يجب ألا ننسى أن الصراع الحقيقي هو بين العرب والكيان الصهيوني المحتل الغاصب لفلسطين أرض العروبة والإسلام وليس بين مصر والشعب الفلسطيني في غزة، غير أن اللوبي الصهيوني في مصر يحاول أن يقلب الأوضاعَ فيصور المشهدَ كما لو كان تخطيطًا من حماس لغزو سيناء والاعتداء على السيادة المصرية واستدراج مصر إلى مشكلةٍ لا طاقةَ لها بها.

 

ونسي أو تناسى هؤلاء أن اقتحامَ بضعة مئاتٍ من الألوف من الشعب الفلسطيني في غزة لمعبر رفح جاء نتيجةً طبيعيةً وحتميةً للحصارِ الخانق والقاتل الذي تعرَّض له أهل القطاع لمدةٍ تزيدُ عن ثمانية أشهر من قِبل العدو الصهيوني.

 

ونسي أو تناسى هؤلاء أن هذا الوضع كان اضطراريًّا ألجأت الظروف القاسية إليه؛ فهاهنا شعبٌ يواجه محنةً قاسيةً، لا ليومٍ أو لأسبوع، ولا حتى لشهر، ولكن لسنواتٍ طويلة، شعبٌ احتُلت أرضه، ودنست مقدساته، وهدمت بيوته، وجرفت أرضه، ثم هو يتعرض كل يوم لأعمال التصفية والاغتيال والإبادة، ويحاصر حصار الجوع والموت فلا يجد الكهرباء، أو الوقود أو الغذاء أو الدواء، أو أبسط مقومات الحياة.

 

ونسي أو تناسى هؤلاء أننا بصدد شعبٍ يُعاقَب بشراسةٍ وضراوةٍ من المجتمع الدولي كله، ليس على جريمةٍ ارتكبها أو ذنبٍ جناه، ولكن- ويا للأسف- لأنه مارس الديمقراطية بشفافيةٍ ومصداقيةٍ عالية بشهادة العالم كله، ولأنه انحازَ إلى خيارِ المقاومة.

 

إنَّ الحملةَ الإعلاميةَ التحريضيةَ الشرسةَ التي يقوم بها بعض ممن يسيرون في فلك العدو الصهيوني تستهدف تسميم الأجواء بين مصر والشعب الفلسطيني في قطاع غزة بما يحقق أهداف العدو الصهيوني؛ أولاً: في إعادة إحكام الحصار على أهل القطاع بما يؤدي إلى خنقِ الشعب الفلسطيني وتجويعه، وبالتالي تثويره ضد حماس.

 

وثانيًا: لتهميش دور مصر المحوري تجاه أشقائنا في فلسطين، فلا يكون لها أي دورٍ من فكٍّ للحصار وتوصيلٍ للكهرباء وإمدادٍ بالوقود والغذاءِ والدواء.

 

لقد استثمر هؤلاء تلك التجاوزات التي حدثت من بعض الفلسطينيين على الحدودِ مع قوات الأمن المصرية، خاصةً عقب الإعلان عن غلقِ معبر رفح فأقاموا الدنيا ولم يُقعدوها؛ أملاً في تحقيقِ أهدافهم والوصول إلى غاياتهم.

 

وبدايةً نقول: إن أحدًا لا يمكن أن يُوافق على هذه التجاوزات, بل هي مُدانة ومستنكرة من الجميع، ولا يتصور عاقلٌ أن تقف حماس وراءها، فحماس أكبر من أن تنزلق إلى مثل هذه الأعمال، وهي الحريصة على حسنِ العلاقةِ مع مصر وعدم الإساءةِ إليها، خاصةً أنها تُمثِّل المنفذ والرئة الوحيدة لأهل القطاع وما يتطلبه ذلك من ضرورةِ التنسيق معها في ضبط إيقاع حركة الدخول والخروج عبر المعبر، وعدم إعطاء الفرصة لمَن يريد الصيد في الماء العكر، فكما أن مصر مستهدفةٌ فإن حماس كحكومة مستهدفة أيضًا.

 

وأنا على ثقةٍ ويقينٍ أنَّ مَن قام بهذا العمل إما أن يكونوا من الغوغاءِ الذين يطفون على سطح الأحداث خاصةً في مثل هذه الظروف، أو أن يكونوا من عناصر مناوئة لحماس أو من عملاء بني صهيون مدفوعين لتعكير العلاقة بين مصر وحكومة حماس.

 

وإذا كان النظام المصري قد كسب شعبيةً كبيرةً وارتفعت أسهمه داخليًّا وعلى مستوى العالم العربي والإسلامي بسماحه لأهل القطاع بدخول رفح المصرية والعريش للتزود بكل ما يحتاجونه، خاصةً بعد هذا الحرمان الطويل، وإذا كانت حماس قد كسبت أيضًا بصمودها واستمرارها والتفاف الشعب الفلسطيني حولها بعد أن راهن على فشلها وإسقاطها الكثيرون، فإن هناك مَن يريد أن يُفقد حماس والنظام المصري هذا التعاطف الشعبي العام.. يريد أن يحرمهما من النتائج التي تحققت على الجانبين المصري والفلسطيني؛ حيث نهض الشعب المصري عن بكرةِ أبيه لإغاثة أشقائه في قطاع غزة، وظهر معدنه المصري الأصيل بنبله ومروءته وشهامته، وقدَّم كل ما يملك، وكان مثالاً للتضامن والتضحية والفداء.

 

وحيث شعر الشعب الفلسطيني أنه لا يقف وحيدًا في الميدان، وأنه يُحارب معركته ومعه كل الشعب المصري، بل والأمة العربية كلها، وفي مقابل صموده وثباته وتحديه ومقاومته، كان هناك على الجانب الآخر البذل والعطاء من الشعب المصري، ليس منحةً أو هبةً منه، ولكن فريضة إسلامية وواجب إنساني.

 

ولا شك أن هذا كله أغاظ العدو الصهيوني، وأثار أحقاد مَن يدور في فلكه ويلف لفه، ومن هنا كان الانتظار.. والتربص.. والترقب لأي بادرةٍ خروقاتٍ أو تجاوزاتٍ.. وحدث ما كنا نخافه ونخشاه، وانطلقت الأبواق المسمومة والأصوات الحاقدة، والأقلام الموتورة من دعاة التطبيع مع العدو الصهيوني تصب لعناتها على حكومةِ حماس والشعب الفلسطيني والإخوان المسلمين في مصر، وأن مؤامرةً حيكت فصولها بليل، وأن هناك خطةً لتصدير المشكلة الفلسطينية إلى مصر.

 

ونسي هؤلاء وأولئك أننا أكثر منهم حرصًا على الأمن القومي المصري، غير أننا أكثر أملاً ورجاءً في أن تقوم مصر بدورها المبدع والخلاق تجاه الأشقاء الفلسطينيين، خاصةً أن الشعب الفلسطيني بصموده وثباته وإيمانه لا يدافع عن أرضه وعرضه ومقدساته فحسب، وإنما يدافع عن كرامةِ الأمة وشرفها؛ فهو يقف- وإخوانه المقاومون في العراق- في مواجهةِ المشروع الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف تفكيك المنطقة وإعادة رسم خريطتها من جديد.

 

ومن نافلةِ القول أن نذكر أن حكومة وحركة حماس أوعى من أن تكون أداةً لتنفيذ المخطط الصهيوني الذي يسعى إلى المزيد من شقِّ الصفِّ الفلسطيني أو إلى المزيد من توسيع الهوة بين الضفة والقطاع.

 

حكومة وحركة حماس أوعى بهذا المخطط اللئيم الذي يرمي إليه العدو الصهيوني، وهو أن تكون مصر مسئولةً في النهاية عن إدارة القطاع، وبالتالي تصفية المقاومة، وهو ما تنتبه إليه مصر انتباهًا كاملاً.

 

حكومة وحركة حماس.. لا تريد أن يعود الوضع إلى ما كان عليه من حصارٍ خانقٍ قد يؤدي إلى حالةٍ من الانفجار الشعبي العام في وجهِ الجميع، وهو ما نُحذِّر منه كل الأطراف.

 

نعلم أن النظام المصري يتعرض لضغوطٍ شديدةٍ ظاهرة ومستترة من قِبل الإدارة الأمريكية، والكيان الصهيوني والاتحاد الأوروبي، وأن الحسابات معقدة ومتشابكة والمصالح متداخلة.

 

لكننا نعلم أيضًا أن الأمن القومي المصري لا يتناقض أبدًا مع قيام مصر بدورها تجاه الشعب الفلسطيني وبخاصة في قطاع غزة، فالجميع يدرك أن حصار أهلنا في القطاع هو ضد القوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

 

صحيح أننا في عالم تستعمل فيه القوة كمكافئ للشرعية.. وأنه لا مكانَ فيه إلا للأقوياء، وصحيح أننا نعلم أن الكيان الصهيوني لديه حصانة ضد القانون الدولي، وأنه لا يقر ولا يعترف، بل ويدهس كل القرارات الدولية، تساعده وتؤيده في ذلك الإدارة الأمريكية.. لكننا نعلم يقينًا أيضًا أن هذا العدو لا يفهم سوى لغة القوة، ومن هنا كان خيار المقاومة لتحرير الأرض واستنقاذ المقدسات، وهو الأمر الذي يجب ألا ننساه جميعًا.

---------------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين