أثبتت الفصائل الكرتونية التي أكل عليها الزمن وشرب أنها لم تعُد مؤتمنةً على الشعب الفلسطيني ولا على حقوقه، بعد أن أُخرست ألسنتها تجاه معاناة الشعب الفلسطيني، سواءٌ على المستوى الداخلي أو اتجاه الصراع مع "إسرائيل"، والحصار المتواصل على قطاع غزة.

 

تتعامل هذه الفصائل مع معاناة شعبنا الفلسطيني، وكأن الأمر لا يعينها، ولعل تعاملها مع قتل الشيخ الداعية مجد عبد العزيز البرغوثي بالتعذيب حتى الموت أنموذجٌ للازدواجية والعين الواحدة التي لا ترى سوى من خلال أحد الفصائل أو حتى بعض الأشخاص في هذا الفصيل والتحكُّم بها من خلال الشيكات المالية وتسهيلات السفر لهم ولعائلاتهم ممهورةً بموافقة الاحتلال.

 

فهذه الفصائل أصبحت زجاجات خمر "عمر حلمي الغول" (وزير فيَّاض) أغلى لديها من دماء الشيخ والداعية "مجد عبد العزيز البرغوثي"، وشارب "إبراهيم أبو النجا" تحوَّل إلى رمز وطني قال عنه أحدهم "يا شنب ما يهزّك ريح"، وأغنية وطنية تردِّدها هذه الفصائل، ولا نعرف ماذا سيقول الرئيس الراحل ياسر عرفات لو كان حاضرًا بعد أن تغيَّرت الرموز الوطنية لديهم من جبال إلى شوارب، ومن شهداء إلى قتلة!.

 

فدماء الشيخ والداعية "مجد البرغوثي" طاهرة نقية من فساد الكراسي والمعابر الصهيونية والمفاوضات والخمر؛ لأنها تغذَّت واختلطت بزيتون الأرض وزعتره، وكي لا يعتبر البعض ذلك تجنِّيًا على الجميع، يُستثنى من ذلك بعض القيادات التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وبمعزل عن قياداتها التي أصبح لا همَّ لها إلا إصدار بيانات الشجب والاستنكار لأي فعل مهما صغر في قطاع غزة، والتغاضي ليس فقط عن جرائم مغتصبي السلطة، بل عن مجازر الاحتلال ومعاناة الشعب الفلسطيني وانتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة بكافة أشكالها في الضفة الغربية؛ حيث يعمد الاحتلال يوميًّا لقتل كافة عناصر المقاومة واعتقالهم، وخاصةً من كتائب القسام وسرايا القدس وشهداء الأقصى، وغيرهم من الفصائل المقاومة، بالاشتراك والتعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية.

 

الصمت الذي مارسته تلك الفصائل تجاه جريمة قتل شيخ وداعية في سجون الأجهزة الأمنية في رام الله أنموذجٌ لتعامل تلك الفصائل مع القضايا الفلسطينية الداخلية؛ باعتبار أن الاحتلال أصبح لا يعنيها كثيرًا سوى من باب التسهيلات والتنسيق الأمني لسفرهم مع عائلاتهم، في حين يمنع أصغر طفل مصاب بمرض السرطان في قطاع غزة من مغادرته.

 

على الرغم من أن بعضها أصدرت بياناتٍ ليتها صمَتَت ولم تقُل كفرًا حينما دافعت عن القتَلَة بقولها إن الموت مفاجئ، وبرَّأت القتَلة من الجريمة، وتحدَّثت عن صغائر الأمور في غزة أكثر مما تحدثت عن الجريمة، والتي تأتي امتدادًا لحالة العمى المصابة به.

 

لقد استحقَّت هذه الفصائل لقبَ فصائل الصمت الوطني، بعد أن انتزعت عن نفسها لقبَها كفصائل للعمل الوطني، بعد أن أصبحت يدًا طيِّعةً في يد أشخاص معزولين عن مجتمعهم وقيمِه، دون أي اعتبار لمعاناة الشعب الفلسطيني الحقيقية جرَّاء الحصار المتواصل، والذي طال كافة قطاعات المجتمع الفلسطيني، وتحوَّل هؤلاء الأشخاص إلى مجرد ناشري فتنة، وبثّ الأكاذيب من خلال تلفزيون فلسطين.

 

المتابع لتلفزيون فلسطين يجد العجب العجاب؛ حيث مجموعةٌ من هؤلاء الأشخاص يخرجون على فضائية "فلسطين" ثلاث مرات يوميًّا؛ لدرجة أن البعض اعتقد أنهم تحوَّلوا إلى مذيعين فيها، مع إدراكهم ومعرفة الجمهور أنهم لا يمثِّلون إلا أنفسهم ولا يعبِّرون عن معاناة الشعب الفلسطيني، وتجاهل جرائم الاحتلال، فبدلاً من فضْح الاحتلال "الإسرائيلي" نجد التركيز على الوضع الداخلي وإعفاء الاحتلال من المسئولية.

 

ومن خلال المتابعة لم أَرَ فصيلاً أو شخصًا من هؤلاء دعا إلى مسيرة لفك الحصار عن غزة، في حين خرج المئات منهم نصرةً لشنب السيد إبراهيم أبو النجا، مع رفضنا المطلَق للتصرف المَعِيْب بحق السيد أبو النجا؛ باعتباره شخصيةً وطنيةً لها احترامها وتقديرها، كل ذلك خشيةً على رواتبهم وامتيازاتهم؛ لأن من يقاوم ومن يناصر شعبه سينال عقابه من المحتل ومن المسيطرين منهم، مع الإشارة إلى أن هذه الفصائل أصبحت تعادي حركة فتح، وتنزع كافة صلاحياتها وسط أزمة يعاني منها الإخوة في حركة فتح، واستغلال ذلك لأهداف شخصية، وتعمل بشكل أو آخر على استمرار أزمة حركة فتح وإعاقة الحوار الوطني.

 

إن أحدًا لا يقبل ولا يوافق على استخدام التعذيب في السجون والمعتقلات، سواءٌ في غزة أو في الضفة الغربية، مهما كانت الأسباب والمسببات؛ فكرامة وحرية الإنسان أغلى ما نملك؛ لذلك كان من واجب هذه الفصائل أن تقوم بدورها وإبداء موقفها بوضوحٍ من هذه الجريمة، والوقوف موقفًا وطنيًّا محايدًا تجاه الانتهاكات التي تقع من الجهات المعنية، سواءٌ في قطاع غزة أو الضفة الغربية، بدلاً من التعاطي مع سلوكيات أحد الأطرف وتضخيم الأحداث لصالحه.

 

يجب أن نقولها لهم وبكل وضوح: لم نعد بحاجة لهم، ونبرأ لشعبنا وأمتنا منكم ومن سلوككم المعيب، ونجدِّد ما قاله لكم الشعب الفلسطيني في الانتخابات التشريعي الأخيرة: إننا لسنا بحاجة لكم، فقد انتهت صلاحياتكم، وأصبحتم في حكم الماضي، ونقول لكم ما قاله الشيخ نصر الله للمتأمركين من أشباهكم في بيروت: إن كنتم تريدون الطلاق فاذهبوا وارحلوا عن هذا الوطن إلى تل أبيب وواشنطن، ونضيف: دعونا فنحن قادرون على الدفاع عن وطننا، وأن نقتلع شوكنا بيدنا، وسنواجه مصيرنا أبطالاً لا مستسلمين.

-------

* كاتب فلسطيني.