![]() |
|
د. صلاح الدسوقي |
د. صلاح الدسوقي
في أول حبسنا كنا مقسَّمين إلى مجموعات، وكل مجموعة في زنزانةٍ خاصةٍ بها، ولا نتقابل إلا نادرًا؛ حيث كان خروج كل مجموعة من الزنزانة نصف ساعة يوميًّا فقط، وكل زنزانة على حدة، وقبل الفجر حيث السكون كان يشق صمت الليل صوتٌ نديٌّ بالقرآن يصلي إمامًا بأفراد زنزانة من الزنازين، كنا في صلاتنا حين نسمعه- ونحن في زنزانةٍ أخرى- نتجه بأسماعنا بل أحيانًا ننتظر حتى يبدأ الصلاة كي نسمع منه القرآن فتخشع قلوبنا وتسيل منه مدامعنا.
وقد كنا جميعًا شغوفين أن نعرف مَن هذا صاحب الصوت الملائكي؟ حتى علمنا أنه د. صلاح الدسوقي المدرس بكلية طب جامعة الأزهر قسم التشريح.
وقد أنعم الله علينا بعد ذلك حين صلينا وراءه في رمضان، ولكن في هذه المرة لم نتأثر نحن به فقط، ولكن مجموعة من الجنائيين، وبعضهم كان لا يصلي أصلاً تأثَّر كثيرًا بصوته، وتمنَّى لو أنهم جاءوا ليصلوا معنا، ولكن نظام السجن يمنع مخالطتنا بالجنائيين؛ حتى لا ينصلح حالهم ويفسد حال الدولة، في تقديرهم!!.
وقد اجتمع للدكتور صلاح الدسوقي أمران؛ فهو طبيب قلوب وطبيب أبدان في آنٍ واحد؛ فهو الراعي الرسمي لحالتنا الصحية؛ حيث يقوم بقياس ضغط الدم بانتظام لجميع المحبوسين، ويشرف على صيدلية خاصة بنا، وكل مَن يشكو شيئًا يكون د. صلاح الدسوقي هو طبيبه الخاص، وهو لا يتبرَّم أبدًا من أن يطلب منه أحد مساعدة طبية حتى ولو كان مشغولاً، فلا تسمع منه إلا كلمة "حاضر".
وأما أنه طبيب القلوب فذلك لأنه نذر نفسه للقرآن؛ حيث يساعد كل مَن يريد حفظ القرآن، وتجده في أي وقتٍ أو أي مكانٍ يختلي به أحد إخواننا ليسمع له، فأحيانًا يسمع للراغبين في سيارة الترحيلات، وأحيانًا في جلسة الاستراحة في المحكمة، وهو رفيقٌ بإخوانه رفقةً تدفعهم إلى أن يتسابقوا أن يكون د. صلاح الدسوقي هو طبيبهم وشيخهم.
وقد حصل د. صلاح على شهاداتٍ علمية؛ فقد حصل على شهادتَي الماجستير والدكتوراه في التشريح، وحصل على شهادة الماجستير في جراحة الأطفال، وكاد ينهي الدكتوراه في جراحة الأطفال لولا أنه نزل ضيفًا على الحكومة في سجن مزرعة طرة.
والدكتور صلاح أعرفه قبل المحكمة والسجن؛ فهو زميل لي في جامعة الأزهر، وقسم التشريح الذي يعمل به يقع أمام قسم الهستولوجي الذي نلت الدكتوراه منه؛ ولذلك فمعرفتي به سابقة للسجن، ولم يختلف ظني به قبل السجن وأثناءه؛ فهو مثالٌ لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الدين المعاملة"؛ فمعاملته لطلابه وزملائه جعلت منه النجمَ الأول في قسم التشريح؛ فطلابه لا يحبونه فحسب بل يجلونه؛ وذلك لحنوِّه عليهم، وبذله قصارى جهده في تعليمهم، وخفض جناحه لهم، كما أن أدبه مع زملائه جعلهم يخدمونه ويثنون عليه.
وأختم حديثي عن د. صلاح الدسوقي بموقفٍ حدث، وهو بسيط في مظهره عظيم في دلالته؛ وذلك حينما قام بعض الإخوة بتنظيم مسابقة لحفظ القرآن الكريم، وكان الشيخ المختص هو د. صلاح الدسوقي طبعًا، ولما أعطيت الجوائز للفائزين، وتم إعطاء جائزة د. صلاح لأنه المحفِّظ أبى ذلك رغم بساطة الأمر، وقال: إنني أفعل هذا لوجه الله تعالى".. ما أعظم هذا الإخلاص الذي ملأ قلب هذا الرجل!!.
