فتحي بغدادي
 
 الصورة غير متاحة

فتحي بغدادي

شاء الله أن ينسكب ماء الشاي وهو يغلي على قدم الأستاذ فتحي بغدادي، وكان ذلك في بداية الحبسة، ولأن الأستاذ فتحي بغدادي مصاب بارتفاع السكر في الدم فقد كان الأمر مقلقًا للجميع؛ خوفًا من حدوثِ ما يُسمَّى بـ"القدم السكرية" لديه وهو مرض لعين يُصيب مرضى السكر، وقد كان ذلك سببًا في مكث الأستاذ فتحي كثيرًا في بداية الحبسة؛ وذلك خشية تلوث الجرح، وقد أدَّى ذلك إلى عدم اختلاطي به كثيرًا وبعد عشرتي له ندمتُ على الفترة التي ذهبت دون أن أستفيد من عقل هذا الرجل وخبرته.

 

والأستاذ فتحي إذا أردت أن تصفه بكلماتٍ قليلةٍ فإنَّ وصفه يصعب عليك؛ لأنك ستحتار ماذا تقول عنه؟! أتذكر براعته في التعليم أم توافق مظهره مع مخبره أم رجاحة رأيه أم براعته في الطهي أيضًا وتفانيه في خدمة إخوانه أم قدراته الابتكارية أم قدرته على معرفة الأشخاص وحسن تقييمهم، كل هذه الأشياء فيه لذلك كل الناس تحبه.

 

ولعل الظروف الصحية للأستاذ فتحي- أمراض السكر والضغط والقلب والعين- هي التي تحول دون استفادتنا منه بدرجةٍ قصوى، ولكننا تعلمنا منه الصبر الجميل فهو لا يشكو أبدًا ولا يضجر أبدًا، بل هو صابرٌ محتسبٌ لا ينطق إلا بحمد الله، وقد اشتدَّ المرض عليه ونحن في جلسةٍ من جلسات المحكمة العسكرية حيث لا هواءَ نقي، ولا مقعدَ مريح، وكل الأجواء تُمرض السليم فما بالكم بالمريض!!، وحينما اشتدَّ به التعب وأُوقفت الجلسة التففنا كلنا حوله فواحد يُدلك قدَّمه اليمنى وآخر يدلك اليسرى، وثالث يقيس الضغط في يده اليمني ورابع يقيس النبض في يده اليسرى، وخامس يحرك يده كي تأتي بالهواء على وجهه، الكل حوله يطمئن عليه، فكان مظهرًا ينمُّ عن رُوح الإخوةِ بيننا، وأيضًا عن مكانةِ الأستاذ فتحي بغدادي عندنا.

 

والأستاذ فتحي يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في المطبخ ليعد للإخوة ما يشتهونه من طعامٍ، وهو فعلاً بارع في فنون الطهي، تأكل الطعامَ من يده وكأنك تأكله لأول مرة حتى لو كان من الأطعمة التقليدية، ولعل حبه الشديد لإخوانه هو الذي يجعل لطعامه مذاقًا خاصًّا.

 

والأستاذ فتحي هو رجل التعليم، فهو خريج كلية العلوم وحصل بعدها على دبلومة تربية وبعدها اشتغل بالتربية والتعليم حتى الآن، وقد أكسبه عمله بالتعليم ميزات عديدة أولها رجاحة عقله وثانيها حسن تقييمه للأمور وتقديره للأشخاص، وأما أهمها فرؤيته الواضحة لإصلاح التعليم في مصر.

 

جلستُ معه جلسةً طويلةً حول أحوال التعليم في مصر، فوجدتُ الأمر يشغله كثيرًا، وقد كتب في ذلك أوراقًا عديدةً حول إصلاح التعليم في مصر، وله تصور كامل حول المدرسة من حيث جودة العملية التعليمية بها، وكيف تكون المدرسة شاملةً تُعلِّم الطالب العمل وتعلمه الفكر وأيضًا الحرفة والمهنة، وكيف تكون المدرسة بيئةً صالحةً لبناء شبابِ الوطن، وله أفكار عظيمة حول المدرسة المنتجة، وكيف تكون المدرسة وحدة إنتاجية، وعن دور المدرسة مع البيئة والمجتمع فإن ما يقوله في هذا الأمر يدفعك إلى الإعجابِ به.

 

يقولون إن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية أرادت أن تبني نهضتها فوجدت أن المعلم هو حجر الزاوية فأعطوه مرتبَ وزير وسلطات وكيل نيابة، وكذلك نهضت اليابان وفي ماليزيا سألوا رئيسها مهاتير محمد كيف تقدمت ماليزيا؟ قال: لأنني اهتممتُ بالتعليم والمعلم والتنمية الإدارية.

 

وفي مصر وضعوا خطةً لنهضةِ التعليم وبناء الانتماء لدى شباب الوطن فوضعوا مستهدفًا، وهو وضع الأستاذ فتحي بغدادي وأمثاله في السجن!!!.