وسط ترقب مشوب بالحذر من الإخوان المسلمين ومن المتابعين للإخوان والمهتمِّين بشئون الحريات وممارسة العمل السياسي في مصر والعالم، تمَّ الإعلان عن تأجيل محاكمة 40 من قيادات ورموز الإخوان المسلمين إلى 25 مارس القادم.

 

ويأتي هذا التأجيل والذي كان متوقَّعًا بنسبة كبيرة بسبب التوقيت والمناخ العام السائد في مصر غير المناسبَين لاستصدار أحكام قد تكون لها عواقب وخيمة.

 

وفي قراءة أولية لتحليل أبعاد هذا التأجيل وملابساته، كان لا بد أن نتناول القرار من زوايا عدة وتأتي في مقدمتها:

1- انتخابات المحليات القادمة

فقد فرضت انتخابات المحليات نفسها على المحاكمة العسكرية لقيادات الإخوان، وكذلك توقيتها وظروفها، ولعل المحليات من أقوى المؤثرات التي أثَّرت في قرار التأجيل؛ حيث إن الحكومة تخشى من تداعيات أي قرار تصدره المحكمة.

 

2- طبيعة المحاكمات

حيث يصبح استصدار حكم من أول جلسة من الأمور غير المألوفة، بل من الطبيعي أن يتم التأجيل لمرة ومرتين وثلاث، وهذا هو العرف السائد في المحاكم بشكل عام، ومن المتوقَّع أن يتم تأجيل المحكمة لمرة تالية بعد 25 مارس.

 

3- توتر الجو العام

فالجوّ السائد في مصر حاليًّا يتَّسم بالشحن الزائد والتوتر والصعوبة، لما يمر به من أحداث وفعاليات، ما بين أحداث حصار غزة وتداعياته المستمرة، وما بين حملة الاعتقالات المتواكبة مع بدء الإعلان عن انتخابات المحليات، ثم تداعيات إعادة رسم الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم.

 

4- حرب التوازنات والمواءمات

فهناك حرب غير معلنة في التوازنات، ما بين تيارين متصارعين مختلفَين فيما بينهما (التيار السياسي والتيار الأمني)، ولكلٍّ منهما رؤيته في حسم القضية العسكرية مع الإخوان، ولكلٍّ مبرّراتُه وتحليلاتُه التي يقوم عليها قراره، وقد بدا واضحًا مدى هذا الانقسام والفشل في الحسم حتى الآن.

 

وأيضًا حرب توازنات ما بين صراعات السلطة الثلاثة المتنازعة في البيت الحاكم (الأب- الابن- الزوجة)، ويضاف إليها حرب التوازنات بين التيارات الحاكمة (الفكر الجديد والحرس القديم)، ومن هنا جاء التأجيل دلالةً قاطعةً على سياسة المحاكمة وإخضاعها للمواءمات وحسابات لا علاقة لها بالمبررات القانونية.

 

5- امتصاص غضب

فيأتي تأجيل المحكمة لامتصاص غضب كان من الممكن أن يثور هنا وهناك، سواءٌ من الإخوان قيادةً أو أفرادًا، أو من غير الإخوان سياسيين وإعلاميين، وحتى لا تثير غضب عامة الناس، وإن كان الأخير مستبعدًا من حسابات النظام.

 

6- المد والجزر في علاقة النظام بالإخوان

ففي الوقت الذي أعدَّ فيه قرار تأجيل المحاكمة العسكرية، قام النظام باعتقال مجموعة من إخوان الجيزة تجاوز عددهم 17 على خلفية انتخابات المحليات، وهكذا هو الحال عند النظام الحاكم مع الإخوان، شدٌّ وضغطٌ عليهم من ناحية ومن ناحية أخرى.

 

7- أولاً وآخرًا

فوق هذا وذاك، إنه اليقين بأن قدر الله غالب وقدره لا يرد ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).. إنها دعوات الملايين من الإخوان في كل مكان.. إنها دعوات الأخوات المسلمات والنساء والأطفال.. إنها دعوات المخلصين الصادقين المقربين من ربهم.. إنها أنات المقهورين والمظلومين.. إنها ركعاتُ السحر، وسجداتُ الذلّ، وقنوت الصلوات، إنها دعوات الصائمين ودعاء أوقات الإجابة، فلله الحمد القائل ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ (النساء: من الآية 104).

 

كلمة حق

إلى الأبطال المحاكَمين.. إلى رمز الشموخ في دعوتنا.. إلى الصابرين المحتسبين في سجون الظلم.. إلى الذين لم يهنوا ولم يحزنوا.. إلى الذين أعطونا أعظم الدروس في الصبر والثبات والتضحية، إن هذا التأجيل واستمرار حبسكم واعتقالكم ظلما وزورًا، إنما هو تاريخ جديد يضاف إلى تاريخكم، وأيام خالدة تسطَّر في صفحاتكم، تنير لنا ولأجيال الأمة الحالية والقادمة الدرب، وتؤكد لنا صحة السير على طريق، وسيبقى صبركم وجهادكم وعطاؤكم محفوظًا لكم في صحائف أعمالكم، وشافعًا لكم يوم العرض على الله، وسيبقى ذخرًا لكم عبر أجيال الأمة، نستمدُّ منه أسمى آيات العزة والفخار والعمل المتواصل والإرادة القوية والتضحية العزيزة والوفاء الثابت، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).

 

ختامًا

أيها الإخوان بالداخل والخارج، لا تستصغروا قوتكم الإيمانية وحسن صلتكم بالمولى؛ فهي السند الأقوى والأبقى والأعلى أمام قوى الباطل والظلم والزور، فحافظوا على سمتكم الرباني، وروحانية أعمالكم، وربانية دعوتكم، وواصلوا الالتزام بتوجيهات قيادتنا الراشدة، والالتفاف حولها، وحوِّلوا المشاعر إلى أعمال وأفعال، واستمرُّوا على النهج المبين خلف دعوتكم؛ لعلَّ الله أن يرزقنا ودعوتنا فرجًا قريبًا ونصرًا مبينًا ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)، والله أكبر ولله الحمد.