بعد نجاحها في الانتخابات التشريعية المصرية عام 2005م، وفوزها بثمانية وثمانين مقعدًا في مجلس الشعب، تصاعد الجدل مجددًا حول جماعة الإخوان المسلمين ودورها على الساحة المصرية والإقليمية؛ مما دعا الجماعة إلى طرح برنامج لحزب تسعى من خلاله إلى إضفاء الشرعية على نشاطها المحظور، وطرح نفسها كأحد البدائل السياسية في الساحة السياسية المصرية.
شبكة الأخبار العربية "محيط" التقت الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين في حوار حول برنامج هذا الحزب الذي ثار حوله الكثير من اللغط وتحفظ عليه بعض رموز الجماعة، وعلاقة الإخوان بأجهزة الدولة، وعلاقتهم بالتيارات الأخرى في المجتمع، ورؤيتهم لأزمة معبر رفح الأخيرة، وغيرها من القضايا المختلفة.
* محيط: لماذا توقَّف الكلام مؤخرًا عن حزب الإخوان، وهل تسبب طرح برنامج الحزب في حدوث انشقاقات داخل الحركة فعلاً؟
** أولاً: الحديث كله يدور حول البرنامج وليس الحزب؛ لأن الحديث حينما يتناول حزبًا فإنه يتناول برنامجًا ومؤسسين وعضوية وتقدمًا للجنة شئون الأحزاب وهكذا، وهذا البرنامج نهدف من ورائه تعريف الرأي العام والنخبة بأفكارنا ورؤانا وأطروحاتنا حول القضايا المجتمعية المختلفة، فضلاً عن السياسة الداخلية والخارجية.
ثانيًا: الحديث لم يتوقف وقد بعثنا لحوالي خمسين شخصًا من النخبة ووصلتنا ردود من بعضهم، فضلاً عمَّا قيل وكُتِبَ في وسائل الإعلام عن الموضوع، وقمنا بتجميع كل هذا وفرزه وتصنيفه إلى عدة محاور ومسارات، وقد عقدنا جلستَي حوار مع النخبة ولا تزال هناك جلسات أخرى.
وقد توصلنا بشكلٍ مبدئي إلى أن البرنامج يجب أن يكون أكثر تركيزًا وتماسكًا بحذف المكرر والأشياء التي لا لزومَ لها بحيث لا يتعدى 40 أو 50 صفحةً ثم ستكون هناك ملاحق للقضايا المجتمعية المختلفة كالاقتصاد والمشكلات العامة والصناعة والطاقة والزراعة وغيرها، بحيث يُعبِّر عن رؤية الجماعة لتلك القضايا بتفصيلاتها، وستُراعى قضايا البطالة والفقر الذي يشمل السواد الأعظم من الشعب في النسخة الثانية من البرنامج؛ لأننا حريصون على أن تستعيد الطبقة الوسطى وضعها خاصةً بعد أن تعرَّضت للتآكل الشديد.
ثالثًا: أؤكد أنه لم تحدث انشقاقات داخل الجماعة لأننا حريصون على استطلاع كافة وجهات النظر، ونشعر بأن تعدد الآراء يثري الفكر ويُنضج الرؤى حول القضايا المختلفة وفي النهاية يُحسم الأمر عن طريق الشورى.
* محيط: تؤكد جماعة الإخوان على عدم وجود حوارٍ مع الأمريكان والغرب، بينما هناك لقاءات تتم بين نواب من الإخوان مع ممثلي هذه الدول، فما الهدف منها؟
** هناك قواعد بروتوكولية نلتزم بها، وهي تقتضي أن تتخاطب الرئاسة مع الرئاسة والخارجية مع الخارجية، وهكذا، ومؤسسات المجتمع المدني مع نظيراتها والمجالس النيابية تخاطب مثيلاتها، ونحن منفتحون على مراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين والباحثين على مستوى الغرب كله بما في ذلك أمريكا.
أما إذا أراد أحد من الإدارة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي الحديث معنا فلا بد أن يكون بعلم الخارجية المصرية، ولا بد أن يكون معلومًا للكافة أن القضايا التي يتم الحوار حولها تكون في العلن، خلاصة القول أنه لا يوجد حوار مع الإدارة الأمريكية وإنما الحوارات بين الأعضاء البرلمانيين من كلا الجانبين.
معبر رفح.. ودور مصر
* محيط: اتهمت جهات حكومية الإخوان بالمزايدة على موقف الدولة الرسمي من قضية غزة وحماس، فهل تتوقع صدامًا جديدًا مع النظام بسبب هذا الموقف؟
** نحن نعتبر القضية الفلسطينية هي قضية العروبة والإسلام واهتمامنا بها قديم قدم القضية والجماعة، وكان لنا مجاهدون على أرض فلسطين في أربعينيات القرن الماضي، والإمام الشهيد حسن البنا ذاته قضى شهيدًا من أجل القضية الفلسطينية.
كما أننا أمام شعب يتعرَّض لمحنةٍ قاسيةٍ وظروفٍ صعبةٍ منذ سنوات طويلة.. شعب اُحتلت أرضه ودُنست مقدساته ويتعرض لعمليات تصفية وإبادة بشكل شبه يومي، وفي الثمانية أشهر الأخيرة تعرض لحصار رهيب فلا يوجد عنده غذاء أو وقود أو دواء أو كهرباء.
والفلسطينيون الذين اقتحموا معبر رفح فعلوا ذلك اضطرارًا؛ لأنه المنفذ الوحيد الذي يطلون منه على العالم، فضلاً عن الأمل المعقود على مصر وشعبها والدور الذي يجب أن تقوم به مصر كقاطرةٍ ليس في هذه القضية فحسب، وإنما في كل القضايا الأخرى، وقد ثمنَّا قرار الرئيس مبارك بإتاحة الفرصة لأهل القطاع لكي يتزودوا بما يحتاجونه.
ونحن نقول إن الأمن القومي المصري أمر نحافظ عليه جميعًا وننظر إليه بعين الاعتبار، ولكنه لا يتعارض مع دور مصر في مساعدة أهل القطاع، أما التجاوزات التي حدثت فإننا نرفضها جميعًا وعلى الحكومة الفلسطينية أن تضبط أي تجاوزاتٍ أو خروقاتٍ على الحدود، كما يجب أن يبحث الجميع عن وسيلةٍ لفك الحصار، وأن يظل المعبر مفتوحًا، ولكن مع ضبط حركة الدخول والخروج، من جانبٍ آخر نحن وحماس نرفض رفضًا قاطعًا مسألة توطين الفلسطينيين في سيناء لأنها أرض مصرية صميمة، وإن كان هناك سيناريو من الصهاينة لتحقيق هذا المخطط فإنه أمر ظاهر، ومكشوف لنا وللفلسطينيين أيضًا.
* محيط: لماذا فشلت وساطتكم بين حماس ومصر وفتح حول فتح المعابر؟
** نحن حريصون على وحدة التراب الفلسطيني ووحدة الشعب الفلسطيني، وإقرار شرعية أبو مازن جنبًا إلى جنبٍ مع شرعية حكومة هنية والمجلس التشريعي، وحريصون على العودة إلى طاولة الحوار، ودون أي شروطٍ مسبقة، وثمنَّا دعوة الرئيس مبارك للحوار، وأكدنا لـنبيل شعث حينما زارنا ضرورة أن تستجيب الأطراف إلى الدعوة دون شروط مسبقة.
ونحن نعتبر إخواننا في حماس كيانًا مستقلاً له ظروفه وسياقه الذي يعمل فيه وهم أصحاب القرار فيما يعن لهم، وأقْدر على تفهم مشكلاتهم، وإذا استشارونا فإننا نشير عليهم ولكنهم أصحاب القرار النهائي.
ولا ننسى أن اللوبي الصهيوني الموجود في مصر بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشر يعمل على تسميم وتعكير سماء العلاقة بين مصر وحماس وبين الشعبين المصري والفلسطيني.
خلافات داخلية
* محيط: هناك خلافات بين جيل الوسط والكبار في قيادة الإخوان، تظهرها أجهزة الإعلام وتدعمها أطراف رسمية.. هل تتوقع انقلابًا من الداخل؟
** من المستحيل أن تختزل الجماعة في فرد، وهذا لو حدث سيكون كارثةً عليها، والجماعة بها تنوع وتباين سواء على مستوى الأجيال أو الأفكار والأطروحات، فضلاً عن المشاعر فهناك المتحمس والرصين، وهناك المتعجل والمتأني وهكذا.. ونقول إن المناقشة والحوار داخل مؤسسات الجماعة لا تتوقف، ويُتاح لكل صاحب فكرةٍ أو رأي أو مشروع أن يُدلي برأيه وأن يتحمس له لأقصى مدى، ويتم الحوار معه بشفافية كاملة، وما كان متماشيًا مع مصلحة الجماعة وسياستها ومصلحة الإسلام والوطن يتم اعتماده.
أما أن يحدث انقلاب داخلي بالجماعة فهو أمر مستحيل لوجود الشورى من ناحية؛ ولأنها دعوة إلى الله من ناحية ثانية، كما أن مَن يدخل الجماعة لا يستهدف مصلحةً شخصيةً أو مأربًا ذاتيًّا، أو يبحث عن منصبٍ أو جاهٍ لأنه يعلم أنه عرضة للسجن والاعتقال، وأنه كلما ارتقى موقعًا زاد التضييق عليه وملاحقته ومحاربته بشكل أشد وأنكى.
* محيط: لماذا توقفت مظاهرات الإخوان داخل الجامعات في الأحداث الكبرى، وهل ذلك له علاقة بإحالة بعض رموزها إلى المحاكم العسكرية؟
** التظاهر وسيلة وليس غاية، فلا يمكن أن نقوم بعمل مظاهرة من أجل التظاهر فقط، وإذا لم تحقق المظاهرة الأهداف المرجوة من ورائها فلا داعيَ لها، وكل الفعاليات التي نقوم بها لا بد من دراستها وبحثها من حيث تأثيرها وردود الأفعال حيالها، وإن كان هناك ثمةَ ضرورة للتظاهرة فلا بأسَ من القيام بها.. وعمومًا نحن لم نتأثر إطلاقًا بالمحاكمات العسكرية.
قوانين مرفوضة
* محيط: وافق مجلس الشورى مؤخرًا على مشروع قانون لمنع التظاهر في دور العبادة، وتستعد الدولة لإصدار مشروع قانون مكافحة الإرهاب.. ما رؤيتكم لهذه القوانين؟
** بالنسبة لمشروع قانون منع التظاهر بدور العبادة نحن نعتبره يستهدف إسكات أي صوتٍ معارض وقمع أي حراكٍ سياسي ومجتمعي سواء ضد ما يحدث في مصر من فساد واستبداد أو ما يجري على مستوى العالم العربي، من احتلال، ونهبٍ للثروات، وممارساتٍ وحشية بربرية، كما في فلسطين والعراق.
من ناحيةٍ أخرى فإن المسجدَ ليس للصلاة فقط، وإنما هو أيضًا للذكر والعلم ومناقشة قضايا الإسلام والمسلمين، وبالتالي فهذا القانون غير دستوري وغير شرعي، إضافةً إلى أنه ليس هناك أماكن أخرى للتظاهر والاحتجاجات، والإعلان عن مشاعر الغضب إزاء ما يجرى.
ومثل هذا المادة 179 من الدستور الواردة في التعديلات الأخيرة، والخاصة بمكافحة الإرهاب، وما سيتمخض عنها من قانون سوف يجعل شئون الدولة في يد الأجهزة الأمنية، وسوف يؤدي إلى وضع الوطن كله في دائرة الاشتباه، وهذا سيؤدي إلى مزيدٍ من انتهاكات حقوق الإنسان، وبالتالي مزيد من التوتر والاحتقان وتعريض المجتمع للانفجار.
* محيط: وهل تتوقعون أن تزداد المواجهة مع أجهزة الدولة إذا صدر قانون مكافحة الإرهاب؟
** نحن من غير وجود هذا القانون تُشكِّل لنا المحاكم العسكرية، ويتم التضييق علينا، وملاحقتنا ومحاولة مصادرة أموالنا كأفراد، وهناك أحكام قضائية تصدر لصالحنا يضرب بها عرض الحائط، ومن ثَمَّ نحن نتوقع ما هو أسوأ في ظل هذا القانون، ومع ذلك لن نتوقف عن الحِراك السياسي والمجتمعي والسعي إلى الإصلاح والتغيير عبر القنوات الدستورية والقانونية حتى لو كلفنا ذلك مزيدًا من الاعتقالات والإحالة إلى المحاكم العسكرية.
التيارات الأخرى والديمقراطية
* محيط: الأقباط غاضبون من الإخوان، والليبراليون لا يفضلون وجود تيار ديني، واليسار يرفض التعامل معكم.. مع مَن تتحاورون في المجتمع؟
** هناك أزمة يعاني منها المجتمع المصري في ظل الفساد والاستبداد الذي يمارسه حزب السلطة الحاكم، تجاه جميع التيارات المعارضة، بل والشعب كله، وإن كان الإخوان ينالهم النصيب الأوفى.. هناك مَن يحاول تسميم العلاقة بيننا وبين الأقباط، ولكننا حريصون على ضرورة خروج الإخوة الأقباط من عزلتهم واشتراكهم في العملية السياسية بحيث يكون لهم حضور في النقابات والمجالس النيابية والمنظمات المدنية، وهكذا.
أما الليبراليون وعدم تفضيلهم لوجود تيار ديني.. فهذا شأنهم، وإن كان هذا يتعارض مع أيديولوجيتهم، وبالنسبة لليسار فهو حرٌّ في موقفه، لكن هناك في اليسار مَن ينادي بضرورة الحوار والتعامل مع الإخوان كفصيل سياسي له حضوره ووجوده وانتشاره على امتداد الساحة المصرية.
عمومًا نحن حريصون على التواصل مع كافة التيارات من أجل مصر، ونعتقد أن قضية الإصلاح تحتاج إلى تكاتف كل القوى وتضافر كل الجهود، حتى يستعيد الشعب حريته، وقدرته على المشاركة في صنع الحياة، وتقرير المصير واختيار حاكمه ونوابه والبرنامج الذي يريده بإرادته الحرة.
* محيط: البعض يتهمكم بازدواجية التوجه في قضية الديمقراطية وغيابها في ممارساتكم الداخلية، فما الديمقراطية التي تسعون لتطبيقها في مجتمع متعدد الطوائف والتوجهات السياسية؟
** نحن نمارس الديمقراطية داخل الجماعة على أعلى مستوى، وكل المستويات القيادية عندنا بالانتخاب، ولا يمكن أن نصادر على رأي، والحوار يتم داخل مؤسسات الجماعة، وفي النهاية الشورى تحسم الأمر، ونصوت على القرارات وننحاز للأغلبية ولو كانت بفارقٍ صوت واحد.
ومنهجنا يقوم على العمل وسط الجماهير وتقويتها والارتقاء بها بحيث تكون قادرةً على المشاركة؛ لأن قوة الرأي العام هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على الديمقراطية، وهي التي ستجلب الإخوان أو غيرهم إلى الحكم، وهي التي ستحاسب أي سلطة إذا تجاوزت أو انحرفت عن البرنامج الذي تعهَّدت بالالتزام به أمام الشعب.
انتخابات المحليات
* محيط: ماذا ستفعل الحركة في انتخابات المحليات المقررة في أبريل 2008م، وهل هناك إمكانية للتحالف مع أي حزب لخوها؟
** نحن حريصون على المشاركة في الانتخابات بشكلٍ عام، فهذا هو الأصل عندنا، ولكن يتقرر في كل انتخابات ما يناسبها بحسب الظروف الراهنة، والأساس عندنا أن نشارك الآخرين على مستويات متعددة، وإذا كانت هناك أماكن يوجد لحزب ما تميز فيها فإننا نتركها له، وإن لم يكن فإننا نطرقها، أما المواقع التي نشترك فيها مع الآخرين بأفراد لهم نفس الكفاءة فهنا تتم المناقشة والحوار حولها.
* محيط: شعار "الإسلام هو الحل" أصبح ممنوعًا بقوة الدستور، فماذا سيفعل الإخوان في أي انتخابات مقبلة، ولماذا الإصرار على أنكم الممثل السياسي للإسلام في مجتمعٍ متدين بطبعه؟
** كل شيء يُدرس في وقته، وعمومًا فهذا الشعار هو عبارة عن مفهوم يعني أن الإسلام نظام شامل وأن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، ومثلما هو دين فهو حضارة، وبالتالي فهو لا يتصادم مع الدستور في مادته الثانية التي تقول إن الإسلام هو دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وبالتالي فإن هذا الشعار والمفهوم ينسجم مع الدستور، ولكل حادث حديث.
وأقول في النهاية إننا جماعة من المسلمين ولسنا جماعة المسلمين، وحيثما تتعدد الآراء تتعدد الجماعات، ونحن نعتبر أنفسنا فصيلاً سياسيًّا له جذوره وامتداده على الساحة كلها.