محمود حسن جناحي

حُوصرت غزة، وهي في سباتٍ عميق!!
ارتُكبت المجازر تلو المجازر في حق الشعب الفلسطيني، وهي في بيات شتوي!
تساقَطَ رجال فلسطين ونساؤها وأطفالها بصواريخ الأباتشي، وشخيرها يصمُّ الآذان!
هل عرفتموها؟ إنها الأمم المتحدة، وللأمم المتحدة قصةٌ عجيبةٌ ليس مع فلسطين فقط، بل مع كل القضايا التي للمسلمين شأن بها! ولكن لنرجع إلى بدية القصة:
في 25 يونيو 1945م أُعلن عن مولود جديد سيكون له شأنٌ عظيمٌ، أو هكذا كانت الأماني، أُعلن في سان فرانسيسكو عن تأسيس منظمة الأمم المتحدة؛ فتنفيذًا لما اتُّفق عليه في مؤتمرات تمهيدية سابقة في واشنطن ويالتا، دعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى عقد مؤتمر في سان فرانسيسكو لدراسة وإقرار ميثاق للأمم المتحدة؛ المنظمة التي أريد لها أن تكون خلَفًا ناجحًا لعصبة الأمم التي تشكَّلت عام 1920، بلغ عدد الدول التي حضرت هذا المؤتمر- والتي وقَّعت بالإجماع على ميثاق الأمم المتحدة- 46 دولةً، انضمَّت إليها فيما بعد 5 دول، وبذلك أصبح الموقِّعون 51 دولةً، من بينها 5 دول عربية هي: السعودية، مصر، العراق، سوريا ولبنان، ومن الدول الإسلامية: تركيا وإيران، وقد استغرق المؤتمر الفترة من 25 أبريل حتى 25 يونيو 1945.
وقد لعبت الدول الكبرى الدور الرئيس في إعداد الميثاق والتصديق عليه، وهي التي جعلت لنفسها حق الاعتراض (النقض أو الفيتو) على أي مشروع لا يوافق هواها يعرض على الأمم المتحدة!!.
هكذا إذن، وبسبب هذا الفيتو الشيطاني وُلد الجنين مشوَّهًا.. المنظمة التي ستتكفَّل بتحقيق الأمن والسلام العالميين وُلِدَت من أول يوم وهي تحمل علاماتٍ مضادَّةً لكل ما هو أمن وسلام!!.
وبدأت المنظمة عملها، وبدت علامات السيطرة الاستعمارية خاصةً الأمريكية واضحةً لكل ذي عينين، وكان العرب والمسلمون هم أكثر من عانى من قراراتها الجائرة والمنحازة إلى الطرف الآخر، وأكبر دليل على ذلك كيفية تعامل هذه المنظمة مع القضية الفلسطينية؛ ففي الثاني من أبريل عام 1947 طلبت بريطانيا، ولأجل إكساب المؤامرة وجهًا دوليًّا، من الأمم المتحدة إدراج قضية فلسطين ضمن جدول أعمال الجمعية العامة في دورتها السنوية، شكَّلت الأمم المتحدة لجنةً خاصةً بفلسطين، مكوَّنة من أحد عشر عضوًا انتهت إلى تقديم مشروع بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود!!.
وفي 27 نوفمبر 1947 فاز القرار المشئوم بالأغلبية بعد أن صوَّت لصالحه 33 صوتًا وضده 13 صوتًا، وكانت الدول التي نادت بالتقسيم هي الدول الصليبية الاستعمارية، ومن يلوذ بكنفها، يومها قال الشيخ البشير الإبراهيمي- رحمه الله- معلِّقًا على ما يجري في المنظمة الدولية: "هل يلام العرب والمسلمون من ورائهم إذا اعتقدوا أنها حرب صليبية، بعض أسلحتها من اليهود، وإنها ممالأة مكشوفة على الإسلام!".
يقول الكاتب الصهيوني (هورويتز) موضحًا تلك الجريمة البشعة، والأساليب الدنيئة التي اتُّبِعت لتمريرها: "لقد هببنا جميعًا للصراع، وعبَرت مكالماتنا الهاتفية المحيطات لتتصل بالمسئولين في كل أنحاء العالم، وغمرنا بسيل من البرقيات كل المسئولين الذين يمكنهم مساعدتنا في كسب الأصوات، وأعطينا شيكات مفتوحة على بياض لكل من كان متردِّدًا في تأييدنا..".
وهكذا نفِّذت المؤامرة.. هكذا ركب اليهود هذه المنظمة (الدولية) لتحقيق أهدافهم، وهكذا كان موقف الأمم المتحدة من القضية الفلسطينية، بدلاً من أن تطرد المجرم المغتصب من الدار، قالت لأصحاب الدار: "لكم النصف وللمجرم المغتصب النصف، سواء بسواء!!".
واستمرت مآسينا مع الأمم المتحدة، فها هو بطرس غالي، الذي استبشر به العرب، وتغنَّوا بتعيينه أمينًا عامًّا، يعلن في فترة ولايته في بداية التسعينيات أن قرار الأمم المتحدة رقم (242) الذي مضى ربع قرن على صدوره غير ملزم "لإسرائيل"! وها هو كوفي عنان يأبى إلا أن يؤكد على استمرار المأساة، فبعد أن أحرق الجزار المجرم شارون الأخضر واليابس، ويتَّم الأطفال ورمَّل النساء، ها هو كوفي عنان يُرسل إليه رسالة (توبيخ)، يا سلام!! تمخضت الأمم المتحدة فولدت رسالة توبيخ!! وها هو اليوم بان كي مون يصمت صمت الأموات على حصار غزة!!.
هذا بالنسبة لقضيتنا الأولى: فلسطين الجريحة، فماذا بالنسبة لسائر قضايا العرب والمسلمين؟!
أليست الأمم المتحدة هي الغائب الأكبر في مآسي الصومال الممزق، والسودان الذي يراد تمزيقه، وكشمير الصابرة، والشيشان المغتصبة، وما هذا الدور المريب للأمم المتحدة تجاه احتلال دولة مستقلة ذات سيادة هي أفغانستان؟ وماذا عن العراق التي احتُلَّت احتلالاً عسكريًّا مباشرًا من قبل الدولة العظمى اليوم؟ والصومال التي احتلتها أمريكا عن طريق العملاء الإقليمي؟!
لقد جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة: "نحن شعوب الأمم المتحدة قد قطعنا على أنفسنا عهدًا أن نجنب الأجيال القادمة ويلات الحرب، وأن نعمل على إيجاد تعاون اقتصادي واجتماعي بين دول العالم، بأسلوب يرتفع بمستويات الحياة الكريمة للجميع، ويحفظ السلم للجميع، ويفضّ المنازعات بالوسائل السلمية".
واليوم وبعد هذه السنوات الطويلة، لا نجد أمامنا إلا الواقع المرير، فقد شهد العالم في "عهد الأمم المتحدة" حوالي 150 حربًا، نتج عنها خسائر بشرية تقدَّر بحوالي 24 مليون نسمة، كما شهد العالم استخدام مهزلة (الفيتو) أكثر من 80 مرةً.
صحيحٌ أن هناك نشاطًا مشكورًا للأمم المتحدة في بعض المجالات الإنسانية والتعليمية والصحية، وصحيحٌ أن لها بعض النجاحات المحدودة، حقَّقتها على الصعيد الدولي، لكن أكثرها يصبُّ في المصلحة المباشرة للدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة.
إن الحقيقة المرة هي أن هناك دولاً محدودةً تهيمن على هذا العالم، متخِذةً من المنظمة الدولية مطيَّةً لتكريس هذه الهيمنة، والضحية غالبًا من المسلمين!!.
كانت الأمم المتحدة شريكًا فعَّالاً في قضية تيمور الشرقية، وقامت بدورها خير قيام في مساندة شعب تيمور (النصراني) لتقرير مصيره وانفصاله عن إندونيسيا (المسلمة)!! ولكن حين يكون هذا الشعب المنادي بحرية تقرير المصير شعبًا مسلمًا، حينئذٍ تُصاب المنظمة الدولية بصمم يضاهي صمم (أبو الهول)! وهكذا أصبحت الشعوب المسلمة الخاضعة للاحتلال الأجنبي ضحيةً للأمم المتحدة. ومن لا يصدِّق فلينظر إلى شعوب الشيشان وكشمير وتركستان الشرقية وجنوب الفلبين وفطاني والأوغادين.
يا سادة.. لقد ولدت المنظمة الدولية مشوّهةً، عليلةً، معوجةً، حاملةً لفيروس معادٍ للإسلام والمسلمين!! فمن ذا يقوِّم اعوجاجها اليوم؟!