لم تعد أحلام حواء قاصرة على مجرد وظيفة تكون بها امرأة عاملة، بل تخطت أحلامها إلى أبعد من ذلك بكثيرٍ، فوقفت تحت قبة البرلمان وعملت بالتدريس بالجامعات، وأصبحت وزيرةً وسفيرةً، وحتى منصب القضاء الذي ظل أحقابًا وقفًا على الرجال، تمكَّنت حواء من الوصول إليه وسط انبهار المؤيدين وسخط المعارضين.
ومع صيحات الدعوة لخروج المرأة وتزايد وجودها خارج نطاق منزلها وأسرتها، زادت جرأة الكثيرات وطموحهن للوصول إلى وظائف ومناصب كانت تُعد في الماضي من رابع المستحيلات.
وتأكد هذا بعد أن استجابت إحدى محاكم الأسرة لإحدى السيدات بقبول تعيينها في وظيفة مأذون في بلدتهم لتصبح بذلك حاملة للقب "أول مأذونة امرأة" في مصر؛ حيث المتعارف عليه أن يكون المأذون رجلاً.
![]() |
|
د. علي جمعة |
الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أشار إلى جواز تولي المرأة لمنصب المأذون، وقال: "إن المرأة الرشيدة لها أن تزوج نفسها وغيرها، وأن توكل في النكاح طالما توافر فيها شرط العدالة والمعرفة"؛ مستندًا إلى مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.
لكن فور صدور الحكم، هبت عواصف الجدل الصحفي والإعلامي والجماهيري ما بين مؤيد ومعارض، وظلَّ الكثيرون يشككون في قبول أكثر أفراد الشعب المصري للتعامل مع المأذونة، خاصةً في الريف والصعيد، بينما رأى آخرون أن المجتمع أصبح أكثر استعدادًا لما كان مرفوضًا من قبل.
"إخوان أون لاين" قام برصد الآراء المختلفة حول هذه القضية
نساء يرفضن
لم يتفق النساء على الموافقة على هذا الحكم، ويبدو أن التعصب لجنسهن والانتصار لمساواة المرأة للرجل ليست قضيةً مسلمًا بها من الجميع، بدليل أن دعاء السيد (محاسبة) رفضت الفكرة تمامًا، واعتبرت أنَّ عدمَ وجود حالة مماثلة على مدى التاريخ الإسلامي تدعم مثل هذه الوظيفة، يعني أنها من وظائفِ الرجال، وعلَّقت بقولها: "ليست مهارة أن أصر بصفتي امرأة أن أتساوى مع الرجل في كل شيء حتى لو كان الأمر لا يستحق أو غير متوافق مع طبيعتي".
وهو ما اختلفت معها فيه منال عبد السلام (ربة منزل) والتي اعتبرت أن كل خطوةٍ وفوز تُسجله أي امرأة هو فوز شخصي لها.
مخالفات شرعية
أما آراء الرجال فقد جاء أغلبها معارضًا ورافضًا للفكرة بإطلاق، فسراج الهادي (محاسب) بدأ كلامه بسؤال: هل يجوز للمرأة أن تُصلي؟ وأجاب عن سؤاله: بالتأكيد هذا فرضٌ عليها إن لم يكن هناك عذر شرعي، ثم سأل مجددًا: هل يجوز لها أن تُصلي بين صفوفِ الرجال؟ وأجاب: طبعًا, لا يجوز هذا شرعًا، ثم يعود متسائلاً: وهل يجوز للمرأة أن تعمل؟ نعم بشروط مثل عدم الخلوة بالرجل الأجنبي وعدم الاختلاط بالرجال، وفي حالة المأذونة نجد أن إبرام عقد الزواج يقتضي الاختلاط بالرجال، وبالتالي نضطر إلى السؤال: ما الحل؟.
هشام السعيد (محاسب) رأى أن هذا الموضوع يأخذ أكثر من حقه، وإثارته بهذه الطريقة تعد نوعًا من أنواعِ الاستخفاف بالعقول، خاصةً في ظل الأزمة الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية التي نحياها، واعتبر أن التركيز الإعلامي على مثل هذه الموضوعات يُساهم في تغييب العقل العربي واستباحته أمام مشاريع تمكين المرأة التي يُنادي بها الغرب، ويتعجب السعيد فيقول: هل من قلة المأذونين في مصر نطرح مثل هذا العبث أم من كثرة حالات الزواج!.
وكانت قضية تولي المرأة وظيفة المأذون قد طُرحت منذ سنوات طويلة على دار الإفتاء من قبل لجنة المأذونين بوزارة العدل، وحسم المفتى هذه القضية بإباحتها، وأجاز تعيين المرأة لمنصب مأذون، إلا أنَّ الملفَ أُغلق من وقتها.
مرفوض اجتماعيًّا
وجاء الاعتراض على غير المتوقع من سيدة، وهي د. فاطمة عبد الستار أستاذ علم الاجتماع، والتي أكدت أن هذه الوظيفة لم يسبق لها مثيل في واقع مجتمعاتنا الإسلامية والشرقية بسبب ما يواكب العقد من مراسم وطقوس بدايةً من دخول المسجد والعقد فيه، ثم إمساكها بيد العريس وولي العروس ثم إلقاء خطبة حول آداب الزفاف والتخفيف في المهور وقواعد الاختيار الصحيح للزوج والزوجة، معتبرةً أن كل هذه الأمور غير مقبولة اجتماعيًّا أن تؤديها امرأة.
وتساءلت مستنكرةً: أليس خروج المرأة للعمل يلزمه ضرورة شرعية ومجتمعية؟! مؤكدةً أنها لا توجد ضرورة مُلحَّة لاقتحام المرأة مثل هذه المهنة.
