عندما تولَّى الرئيس محمود عباس أبو مازن رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية شعَر الكثيرين بأن قبوله لدى الأنظمة العربية- فضلاً عن الشعوب- أقل كثيرًا من سلفه الرئيس الراحل ياسر عرفات؛ ليس بسبب امتلاك الأول كاريزما ما أو حتى للإشاعات التي خرجت عن ميول أبو مازن المذهبية وإن كان الرجل أنكرها، ولكن لسببٍ واضحٍ جدًّا، وهو خيارات أبو مازن وأطروحاته التي تجعل 100% من أوراق اللعبة في يد الكيان الصهيوني، وهي نظرية عجيبة لم يسبقه إليها أحد؛ أن يجعل أوراق اللعبة والحل كلها في يد المحتل.

 

الجميع توقَّع أن يترتَّب على خيارات أبو مازن تلك موقفٌ ما من النظم العربية، خاصةً أنه اتجه إلى الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية مباشرةً، يعزف منفردًا بعيدًا عن النظام العربي الذي وإن كان يسير في فلك المنظومة الأمريكية، إلا أن هناك خطوطًا ما تحاول بعض الأنظمة أن تتخطاها في علاقتها بالإدارة الأمريكية أو حتى بالكيان الصهيوني؛ حتى تبدوَ- على الأقل- في بعض القضايا صاحبةَ رأي مستقل، أو ترى أن الانسياق التام فيها ربما هدَّد أمنها القومي، وهذا الموقف كان يحافظ على الحد الأدنى من شرعية هذه الأنظمة.

 

النظام المصري كان من أوضح الأنظمة موقفًا في ذلك، خاصةً أن مصر بها أجهزة سيادية تعلم جيدًا حدود الأمن القومي المصري وتحاول أن تحافظ على مكانة مصر في المنطقة حتى في إطار الضغوط الأمريكية تارةً والموقف المصري من بعض القضايا تارةً أخرى، الذي ربما يتوافق أو يتعارض مع الرؤية الأمريكية أو الصهيونية.

 

مع تزايد الضغوط الأمريكية على مصر مدفوعةً بحملات صهيونية خاصةً بعد التطورات السريعة في قطاع غزة منذ عملية الحسم التي قامت بها حركة المقاومة الإسلامية حماس في يونيو 2007م، هاجم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط حينها الحركة متهمًا إياها بتهديد الأمن القومي، معتبرًا أن إيران أصبحت على أبواب مصر، وكأنَّ إيران- ومن قبلها حماس- أشد خطرًا على مصر من الكيان الصهيوني؛ مما يتطلَّب تغييرَ اعتبارات وأسس الأمن القومي التي تُدرس في الجامعات المصرية والمعاهد ذات الصلة.

 

إلا أن الرئيس مبارك استطاع سريعًا أن يعالج الموقف في قمة شرم الشيخ وبحضور أبو مازن، معبِّرًا عن موقف مصر وعن مصلحتها القومية، وهو أن مصر تنحاز إلى الشعب الفلسطيني وليس إلى فتح أو حماس، وعاد أبو مازن حينها يجر أذيال الخيبة؛ لأنه لم ينجح في جر مصر إلى مربعه.

 

ولكن عاد أبو الغيط مرةً أخرى وبعض الأقلام المشبوهة لتسيء إلى علاقات مصر بالشعب الفلسطيني وتتحدَّث عن أمن مصر القومي "وإننا قادرون على "كسر رِجْل" مَن يدخل مصر من الفلسطينيين"؛ وذلك بسبب مصادمات أقل من العادية خرجت من شعب يموت جوعًا بسبب حصار ظالم فُرض عليه بقرارٍ صهيوني وبتنفيذٍ عربي!!.

 

ورغم أن الرئيس مبارك أكَّد قبلها أنه لن يسمح بأن يموت الشعب الفلسطيني جوعًا، بل كان دخول الفلسطينيين إلى مدينتَي رفح والعريش حضاريًّا؛ فلم يمارسوا أعمال نهب أو سرقة بدعوى الجوع والفقر الناتج عن الحصار المفروض عليهم منذ عام تقريبًا، بل قاموا بشراء السلع بأموالهم وبأعلى من سعرها ثم عادوا مرةً أخرى إلى غزة، وهم الأكثر حرصًا على العودة وإلا لما كانت هناك أزمات عالقين دائمة للفلسطينيين في رفح والعريش طوال العام الماضي، والذين كان أملهم الوحيد العودة إلى أهلهم المحاصَرين في غزة.

 

لستُ هنا في مقام المدافع عن الشعب الفلسطيني المحاصر- وإن كنت أرى ذلك واجبًا على كل مصري وعربي ومسلم وحر- ولكن دفاعًا عن أمن مصر القومي أولاً ومكانتها التي تأثرت سلبًا وبمعدلات غير مسبوقة خلال السنوات القليلة الماضية.

 

لقد اعترض كثيرون على بعض مسارات السياسة الخارجية المصرية، ولكن أحيانًا كانت هذه المسارات تعبِّر عن رؤى أكثر منها عن كونها تعبِّر عن إستراتيجيات تحكم دور مصر وأمنها، ولكننا الآن أصبحنا نشعر أحيانًا أننا إما دخلنا في سباق مع أبو مازن لإرضاء الكيان الصهيوني أو تحوَّلنا فعلاً إلى تابعين لرؤاه، ونحاول أن نرضيَه؛ حتى لا يغضب الكيان والإدارة الأمريكية!!.

 

كان البعض يعترض على طريقة إدارة ملف العلاقات المصرية الأمريكية أو المصرية الصهيونية، ولكن في النهاية كان البعض يعتبر ذلك اختلافًا في الرؤى بين حاكم ومعارضة، أو كما يقول البعض إن مساحات الحركة وحدودها لدى الشعوب تختلف عن تلك لدى الأنظمة، ولكن أن تصل الأمور إلى أن نكون تابعين لأبو مازن فهذا هو التهديد بعينه للأمن القومي المصري.

 

نعم.. نرفض أن ننساق لأحدٍ في إدارة ملف علاقاتنا الخارجية؛ لأنه ملف مصري خالص، خاصةً أن أجندة أبو مازن معلَنة ومعروفة ومرفوضة منذ البداية، إذا كان الرئيس مبارك رفض أن ينجرَّ إلى خلاف فلسطيني- فلسطيني داخلي فلماذا نقبل الآن ليس أن ننحاز ولكن  أن ننساق وراء أبو مازن؟! هل قوة علاقته بالكيان والإدارة الأمريكية جعلته بالقوة التي يهدد فيها وينتقد مصر ثم يستجيب له بعض الإعلاميين بل وبعض السياسيين سريعًا ويحاولون إرضاءه على حساب مكانة مصر وأمنها القومي ودورها التاريخي في المنطقة؟!.

 

اختراق صهيوني

لقد بدأنا نسمع عن مصطلحات جديدة في الإعلام المصري، من قبيل: الخطر الفلسطيني على الأمن القومي المصري (بدلاً من الخطر الصهيوني)، وأن مصر ستكسر رِجْل أي فلسطيني يطأ حدودها بدلاً من شعارات: مصر الشقيقة الكبرى لكل العرب، و"ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".

 

لقد أصبحنا نقرأ إعلامًا صهيونيًّا مكتوبًا بالعربية بعد أن كنا نقرأ ونسمع في الإعلام المصري قصائد تمجِّد في المقاومة ودور مصر العربي وغيرها.

 

لقد أصبحت مصر مع هذا الإعلام نعامةً في مواجهة الكيان الصهيوني وأسدًا في مواجهة شعب فلسطيني أعزل محاصر.

 

أي بطولة تلك نتحدث عنها وأي نخوة عندما نتحدث عن أشقاء لنا في موقف ضعف؟! لم نتحدث بهذه الطريقة ليس عن جرائم الاحتلال بحقهم بل بحقنا نحن المصريين؛ حيث لم يكن يمر أسبوع أو شهر إلا وسمعنا عن اعتداء صهيوني على شرطة الحدود المصرية كانت تؤدي أحيانًا إلى استشهادهم.. لم يقتل الفلسطينيون منا أحدًا بينما قتل الصهاينة منا العشرات، ودخول الفلسطينيين لرفح والعريش هو نتاج حصار جائر فُرض على شعب يتعرَّض لإبادة، أما ما يفعله الصهاينة بنا كل يوم فهو تهديد أمن مصر القومي وتهديد صورتها ومكانتها.

 

أستأذن ممن كتبوا عن أشقائنا الفلسطينيين أن يطلبوا من مراسليهم في العريش أن يذهبوا إلى رفح ويسألوا سكانها هل أوضاعهم وأمنهم أفضل حالاً الآن أم أثناء الاحتلال الصهيوني لغزة؟!.

 

الشعب الفلسطيني لم يكن يومًا ما مهدِّدًا لمصر ولا لأمنها القومي، وأتحدى أن يخرج مسئول ويعلن أسماء مَن ادعوا اعتقالهم في محافظات مصرية ومعهم أسلحة؛ فأقل فلسطيني اتفقنا معه أو اختلفنا- بنظري- سيكون أفضل من عزام عزام ومصراتي وغيرهما.