الأمة مجموعة من المجتمعات، والمجتمع مجموعة من الأسر، والأسرة مجموعة من الأفراد؛ إذن الفرد هو العمود الفقري للأمة، فإن سَلِمَ هذا الفرد من الآفات وكان قويًّا فتيًّا إيجابيًّا كانت أمته كذلك بلا شك، وإن كان على العكس فمجتمعه سيكون بالمثل.
والمجتمع الذي لا يعرف أفراده الإيجابية ولا يعملون لها ومن أجلها مجتمع متفكك متأخر متشرذم.
ونحن في سبيل الإصلاح، إصلاح الأفراد والمجتمعات، نحتاج لأن نؤصِّل قيمة الإيجابية بيننا، وأن نفعِّلها؛ حتى يتم التغيير ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
فالإيجابية حياة، حياةٌ بمعنى الكلمة للأفراد والمجتمعات؛ لأن السلبيين أموات وإن كانوا يدبون على ظهر الأرض بأرجلهم، وباطنها أولى لهم من ظاهرها إذا استمرءوا هذه الحياة الدون.
مفهوم الإيجابية
الإيجابية لغةً: هي مصدر صناعي من "وجب الشيء يجب وجوبًا: لزم وثبت، وأوجب الشيء: جعله لازمًا" (1).
و"قال اللحياني: وجب البيع جِبَةً ووجوبًا، وقد أوجب لك البيع وأوجبه هو إيجابًا. ا.ﻫ
يقال: وجب البيع يجب وجوبًا، وأوجبه إيجابًا، أي: لزم" (2).
الإيجابية اصطلاحًا: وهي- فيما نرى- حالةٌ في النفس تجعل صاحبها مهمومًا بأمر ما شرعي، ويرى أنه مسئول عنه تجاه الآخرين مسئوليةً أدبيةً نابعةً من ذاته، ولا يألو جهدًا في العمل له والسعي من أجله.
قيمة الإيجابية وأهميتها
الإيجابية هي الروح التي تدبُّ في الأفراد فتجعل لهم قيمةً في الحياة، وتدب في المجتمع فتجعله مجتمعًا نابضًا بالحياة، وهي الدليل الهادي والخريت(3) الذي لا يضل الطريق، والأمل الذي لا يتبدد، والمطية التي لا تكبو، وهي صمام أمان للجميع، وهي جماع عدة أمور من أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، وبرٍّ ووفاءٍ وصدقِ عهد مع الله... إلخ.
وتكمن أهمية الإيجابية- فيما نرى- في أنها (4):
1- تمنع من الانحراف في الدين:
لو أن هذا الدين الذي ختم الله به الرسالات، وأكمل به الشرائع، تُرك لكل واحد أن يدلوَ فيه بدلوه بالزيادة أو النقصان.. ماذا سيكون حال هذا الدين؟!.
لا بد أن النتيجة الحتمية هي التحريف في هذا الدين، وضياع صورته الحقيقية، وتشويه شكله وطمس معالمه الأصيلة وتزييف أهدافه النبيلة.
ولكن لو أن كل مسلم علم أنه على ثغر من ثغور الإسلام، وأنه مطالب بالحفاظ على هذا الدين من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، لظل هذا الدين في حصنٍ منيعٍ يستعصي على مَن يتربَّصون به الدوائر.
ومشكلة أي دين تكمن في الابتداع فيه؛ لذلك حذَّر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- منه، بل هدَّد وأوعد من يقدم على هذا الفعل فقال: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا" (5).
والبدعة لا تقوم ولا تظهر إلا عند غفلة أهل الحق وقعودهم عن القيام بالمسئولية المنوطة بهم، المعلَّقة في أعناقهم، فإذا وَجَدَتْ عند ابتدائها من يردها فإنها ترجع مدحورةً إلى جحرها، ولا تزال تطل برأسها بين الحين والآخر، وتنظر من طرف خفي حتى تجد الغفلة والسهو من أهل الحق فتعود من جديد.
2- تعمل على تصحيح المفاهيم:
المجتمع الإنساني تتفاوت فيه مستويات الفهم؛ فهناك مَن يسير على الجادة وهناك من ينحرف به الطريق، والمجتمع الإسلامي ليس بدعًا في هذا الأمر، ولكن ما العاصم إذا ما حدث انحراف في الفهم؟.
هنا لم يتركنا الإسلام للأهواء تتقاذفنا حيث تشاء، ولكنه وضح لنا المنهج؛ حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي" (6).
فنرى هنا أن الفهم الصحيح يعتمد على شقين: شق نظري، وشق تطبيقي. أما النظري فهو كتاب الله، وأما العملي فهم القائمون على تطبيق ما جاء في كتاب الله، وعلى رأس هؤلاء عترة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو أن الأمر ترك هكذا؛ كلٌّ يفعل ما يراه صوابًا دون مرجعية من العلماء العاملين الذين يقفون بالمرصاد لكل من أخطأ الطريق، لوجدنا أن الإسلام يتشعب بعدد الآراء والأهواء.
3- تمنع من عذاب الله عز وجل:
المسلم الفطن هو الذي يعرف كيف يقي نفسه من السوء، بل ويقي غيره منه، وأعظم السوء أن يحلَّ بقوم غضب الله وعقابه وانتقامه لذنوبٍ اقترفوها ولم يرجعوا عنها.
ولا يحل العذاب بقوم إلا إذا فشا فيهم المنكر، غير عابئين بنصح ناصح أو إرشاد مرشد، والطامة الكبرى أن يقع الجميع في المنكر ولا يوجد مَن يردهم عنه.
ولا شكَّ أن الذي يتحرك لتغيير المنكر هو الذي ينجيه الله- عز وجل- من سوء العذاب، ويتضح هذا من تلك القصة التي أمر الله- عز وجل- رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر اليهود بها، فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾ (الأعراف).
4- تمنع من جور الحكام والسلاطين:
الحاكم ما هو إلا فرد من أفراد المجتمع، وقد خوَّله هذا المجتمع أن يباشر حكمهم، فإذا قام بينهم بالعدل فهذا غاية المُنى، وإن لم يعدل وجب على مجتمعه أن يبيِّن له مغبة ظلمه.
وما تجبَّر المتجبِّرون إلا عندما عجزت شعوبهم أن تردَّهم عن غيِّهم، والإيجابية تمنع من جَوْر الحاكم، وتساعد على ردِّ المظالم إلى أهلها؛ فالحاكم إذا سوَّلت له نفسه أن يجور على الرعية، ولا يقسم بالسوية، ووجد مَن يصده من العلماء المخلصين العاملين الذين يبلغون رسالات ربهم ولا يخشون لومة لائم؛ فهو- لا محالةَ- منتهٍ عمَّا يُفكِّر فيه؛ لأن العلماء العاملين سيقفون في طريقه حجر عثرة لا يستطيع أن يتخطاها.
أما إذا لم يرتدع ولم ينتهِ عن غيِّه وتمادى في ظلمه، وخشي الناس بطشه وخافوا غوائله، عندئذٍ عظّم النبي- صلى الله عليه وسلم- أجر من يقف في وجهه قائلاً كلمة الحق، واعتبرها أفضل الجهاد، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" (7).
ودائمًا الحرُّ الأبيُّ هو الذي يأبى الضيم والذل والهوان، ولكن العاجز الذي هانت عليه نفسه هو الذي يهون على الناس، وكما قال المتنبي:
مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
5- تحافظ على المجتمع من عوامل الضعف:
المجتمع البشري كالأفراد تمامًا بتمام؛ يصيبه ما يصيبهم، والعلاقة بين المجتمعات والأفراد علاقة طردية؛ فكلما حسنت حالة الأفراد حسنت حالة المجتمعات، والعكس بالعكس؛ لأن المجتمع ما هو إلا أفراد البشر الذين تجمعهم علاقات وروابط وأهداف واحدة، ويعيشون في صعيد واحد.
فإذا كانت الأهداف والغايات ساميةً، والوسائل مشروعةً، والتصورات واحدةً، والتعاون بين الأفراد قائمًا، فهذا مجتمع قوي يقوم على أسس سليمة متينة.
أما إذا انحطت الغايات، واستُخدمت الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وحدث اختلاف في التصورات، فالنتيجة الحتمية أنه لا تعاون بين أفراد هذا المجتمع؛ مما يكون مؤشرًا على ضعفه.
فالإيجابية هي التي تبني الفرد بناءً سليمًا، وإذا شعر الفرد بمسئوليته تجاه مجتمعه أهمَّه ما قد يجده من سلبيات فيه، فيعمل على تغييرها أو إزالتها بالتعاون مع مَن ينتهجون نفس المنهج وتجمعهم نفس التصورات.
وقد صوَّر النبي- صلى الله عليه وسلم- في تصويرٍ دقيق حال الأفراد إذا كانوا إيجابيين، ونتيجة ذلك على المجتمع الذي يعيشون فيه، والذي صوَّره بسفينةٍ تسير وسط الأمواج المضطربة، وحالهم إذا كانوا سلبيين وأثر ذلك على المجتمع نفسه؛ صوَّر ذلك كله في صورةٍ تمثيلية فقال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا. فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا: لاَ نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا. فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا: فَإِنَّا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي. فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا" (8).
ففي هذا الحديث النبوي الشريف يضرب لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- المثل حتى تتضح أمامنا حقيقة الأشياء ويزول اللبس؛ حيث شبَّه المجتمع الذي نعيش على أرضه بالسفينة، والمعاصي والذنوب بالبحر، والأفراد الذين يركبون السفينة هم أفراد المجتمع، فلو أن هؤلاء الأفراد تناصحوا فيما بينهم وتعاونوا على البر والتقوى وتناهوا عن الإثم والعدوان، كان مجتمعهم عاليًا راقيًا قويًّا فتيًّا.
وعلى العكس من ذلك؛ فلو ساد في هذا المجتمع التناحر واقتراف المعاصي وعدم المبالاة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، لأصبح هذا المجتمع ضعيفًا ركيكًا، ولأصبح قول الحق فيه والتناهي عن المحرمات وارتكاب الموبقات وفعل المهلكات صرخةً في وادٍ أو نفخةً في رمادٍ.
والمجتمع السلبي الذي يعيش فيه كل فرد لنفسه على حساب الآخرين مجتمع زائل لا محالة، كما أن المجتمع الإيجابي المتناصحين أفراده، المتحدة أفكاره، المتوافقة أهدافه مجتمع راقٍ عالٍ لا شك، وهذا ما بيَّنه لنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي سقناه آنفًا.
والتمزق والتشرذم من عوامل ضعف المجتمعات، بل هما كالسوس الذي ينخر في عظام المجتمع حتى يخرَّ عاليه على سافله، ومن أشد ما يساعد على التفرق والتشرذم أن تكثر الأشياع والفِرَق والأهواء، ويكثر الخروج على الحاكم الشرعي الذي اجتمعت عليه الكلمة؛ فمن أراد أن يشقَّ وحدة الصف وجب على المسلمين أن يقفوا أمامه، وإن وصل الحد للقتال للحفاظ على الوحدة للمجتمع الإسلامي.
وتخيَّل مجتمعًا يكثر فيه طالبو الرياسة والوجاهة.. هل يستقيم أمره؟! أو يكون له شوكة تحميه من الأخطار المحدقة به؟! لا شك أنه سيكون كالريشة في مهب الريح؛ لا تملك من أمرها شيئًا؛ لذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا" (9).
6- تُعرِّف المرء ما له من حقوق وما عليه من واجبات:
يعيش المرء في مجتمعه من خلال شبكة معقدة من العلاقات، ولا بد من وجود قواعد تنظِّم تلك العلاقات، والقاعدة المحكمة هي أن يعرف المرء ما له من حقوق وما عليه من واجبات؛ فلا يعيش ينتظر من الآخرين ما عليهم تجاهه من حقوق وينسى الواجبات المنوطة به، ولكن كما يأخذ يعطي، فلا ينتظر الولد- مثلاً- أن يلبيَ أبوه كل ما يرغب فيه، وفي المقابل يضن على أبيه ببرِّه والإحسان إليه، ولا ينتظر الزوج كذلك أن يأخذ حقوقه من زوجته كاملةً غير منقوصة دون أن يعترف بالواجبات المعلَّقة بعنقه تجاهها، وهكذا على كل المستويات والأصعدة.
فالسلبي هو الذي لا يرى لغيره حقوقًا عليه، وفي المقابل يحب أن يأخذ كل ما يراه حقوقًا مكتسبةً له، ويضيق صدره ويتبرم إذا قصَّر أحد معه أو منعه ما يراه حقًّا له.
7- تجعل المرء يتحمَّل مصاعب الحياة ويتغلَّب عليها:
الحياة لا تسير دائمًا على وتيرةٍ واحدة؛ فيوم حلو وآخر مر، وكما قال الشاعر أبو البقاء الرندي:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
والإنسان السلبي هو الذي تغلبه الأزمات، وتصرعه الملمات، وربنا- عز وجل- يأمر المسلمين بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (آل عمران: من الآية 139) تهنوا: أي تضعفوا؛ فالوهن هو سبب تكالب الأعداء علينا؛ فالهزيمة داخلية قبل أن تكون خارجية، وهذا هو الواضح من قوله- صلى الله عليه وسلم-: "يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا". فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ" فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ.. وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"(10).
فما قيمة العدد الكثير الذي لا يقوى على تحمُّل المشاق، وينكص على عقبيه عند ملاقاة الأهوال؟! وكما يقال: العبرة بالكيف لا بالكم، وهذا معلوم من قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 249).
فبتوطين المرء نفسَه على الجلَد والصبر والمثابرة يكون قد أخذ عُدَّته التي بها يلاقي أصعب الظروف وأحلكها، ويخرج من تلك المعركة منتصرًا ظافرًا.
وقد قلت في ذلك:
وبالصبر الجميل حملت نفسي فنلت به المآرب والخلالا
8- تمنع المرء من الوقوع في اليأس والقنوط:
من ذاق طعم الفشل عرف لذة النجاح، والنجاح كوميض البرق؛ ما يلبث أن يظهر حتى يختفي؛ فالمحافظة على النجاح تحتاج إلى صبرٍ ومثابرةٍ وعزم أكيد، وكما قيل: الوصول إلى القمة سهل، ولكن الحفاظ عليها هو الصعب.
والمرء إذا أخطأ طريق النجاح مرةً لا بد أنه سيصيبها في مرة أخرى قادمة؛ فالمهم ألا نيأس وألا يدب القنوط في نفوسنا؛ فاليأس والقنوط عقبة كئود في طرق نجاح الدعوات، ولو أن كل صاحب دعوة ربانية أو غاية نبيلة أو هدف سامٍ قابلته مشكلة يترك ما يريد أو ما أُريد له من شدة الإحباط لما بُلِّغت الرسالات ولا عُرفَت الشرائع، ولنا الأسوة والقدوة في أصحاب الدعوات الربانيين من الأنبياء والرسل الذين واجهوا مجتمعاتهم المنحرفة عن النهج السليم وحدهم؛ فمنهم من فتح الله له القلوب بعد انغلاقها، ومنهم من لم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، ولكنه لم ييأس ولم يفتر حتى جاءه الفرج من الله عز وجل.
6- تساعد في نشر الدعوة الإسلامية:
المرء الشديد التمسك بما يؤمن به تجده جذوةً متقدةً لا تخبو، يحوِّل المكان من حوله من حالٍ إلى حال؛ نتيجةً لأثره فيه.
وهذا الأمر تستوي فيه كل العقائد والأفكار حتى وإن كانت باطلة، فتجد النصرانية بها من يكون شديد الحماس لها ويبذل كل ما في وسعه ولا يألو جهدًا في أن يبشر بها، ونجد كذلك الشيوعيين وغيرهم ينشرون أفكارهم؛ لأنهم مؤمنون بها ومعتقدون فيها ومخلصون في العمل لها.
والعيب ليس فيمن يبشِّر بما يؤمن به حتى ولو كان باطلاً، ولكن العيب فيمن يكون على الحق ولا يدفعه ذلك إلى نشر دعوته بين الناس، رغم أنهم في أمسِّ الحاجة لها.
إنَّ من تخبُّط البشر أن يلجئوا إلى ديانات وضعية كالبوذية مثلاً؛ لأنها قد تعالج بعض الأمور الروحية التي يفقدها الماديون في حياتهم؛ فلا هم بقوا على دينهم المحرَّف، ولا هم دخلوا في دين سماوي صحيح جاء من عند الله (الإسلام).
إن هؤلاء يحتاجون منا أن ندعوَهم وأن نكثف المجهودات لتبليغ رسالة ربنا- جل وعلا- لهم.
إن البشرية محتاجة لمن يقوِّم لها تصوراتها ويهديها سبلها ويرشدها للمنهاج الأقوم؛ فقد جُرِّبت كل الطرق والحلول، ولم يبقَ إلا الإسلام.
وحالنا والإسلام كصاحب بضاعة متميزة لا توجد عند غيره، ولكنه لا يجيد عرضها على الزبائن، فيزهد فيها المبتاعون.
10- تسهم في البناء الحضاري للإسلام:
الحضارة الإسلامية أسمى الحضارات التي وُجدت في هذه الحياة الدنيا؛ فهي حضارة طارت بجناحين: جناح السمو الروحي والأخلاقي، وجناح الرقي المادي، فلم تهمل جانبًا على حساب آخر؛ فالحضارة التي تهمل الروح والقيم والأخلاق وتمضي في التقدم المادي إلى أوج ما يمكن أن يتوصل إليه هي حضارة خداج لا تلبث أن تطير حتى تقع من شاهق.
وعندما فرَّق المسلمون بين العلم والعمل، وبدأ الجمود والتقليد يحل فيهم، عندها كانت الحضارة الإسلامية قد بلغت منتهاها في المد وبدأت في الجزر، وحينها أخذت موقع الصدارة منها الحضارة الغربية التي بلغت أوج الرقي المادي مع انحدارٍ وتدنٍّ في المستوى الروحي والأخلاقي.
وحضارةٌ كالحضارة الغربية لن تستمر طويلاً، والدولة الآن للحضارة الإسلامية التي تحتاج من أبنائها أن يرجعوا إلى ربهم، وأن يتفوَّقوا في كل ميادين العلوم؛ لا فرقَ بين علم شرعي وعلم دنيوي؛ فالكل يخدم الإنسان المسلم في دنياه وآخرته، فلو علم كل مسلم أنه على ثغر من ثغور الإسلام لأدَّى ما عليه من واجبات على أحسن ما يكون الأداء، ولأدَّى ذلك إلى الارتقاء بالمجتمع والنهوض بالأمة واستعادة مجدها التليد المفقود؛ فما فقدت الأمة السيادة وما نزلت عن عرش الريادة إلا بعدما شبَّت فيها نيران السلبية فحوَّلتها من أمة قوية فتية إلى أمة مغصوبة منكوبة؛ انشرخ جدارها وانكسر ساقها، ولا سبيل إلى رفعتها واسترداد مكانتها إلا بالعودة إلى كتاب ربها وسنة نبيها.
--------------
1- مجمع اللغة العربية، المعجم الوجيز، طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، سنة 1411ﻫ-1991م، ص (660) باختصار.
2- محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، (1/793) باختصار.
3- الخِرِّيت: الدليلُ الحاذقُ بالدلالة. (اللسان، مادة "خرت").
4- هذه بعض النقاط التي تظهر أهمية الإيجابية، وإن كانت دائرتها أوسع مما ذكرنا بكثير.
5- أخرجه ابن ماجه في "المقدمة"، باب: "من أحيا سنة قد أميتت"، ح (205)، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه"، ح (209).
6- أخرجه الترمذي في "المناقب"، باب: "مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم"، ح (3718)، قال الترمذي: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي"، ح (3786).
7- أخرجه ابن ماجه في "الْفِتَنِ"، باب: "الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ"، ح (4001)، وقد صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه"، ح (4011).
8- أخرجه الترمذي في "الفتن"، ح (2099)، وقَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
9- أخرجه مسلم في "الإمارة"، باب: "إذا بويع لخليفتين"، ح (3444).
10- أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ح (21363)، وأبو داود في "الملاحم"، باب: "في تداعي الأمم على الإسلام"، ح (3745)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"، ح (4297).