عينان زائغتان محلَّقتان بالسواد، وجه تبدَّلت حمرة خديه بشحوب حزين.. كان هذا وجهها؛ شفتان شقَّقهما بحر الدموع، وحَلْقٌ جفَّفته الأحزان، انطلقت منه حشرجة كلمات حزينة: "لقد فعلها: سمح لنفسه بأن يمدَّ يده عليَّ؛ لقد ضربني وأهانني بالأمس.. هذه هي الطعنة النافذة.. هذا هو الجرح الذي لن يندمل أبدًا"، ثم انخرطت في بكاء يقطع الصدور.
بعد أن هدأت أردفت: "قبل زواجنا كان رقيقًا مهذَّبًا، لكنه كان يرد عليَّ أحيانا بكلمات غليظة ثم يتماسك ويبادر بلفتة رقيقة مجاملة أو هدية أو كلمة طيبة تنسيني ما كان، لكنه بعد الزواج لم يعد حريصًا على إخفاء ثورات غضبه؛ فهو يثور لأتفه الأسباب، خاصةً عند مروره بمشكلة أو شعوره بالتعب، ولا يقدِّر أنني أيضًا أعود من عملي متعبةً، وأن طلباته وطلبات الأولاد ترهقني وتثيرني، ولم أعد أرى منه ودًّا ولا رقَّةً إلا إذا بادرتُ أنا بذلك.
هو في البيت يأمر وينهى، والويل لي إن لم أنفِّذ: يغضب ويسارع بالاتهام كأنه في محاكمة؛ كلماته حادة، ووجهه عبوس، وحين يثور فهو كالعاصفة؛ لا يسمع كلماتي ولا يرى تبريراتي، وينسى كل ما أفعله من أجله.
أما ما حدث بالأمس فهو القشَّة التي قصمت ظهر البعير: عُدتُّ من عملي ليفاجئني بعودته إلى البيت مبكِّرًا على غير عادته، ويبدو أن مشكلةً ما حدثت بينه وبين مديره في العمل، أخذ يوبِّخني على تأخُّري في إعداد الطعام وهو يهدِّدني بإجباري على ترك عملي، مع اتهامه لي بالتقصير في جميع شئون البيت، فلم أتمالك نفسي إلا وأنا ألقي في وجهه بجميع عيوبه وأجترُّ أمامه مرارة ذكريات بؤسي معه؛ فإذا به يهوي بيده على خدي.. لقد ضربني وأهانني وصفع بيده ما تبقَّى من ودٍّ بيننا.
كل ما أفكر فيه الآن هو ردّ كرامتي المبعثرة، لقد انتهت الحياة بيننا، وأنا مصرَّة على طلب الـ..." قاطعتُ استرسال أفكارها المتهوِّرة وأنا أقول: "انتظري قليلاً قبل أن تقوليها.. انتظري؛ فقد جعل الله تعالى لكل مشكلة مخرجًا ولكل عقدة حلاً".
عزيزتي كلّ زوجة.. اعلمي أنك هنا ما زلت في الدنيا، والجنة- جعلنا الله من الفائزين بها- لم يأتِ موعدُها بعد، وتأكَّدي أن لكل زوجة ابتلاءً في زوجها، كما أن لكل زوج ابتلاءً في زوجته؛ فهذا عصبي المزاج، وهذا بارد المشاعر، وذلك بخيل، وغيره مبذِّر، و.. و..، ولا يوجد زوج على وجه الأرض مبرَّأٌ من العيوب، لكن ما الذي يجعل زوجة سعيدة وأخرى غير ذلك؟!
إنها معرفة عيب الزوج، ثم تحديد الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذا الزوج، ثم التنفيذ مع الصبر، وأخيرًا الرضا بقضاء الله، مع القناعة التامة بأن الله العليم هو الذي اختار لكِ هذا النوع من الرجال، وهو الذي اختار لك هذا الابتلاء تحديدًا؛ لأنه يناسبك أنت ولا يناسبك سواه من العيوب، وإلا عجزتِ عن تحمُّله.
فماذا عن هذا النوع من الرجال؛ الزوج العصبي الذي يغضب بسرعة ويُستفَزّ بسهولة؟!
1- في لحظة صفاء وبميزان عدل ذكِّري نفسك بميزات زوجك، عدِّديها وستجدينها كثيرةً.
2- عامليه دائمًا بهدوءٍ ولُطف وصوت خفيض، وكوني وادعةً بكلماتك الرقيقة، خاصةً حين يطلب منك شيئًا، وسيدهشك ردّ فعله حين تبادرينه بكلمات الاستسلام، مثل (أنت تأمر- حاضر حبيبي..)؛ فهو يعجبه أن يكون سيد الموقف.
3- لا تبدئي أنتِ باستفزاز زوجك أبدًا، ولا تدخلي معه في مناقشات حادَّة، وتجنبي إثارته في فترات غضبه من مشكلةٍ ما يعانيها، بل سارعي بالانسحاب فورًا عند أول بادرة لغضبه، ولا تسكبي على النار زيتًا فتزداد اشتعالاً.
4- لا تبادليه غضبًا بغضب، فتزداد الأمور سوءًا، بل تماسكي بشدة، وبادليه ثورةً بصمت؛ حتى تمرَّ الأمور بسلام، وإن استطعتِ الانسحاب من أمامه بلباقة دون أن يزيده ذلك ثورةً فافعلي دون تردُّد؛ فامتصاص غضبه هو أسلم الطرق.
5- لا تحاولي مناقشته إلا بعد زوال غضبه.. اغتنمي ساعة صفائه في جلسة هادئةٍ ودودٍ وصارحيه بلباقة وذوق، وطالبيه بحلِّ مشكلة غضبه.
6- إذا كنتِ تعانين من تطاولِه عليكِ بالسبابِ أو بالضرب فلا بد من وقفةٍ حاسمةٍ وتدخُّل الحكماء من أهله وأهلك؛ لتنتهيَ هذه المشكلة ولتتفادَي تأثيرها السيئ على الأبناء.
7- الدعاء إلى الله تعالى بقلب واثق مطمئن إلى أنه تعالى قادرٌ على كل شيء وخيرُ معين لك، ولا تنسي في أذكار الصباح والمساء دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلَبة الدين وقهر الرجال".
8- تذكَّري دائما الجنة، وتذكَّري أنها غالية، غالٍ ثمنها، فاصبري وحاولي ولا تيأسي، يقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)﴾ (البقرة).
وتذكَّري أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن من صبرَتْ على سوء خلُق زوجها كان لها ثواب آسية امرأة فرعون.