خلال الأسبوعين الماضيين نظَّم مركز أحرار لدراسات الأسرى حملةً للتضامن مع النواب الأسرى في فلسطين المحتلة، والتي كانت فاتحةً لحملات تضامنية مع مَن تبقَّى من الأسرى؛ نساءً وأطفالاً ومرضى ومعتقلين إداريين، لكنني فوجئت قبل أيام بقيام أجهزة أمن السلطة الفلسطينية باعتقال فؤاد الخفش رئيس المركز والباحث المتخصص في متابعة شئون الأسرى.

 

قبلها بأيامٍ فوجئنا أيضًا بقيام ذات الأجهزة باعتقال الابن الثالث لجمال أبو الهيجا، القيادي في حركة حماس، وبطل معركة جنين المعزول في زنزانة انفرادية منذ خمس سنوات (بترت يده خلال المواجهات)، والذي يقبع ولداه الآخران (عبد السلام وعاصم) في الأسر.

 

هذا الواقع البائس الذي تعيشه الأسرة التي سبق أن اعتقلت ربتها وابنتها أيضًا لم يشفع لعماد، أما يوم الجمعة 22/2/2008م، فقد سمعنا عن موت الشيخ مجد البرغوثي (إمام مسجد قرية كوبر) تحت التعذيب في أحد سجون السلطة؛ الأمر الذي جرى تبريره بطريقة تُثير "القرف"!!.

 

ليست هذه حالات فريدة، وليس ثمَّة تهم استثنائية على فؤاد وعماد والشيخ مجد، بل هي أعمال يومية لأجهزة السلطة تباشرها كما تباشر أعمالها اليومية المعتادة؛ الأمر الذي لم يعد يحظى بأدنى تغطيةٍ في وسائل الإعلام؛ إذْ ما من يومٍ يمرُّ إلا ويُعتقل فيه عددٌ من المحسوبين على حركة حماس في الضفة الغربية!!.

 

سيُقال هنا إن عدد المحتجزين ليس كبيرًا، وإنهم 200 أو أقل أو أكثر، وقد يكون ذلك صحيحًا؛ إذ تعمد الأجهزة إلى اعتقال المطلوبين لأسابيع أو شهور ثم تُفرج عنهم بعد التحقيق معهم بالأساليب المعروفة، ليُستَبدلوا بعد ذلك بآخرين، وقد يُعاد اعتقالهم هم أنفسهم إذا مارسوا أي نشاطٍ سياسي أو حتى غير سياسي، في حين تعمد سلطات الاحتلال إلى اعتقال بعضهم بعد خروجهم من سجون السلطة؛ الأمر الذي يعتمد على ما يتوفَّر من معلومات، مع العلم أن معظم الذين جرى اعتقالهم من قِبل سلطات الاحتلال في الضفة الغربية خلال ما يقرب من عام كامل هم من كوادر حركة حماس.

 

يحدث ذلك كله تحت ذريعة الحيلولة دون تكرار ما جرى في قطاع غزة، يُلمس ذلك من خلال جملة التصريحات التي دأب مسئول الملف الأمني في مدينة نابلس على إطلاقها، هو الذي ما برح يفاخر بإنجازاته على صعيد تفكيك البنية التحتية لحركة حماس، في حين تتكفَّل وزارات ودوائر أخرى بتفكيك بنيتها الاجتماعية.

 

وسائل الإعلام لا يمكنها- بالطبع- الحديث عن هذه القضايا، وإلا تعرَّضت لعقوباتٍ من ألوان يعرفها المعنيون؛ ولذلك تغيب أخبار المعتقلين والممارسات الأخرى غيابًا شبه كامل، بينما تتفنَّن وسائل الإعلام الفلسطينية التي تصدر من الضفة في متابعة أية قصة أخرى مهما بلغ هزالها من تلك التي تجري في قطاع غزة، مع العلم أن الاعتقال السياسي ليس موجودًا هناك، بدليلِ أن قادة فتح يتحرَّكون بحرية، وكذلك كوادرها.

 

ندرك بالطبع أن هذا الذي يجري هو جزء لا يتجزَّأ من تنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق، وجزءٌ من أوراق الاعتماد التي على السلطة تقديمها كي تكون جديرةً بالحصول على المعونات الدولية التي تصل بالتدريج؛ اعتمادًا على تقارير حسن السلوك "الإسرائيلية"، مع العلم أن مثل هذه التقارير كانت إيجابيةً خلال الشهور الماضية؛ الأمر الذي لم يحدث على هذا النحو أيام عز التعاون الأمني خلال النصف الثاني من التسعينيات!!.

 

والحال أننا إزاء حملة تتجاوز البعد العسكري إلى البعد الاجتماعي والسياسي، وما وقع قبل أكثر من أسبوعين كان مثيرًا للاشمئزاز؛ إذ جيء بثلاثة رجال ليسوا من قيادة حماس أنهكتهم الاعتقالات المتوالية من الاحتلال والسلطة (أحدهم مصاب بمرض الكلى ويغسل ثلاث مرات في الأسبوع)، جيء بهم لكي يطالبوا إخوانهم في القطاع بالعودة عن الانقلاب وإخوانهم في الضفة بإلقاء السلاح ومبايعة السلطة، مع العلم أن العودة المذكورة لم تعد هي المطلب؛ إذًا لا بد من اعتراف بالاتفاقات مع الموافقة على الانتخابات المبكرة!!.