حسن عز الدين مالك

يقول أهل اللغة: إن كلمة (تاجر) تتكون من الحروف الأولى لأربعة كلمات، هي: تقي، وأمين، وجريء، ورحيم، وهذه الصفات الأربع لازمة لكل تاجرٍ صدوق، ويقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "التاجر الصدوق مع النبيين والشهداء والصديقين"، وقد رأيتُ في الأستاذ حسن مالك هذه الصفات الخمس؛ فهو صدوق كما أمر- صلى الله عليه وسلم- كما أنه تقي وأمين ورحيم وجريء، كما قال أهل اللغة في مواصفاتِ التاجر.

 

ولو أردت أن أُحدثكم عن الأستاذ حسن مالك فلا أدري عن أي الجوانبِ أتحدث؛ عن أخلاقه الراقية؟!، أم عن نشأته المميزة؟!، أم عن عقليته الاقتصادية، والتي يندر أن تتكرر بين الناس وخاصةً في هذه الأيام؟!.

 

لقد نشأ الأستاذ حسن مالك في عائلةٍ تُمارس التجارة؛ فأجداده ثم آباؤه كانوا من تجار النسيج الكبار، كما كان لهم مصانع منسوجات، وقد تعلَّم الأستاذ حسن مالك منهم أصول التجارة، فضلاً عن أخلاقِ التاجر والتجارة، وقد أضاف تديُّنه وورعه وعلمه إليه الكثيرَ، فكان التاجر الصدوق والماهر في نفس الوقت.

 

وقد كان للأستاذ حسن مالك الفضل الكبير- بعد الله تعالى- في إحداث رواجٍ اقتصادي في مصر في أواخر الثمانينياتِ من القرن الماضي؛ وذلك بما ابتكر من نظام معارض السلع المعمِّرة، والتي بسببها تم استفادة جميع الأطراف؛ فالشركات التي لديها مخزون باعت ما لديها نقدًا، والأفراد حصلوا على بضاعتهم بتقسيطٍ مريحٍ، والبنوك ربحت أموالها المرابحة الإسلامية، والجهات الضامنة كالنقابات قامت بخدماتٍ لأعضائها، كما استفادت دخلاً ماديًّا يعود على أعضائها، وفي وسط هذه الدائرة أُتيحت فرص عمل عديدة لشبابنا.

 

والأستاذ حسن مالك بارع في علم الكمبيوتر، وقد أسس شركة "سلسبيل" مع آخرين لتجارة الكمبيوتر، وهو من أوائل مَن أدخل القرص المرن إلى مصر، وقد دفع الأستاذ حسن مالك ثمن نجاحه في تجارة الكمبيوتر ومستلزماته وتنظيمه للمعارض أن قامت الحكومة المصرية بإغلاق شركة "سلسبيل" وإدخاله السجن لمدة أحدَ عشرَ شهرًا؛ وذلك لأن نجاحه آنذاك كان متعارضًا مع مصلحةِ بعض الفاسدين الذين يريدون أن يتربَّحوا بصورٍ فاسدةٍ، وكان الأستاذ حسن مالك وأمانته في تجارته ومعارضه حائلاً دون ذلك!!.

 

وتجاوز الأستاذ حسن مالك هذه المحنة، فخرج منها وقد أسس شركةً أخرى سمَّاها "المستقبل"، ولمَّا سُئل لماذا المستقبل؟ قال: لأنني أُفكِّر في مستقبل هذا البلد، وأراد الله أن ينجح في أنشطته التجارية الجديدة شاملةً تجارة الملابس والأثاث والخامات وغيرها، وقد كان صدقه وأمانته السبب الأول في حصوله على توكيلاتٍ عالميةٍ يسعى إلى نيلها الكثيرون، وقد اجتهد الأستاذ حسن مالك أن تكون معظم التوكيلات لشركات عربية وإسلامية، وقد نجح في الحصول على توكيلٍ من شركةٍ تركيةٍ في مجال صناعة الأثاث، وهذه الشركة هي واحدة من أعظم شركات الأثاث في العالم، وقد حاز ثقة الأتراك فانتخبوه رئيسًا لمجلس رجال الأعمال المصري التركي، وقد قام بترشيحه لهذا المنصب زملاؤه الأتراك، فضلاً عن المصريين.

 

ولأن الأستاذ حسن مالك يُفكِّر في مستقبل بلده وازدهاره، فقد شرع في تأسيس مصنعٍ للأثاث في العاشر من رمضان كان سيُصدِّر الأثاثَ للعالم كله، ويُوفِّر المئات من فرصِ العمل لشباب مصر، ولكن مَن أدخله السجن ظلمًا في الأولى أدخله ظلمًا في الثانية، وضاعت على شبابنا فرصة عمل شريف يسدون بها حاجاتهم ولا يضطرون إلى ما اضطر إليه الشباب من مغامراتٍ نهايتها الموت غرقًا في البحر.

 

وقد يسأل سائل: من أين المال الذي يتاجر به الأستاذ حسن مالك؟.. أقول لك: إن جزءًا صغيرًا من تجارته رأسمالها ما ورثه عن أبيه، أما الجزء الأكبر من رأسماله فهو ثقة التجار به؛ لذلك هم يعطونه ما يُريد دون ضماناتٍ؛ لأن سمعته أعظم ضمان؛ ولذلك فإن الأستاذ حسن مالك لم يأخذ مليمًا واحدًا من أي بنك، وليس مدينًا لأي جهةٍ؛ لأنه كما قال لمدير أحد البنوك حين أراد أن يدخل البنك ضامنًا له: سمعتي وثقة الناس فيَّ أستطيع أن أضمن بها البنك وليس البنك هو الذي يقوم بضماني.

 

ونجاح الأستاذ حسن مالك في عمله وصدقه في تجارته جعلاه محل ثقةِ التجار من حوله، فجعلوه قاضيَهم في كلِّ ما يختلفون فيه؛ فهو يبذل من وقته كثيرًا في الإصلاح بين المتخاصمين من التجار، وهم ينزلون على حكمه برضا تامٍ؛ لأنهم يعلمون مكانته بينهم.

 

وقد أخبرني الأستاذ حسن مالك أن من أسباب توقيفه في أمر الصلح بين التجار أنه كان في صغره يحضر مجالس زوج عمته، والتي كان يقوم فيها بالصلح بين التجار، وكيف يقف التجار مع المُعسر ومع صاحب الحق، ويُجبرون المخطئ على الإقلاع عن الخطأ، وقد كان زوج عمته تاجرًا مشهورًا وصاحب خُلقٍ ودين، وقد تعلَّم الأستاذ حسن مالك من هذه المجالس قواعد الصلح، كما تعلَّم الأخلاق الأصيلة للتجارة والتجار.

 

وإن كانت الأخلاق الأصيلة للتجارة والأخلاق الرفيعة للتجار قد تعلَّمها الأستاذ حسن مالك من واقع عائلته، فإن جانبًا آخر من تاريخ حياته وعائلته قد ساهم في صياغة شخصيته؛ فالأستاذ عز الدين مالك والد الأستاذ حسن مالك من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، وعمه الأستاذ محمد مالك أحد مجاهدي حرب فلسطين والقتال ضد اليهود والإنجليز، وقد اعتقل أبوه وجميع أعمامه وأزواج عماته أثناء فترة حكم عبد الناصر، وقد قامت جدته لأبيه برعايةِ أحفادها جميعًا، وقد حمَّلته في صغره مسئوليةَ إخوانه وأبناء عمومته، وقد كانت جدته تزرع فيهم الاعتزاز بالانتماء للعمل الإسلامي والفخر بكونِ أبيه وأعمامه معتقلين ينادون بالإسلام دينًا ودولةً، ورغم ما تعرَّض له الأستاذ حسن مالك في صغره من قسوةِ الحكام؛ حيث حرموه من أبيه وأعمامه، ثم ما تعرَّض له في شبابه من إغلاقٍ لشركته، ثم ما يتعرَّض له الآن من مصادرةٍ لماله وحريته وإحالته لمحكمةٍ عسكرية؛ رغم كل ذلك فهو كما هو؛ صابر محتسب، رقيق المشاعر، شديد الكرم، يحترم الكبير ويُشفق على الصغير، يخجلك تواضعه، ويعجبك أدبه، ترى الأستاذ حسن على حقيقته وهو يجتهد في استرجاعِ ما حفظه من قرآنٍ؛ حيث إنه حفظ القرآن كاملاً في صغره، وتراه وهو يجتهد في القيام والصيام، وتراه أيضًا وهو يجالس أبناءه ويداعب صغاره، وتراه حين تسيل عبراته تأثرًا بموقفٍ أو بكلمة.

 

إن أ. حسن الذي نَذَرَ نفسه لخدمةِ دينه ووطنه منذ كان طالبًا؛ حيث رأس اتحاد طلاب تجارة الإسكندرية، ثم بعد تخرُّجه؛ حيث أدخل الكمبيوتر ثم توكيلات تجارية ضخمة تُفيد المصريين.. لهو مثال لكل مصري يريد رفعة بلده.

 

إن الأستاذ حسن تَاجَرَ بماله الخاص، وأدخل إلى مصر تجارة رائجة، وكاد أن ينشئ صناعة جيدة، ولم يسرق أموال البنوك، ولم يتآمر على بلده من أجل مصلحةٍ شخصيةٍ، بل هو دائمًا يحرص على مستقبلِ بلده، ويسعى لنهضتها وتقدمها؛ لذلك وجد نفسه في السجن.