المهندس أيمن عبد الغني

ناديتُ عليه في يوم من الأيام- ونحن في السجن- قائلاً له: "يا بخت السجن بيك.. الحكومة عندها حق إنها تحبسك" فقال لي: "ولم؟"، قلت له: "لأنها لن تجد أحدًا مثلك يجتهد في إصلاح مرافق السجن".. كان ذلك حينما رأيتُه طوال النهار يتابع أعمال صيانة مرافق السجن، والتي حاولوا إصلاحها أكثر من مرة دون جدوى، فلمَّا تابع بنفسه مَن يقومون بإصلاحها تمَّ إصلاحها تمامًا، واستراح الجميع من شرِّ عطلها.

 

إن المهندس أيمن عبد الغني لا يمل من الحركة الدءوب؛ يستيقظ صباحًا مبكرًا، ثم يذهب ليقوم على خدمة إخوانه؛ حيث يشرف بنفسه على ترتيب الزيارة، ويقوم بالاتصال بإدارة السجن لتلبية طلبات إخوانه، ثم يتابع ما يراد منه من مشتريات، ويشرف بنفسه على كثيرٍ من الأعمال، والتي قد تخص إصلاح بنية السجن؛ وذلك كله تطوَّعًا منه.

 

دار في نفسي ذات يوم معنى الإسلام الصحيح النموذجي، فوجدت مهندس أيمن مثالاً؛ لذلك فهو يعمر ويصلح، ويجتهد في فعل الخير، ويشمل إصلاحه السجن الذي يُسجَن فيه، وكذلك خيره مع مَن سجنوه.

 

والمهندس أيمن هو رجل العلاقات العامة الأول، وقد سُجنت معه ثلاثة مرات؛ أولاها عام 1994، وثانيها عام 2006م، وثالثها هذه المرة، وفي كل مرة يكون هو مندوبنا مع إدارة السجن، ورغم تغير إدارة السجن في كل مرة إلا أن كل من تعامل معه مَن الضباط وغيرهم أجمعوا على حبه واحترامه.

 

وتمتد علاقتي بالمهندس أيمن إلى أمدٍ طويل؛ فقد كنا سويًّا طلابًا في جامعة الزقازيق، كان هو في كلية الهندسة، وكنت في كلية الطب، وجمعنا العمل الإسلامي، فكان المهندس أيمن أحد مؤسسي العمل الإسلامي في أوائل الثمانينيات، ليس في كلية الهندسة فحسب، بل جامعة الزقازيق كلها؛ فقد كان رئيسًا لاتحاد طلاب كلية الهندسة، وأسَّس أسرة "النور"، وهي المعبِّرة عن التيار الإسلامي بكلية هندسة الزقازيق حتى الآن.

 

وقد عشنا سويًّا أحداث مظاهرات سليمان خاطر؛ حيث اندلعت في الجامعة آنذاك، وقد اجتهد م. أيمن ومَن معه من طلاب التيار الإسلامي في جعل هذه المظاهرات وسيلةً للتعبير عن الرأي وليس للتخريب والتدمير كما أراد البعض من التيارات اليسارية وغيرها، وقد نجح وإخوانه في ذلك إلى حدٍّ كبير.

 

وبعد تخرجه قام بنشاط مهني ونقابي؛ حيث انتُخب عضوًا بمجلس نقابة المهندسين الفرعية بالزقازيق، وخدماته لزملائه في المهنة يشهد بها الكثيرون.

 

والمهندس أيمن ينتمي إلى أسرة عريقة في التدين، أصيلة في العمل الإسلامي؛ فوالده السيد أحمد عبد الغني من رعيل الإخوان المعلمين الأوائل، ومن مجاهدي حرب القنال ضد الإنجليز، وأخواه: د. محمد عبد الغني، ود. عمر عبد الغني، كلاهما من أعمدة العمل الإسلامي، ووالدتهم الصابرة المحتسبة، والتي ابتليت كثيرًا، وخاصةً في ولدَيها: د. محمد، وم. أيمن، اللذين لا تخلو فترة زمنية من وجود أحدهما أو كليهما في السجن في اعتقال ظالم من النظام لنشاطهما الإسلامي.

 

والمهندس أيمن عبد الغني زوجُ بنت المهندس خيرت الشاطر، وكلاهما محبوسٌ الآن، ولكنك تجد في العلاقة بينهما نموذجًا للعلاقة الراقية بين الأصهار، ونسيت أن أذكر لكم أن المهندس أيمن عبد الغني استشاري هندسي في شركة المقاولون العرب، وقد أشرف على العديد من المشاريع الهندسية العملاقة للمقاولين العرب، مثل الصالة المغطاة بإستاد القاهرة، وتجديد ملاعب كرة القدم بإستاد القاهرة، ومستشفى جامعة الزقازيق، والعديد من محطات المياه والصرف الصحي.

 

ويتميز المهندس أيمن بروحٍ مرحةٍ وروحانية تظهر في دعائه؛ حيث إنه ممن يجتهدون في حفظ الأدعية المأثورة وتحفيظها، كما أنه قارئ جيد في كتب تزكية النفس، وكثيرًا ما يقتطف منها ويتحدَّث عن معانيها، وكثرة قراءته في كتب التزكية واجتهاده في الدعاء والعبادة كانتا سببًا في صبره على كثرةِ سجنه، والتي وصلت إلى ثماني مرات، منها ست مرات في خمس سنوات فقط، وأمضى نصف فترة زواجه في السجن.

 

كان الله في عونه وعون زوجته الأخت الصابرة المحتسبة زهراء خيرت الشاطر.

 

إن المهندس أيمن نموذجٌ للمواطن المُصلح الذي يُصلح كلَّ مَن حوله سواءٌ مبنى أو معنى، ويُحسن لكل مَن حوله سواءٌ معه أو ضده.