م. ممدوح الحسيني
![]() |
|
م. ممدوح الحسيني |
رغم أنه أكمل الستين عامًا إلا أنك حين تراه تقول إنك أمام شابٍّ في الثلاثينات من عمره, تجده يستيقظ مبكرًا، ويرتدي ملابس هي أقرب إلى ملابس النزهة، يسير خلف الزنازين يراجع ما يحفظه من القرآن الكريم.. إنه المهندس ممدوح الحسيني.
هو أب لثلاثة أبناء، كلهم في مرحلة الشباب تخرَّج اثنان ولمَّا يتخرَّج الثالث.
وحين أريد أن أتحدث عن المهندس ممدوح الحسيني لا أدري بأي الأمور أبدأ الحديث.. هل عن صلاته وتلاوته.. أم عن جدِّيَّته وصرامته في الحق.. أم عن عاطفته "ورومانسيته"..؟! أعتقد أن البعض ستُصيبه الدهشة حين أذكر شيئًا من رومانسيته، أو بالأحرى العلاقة الزوجية الراقية بين زوجين قد مرَّ على زواجهما عقود من الزمن!!.
مرت علينا في الصيف الفائت موجة حر شديد، آذتنا كثيرًا، وبعد صلاة الظهر قلت للمهندس ممدوح: ماذا تفعل في هذا الحر؟ فقال: "الحمد لله"، وتطرق بنا الحديث فعلمت منه أن زوجته تأبَى أن تستخدم جهاز التكييف في هذا الحر الشديد؛ وذلك مشاركةً منها لزوجها ولنا ألمَ الحرّ؛ فهي لا تستطيع أن تجلس في برد التكييف، بينما نحن نعاني من الحر والقرّ، فقلت له على الفور: "إن هذا يُكتب في مكارم الأخلاق"، وتكرر الأمر في موجة البرد في هذا الشتاء، فأبت الزوجة أيضًا أن تستخدم المدفأة؛ مشاركةً منها لآلام زوجها!!.
تجده حين تأتي زوجته بطعام يأكله بقلبه قبل فمه ويستشعر فيه الودّ والحبّ، وكأنه بالقائل:
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
تجده هو وزوجته جالسين في الزيارة كعروسين حديثَي الزواج؛ لما تلمسه من ودٍّ بينهما وألفةٍ يُغبطان عليها.
هذه هي بيوتنا القائمة على الإسلام والإيمان، لا تزيدها الأيام إلا ودًّا، ولا المحنة إلا حبًّا ووئامًا.
ومن المحن التي ألمَّت به أثناء الحبسة "وفاة حماته" التي حزن عليها حزنًا شديدًا، وأكثر حزنه أنه لم يكن بجانب زوجته فيواسيها في مصابها.
وإذا سألت م. ممدوح عن أسباب المكانة العالية التي تحتلها زوجته في نفسه فإنه يصرِّح بلا تردُّد "أن الله قد حباها رجاحة عقل، وإخلاصًا متميزًا، وحبًّا للدعوة، وحماسةً لها، وخدمةً لأبنائها، ومهارةً في تدبير شئون البيت في العسر واليسر، ولا ينسيها ذلك إكرام الضيف والنصح للمسلمين، علاوةً على الشفافية التي أكرمها الله بها، فهي تزوِّدنا بين الحين والآخر بالرؤى التي تساعدنا على الثبات والأمل في فرج الله والأجر الجزيل منه سبحانه وتعالى.
والمهندس ممدوح مهندس بارع، شعاره: الإتقان، ودارس شرعي أيضًا؛ فهو خريج كليتي الهندسة والدعوة الإسلامية، في كلا المجالين هو الفريد من نوعه، تجده يشير إلى مَن يقصده بحلول المشكلات الهندسية برأي يدل على خبرته في البناء والتشييد، وفي العلوم الشرعية تجده عالمًا بكثير من جوانب الشرع، كما أنه بارع في اللغة العربية وقواعدها، فهو مرجعنا جميعًا فيما يستشكل علينا من أمور اللغة، وهو في السجن مدير الأوقاف عندنا؛ فهو الذي يتابع تلاوة الأئمة، واختيارهم للآيات وانتهاءهم من الختمة كل حين، ويضبط لنا اتجاه القبلة.
ورغم أن المهندس ممدوح من أكبر الناس سنًّا في هذه القضية، إلا أنه من أسهلهم وألينهم مع إخوانه؛ فتجده حيث يطلب منه، لا يتأخر ولا يؤخر، فهو كالفارس إن كان في الساقة فهو في الساقة، وإن كان في المقدمة فهو في المقدمة.
حدثني أ. صادق عنه، وهو جاره، قائلاً: إن المهندس ممدوح يتميز بأخلاق عديدة؛ منها: الكرم والإيثار, أما إيثاره فعلى سبيل المثال قد بنى عمارة في مدينة نصر، واختصَّ لنفسه شقة ملائمة ليسكنها ولم يعرضها على المشترين، فإذا بأخي الأستاذ صادق يطلب منه هذه الشقة، فآثره بها على نفسه حبًّا في أخيه, وأما عن كرمه وتواضعه فهو يقوم في كل رمضان بعمل عدة إفطارات جماعية، ومنها إفطار خاص ببوابي العمارات المجاورة؛ حيث يجمعهم ويقوم على خدمتهم بنفسه ثم يحدثهم عن شيء من تعاليم إسلامنا العظيم.
هذا هو المهندس ممدوح الحسيني، الذي شاب في الإسلام، والذي يضرب من نفسه المثل لأولئك الذين يقضون شبيبتهم على المقاهي، ليقول لهم بلسان حاله: "إن المسلم قادر على العطاء في شبابه وشبيبته".
