرجال وتظهر حينها معادنهم، إنهم فريقان:

الأول: فريق واثق في النصر ثابت على الحق يبث الاطمئنان، وينشر الأمل في قلوب من حوله، وهؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:22).

 

والثاني: فريق فاقد الثقة، غير قادر على مواجهة الآخر، يبثُّ الخوف، وينشر الرعب، ويهزُّ الثقة في نفوس المحيطين به، فيُضعف الصفَّ، ويوهن تماسكه ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: 18).

 

وهذا الصنف من الناس (الفريق الثاني) وإن كان نفاقهم معلمًا رئيسيًّا من معالم شخصياتهم، وسمةً من سماتهم النفسية، إلا أن الخوف والخور واضح في أسلوبهم، فهم يخشون أن تكون الدائرة على المسلمين، وهم لا يكتمون ذلك بل يدعون غيرهم للتخاذل ولذلك سُمُّوا بالمعوِّقين؛ لأنهم يعوِّقون حركة التقدم إلى الأمام، ويعطِّلون مسيرة الحق، ويقتلون الحماسة في نفوس المرابطين، وصدق فيهم قول الله عز وجل ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (الأحزاب: 19)؛ أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادَّعَوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك (8).

 

القضاء والقدر

الكبار يؤمنون بقضاء الله وقدره، وهو في الحقيقة من أهم الدوافع للتفاؤل والإقدام دون خوف أو وجل؛ فكل شيء مقدور، وكل أمر مكتوب.. إن الإيمان بالقضاء والقدر ليشعل جذوة التفاؤل فيجعلها متَّقدةً لا ينطفئ لهيبها ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51)، وهكذا تظل روح المغامرة حيَّةً في نفوس الكبار، ولسان حالهم يقول: "لِمَ الخوف إذن؟".

 

بيد أن المنافقين المتشائمين في غزوة الأحزاب والذين اتصفوا بالمعوِّقين، والذين تخلخل الإيمان في قلوبهم فقدوا هذا الشعور؛ شعورَ الإيمان بالقدر، فكان دافعهم للخوف والخور والإعاقة؛ ولهذا جاء الرد القرآني تثبيتًا للمؤمنين ولإقرار الحقيقة في النفوس- كل النفوس- المؤمنة والنفوس غير المؤمنة، يقول تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (17)﴾ (الأحزاب).

 

يقول الأستاذ سيد قطب في تفسير هذه الآية: "إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر؛ يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة، والموت أو القتل قدرٌ لا مفرَّ من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر.

 

لن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فارٍّ، فإذا فرَّوا فإنهم يلقون حتفهم المكتوب في موعده القريب، وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل، ولا عاصمَ من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته، سواءٌ أراد بهم سوءًا أو أراد بهم رحمةً، ولا مولى لهم ولا نصير من دون الله يحميهم ويمنعهم من قدر الله.

 

إن اليقين الراسخ في قلوب الكبار بقضاء الله وقدره لا يجعلهم يهيمون على وجوههم أو تتوتَّر نفوسهم؛ فمهما اضطربت الأحداث وتقلَّبت الظروف والأحوال فلن يصيبهم ما يُصيب ضعيفي الإيمان قليلي الصلة بالله؛ فالمشيئة الإلهية وإرادة ربهم واقعة لا محالة ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

 

فالكبار نفوسهم هادئة مطمئنة، وبالهم ساكن مرتاح؛ فلا معنى لتوتُّرٍ يُصيب أعصابهم أو قلقٍ يتسرَّب إلى أفئدتهم تجاه أمورٍ تخرج على حدود إرادتهم.

 

إن الكبار ليعجَبون من عامة الناس الذين لا يجزعون من نزول المصائب أو وقوعها فحسب، بل يفزعون من أحزان يتوقَّعونها وكوارث ينتظرونها، وخيالهم الذي يُصوِّر لهم الحياة وكأنها غابة يأكل فيها الكبير الصغير، ينتظر الغدر والخيانة ممن حوله.. إنها نظرة الشؤم والطيرة.

 

الضعفاء هم الذين تفزعهم المصائب وتشتِّت أفكارهم وتمنعهم من التفكير الجادِّ للخروج من الأزمة، أما الكبار فلا يسترسلون في الأحزان التي تضاعف كآبتهم، وتزيد من حزنهم ولا تغيِّر من الأمر شيئًا.

 

الكبار يختصرون متاعبهم بمجابهة الواقع ومصارعته حتى يكون لهم ما أرادوا؛ فالكبار يعتبرون الصبر على مكروه يمكن للإنسان تغييره بلاده، والرضا به حمق.

 

وأخيرًا

سنستعين بالله على مَن ظلمنا وحاوَل بثَّ اليأس في نفوسنا، ونجاهد من قتل الأمل في قلوبنا، وسنقاوم بكل حق مشروع، ولن نيأس أبدًا، بل سنصدِّر اليأس لصدورهم من أن ينالوا من عزيمتنا أو إرادتنا، سنمضي قدمًا في طريقنا.. لن ترهبنا معتقلاتهم، ولن تفتَّ في عضدنا محاكمهم، سنستعين بالله عليهم، والله أعزُّ وأقوى ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).

 

توصية

وفي الختام أدعو كل من ظُلِم، وأهالي من ظُلِموا، ومُحبي وأنصار من ظلموا، أن يصوموا الإثنين ونصلي جميعًا بالليل نجأر إلى الله وندعوه، ونُفضي إليه بحاجاتنا، ونشكو إليه من ظلمنا.. سيدعو أبناء المظلومين المقهورين وأسرُهم وسنؤمِّن على دعائهم، ومن كانت له قدرة أن يتصدَّى لدعوة المظلوم فليفعل ولينتظر جزاءه ومصيره ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44).

-------------

المراجع:

1- صحيح البخاري: ح (3343).

2- صحيح البخاري: ح (5315).

3- صحيح مسلم: ح (3262).

4- السنن الكبرى للنسائي.

5- صحيح البخاري: ح (6916).

6- الإيمان والحياة: ص 156.

7- صحيح البخاري: (6858).

8- تفسير ابن كثير: ج6 ص 390.

------------

* yuomna@hotmail.com