ثقافة الفقراء هي الموروث الشعبي الذي تشكَّل عبر أزمنةٍ متعاقبةٍ تمتد عبر تاريخ طويل ما زالت آثاره باقيةً حتى الآن في لغتنا وعاداتنا وأفعالنا الشعبية التي توضِّح الكثير من المعتقدات المتوارثة، ويمثِّل الدين العنصرَ الأساسيَّ في ثقافة الفقراء والأغنياء معًا.

 

هذا ما يؤكده كتاب "ثقافة الفقراء" الصادر عن مكتبة الأسرة هذا العام، وهو في الأصل مجموعةٌ من الدراسات والأبحاث قامت بها "قناة النيل الثقافية"، وتحت عنوان "لماذا ثقافة الفقراء؟".

 

يوضِّح الإعلامي جمال الشاعر أن الفقر هو أحد الأسرار الكبرى في التاريخ الإنساني بين رسالات الأنبياء والمصلحين والفلاسفة والساسة والاقتصاديين، وظلَّ الفقر هو المعادلة الأصعب والسؤال المحوري الذي توقَّف التاريخ عنده، ويشير في هذا الصدد إلى الدراسات والإحصاءات التي تؤكِّد نمو الفقر ليهدد 80% من سكان الكرة الأرضية الذين سيتحوَّلون بالتدريج إلى عالةٍ على النظام العالمي الجديد؛ فلا ينتجون ولا يملكون ما يشترون به منتجات العولمة، أي أنهم لا يصلحون لكي يكونوا منتجين أو مستهلكين!!.

 

ويؤكِّد تقرير للأمم المتحدة أن أغنى 500 شخص في العالم لديهم دخل يساوي دخل أفقر 500 مليون نسمة، وأن نسبة الفقر تزداد باضطراد، أما المؤشرات على تغيُّر واقع الفقراء في العالم فهي تدعو إلى اليأس أكثر مما تدعو إلى الأمل!!.

 

جذور ثقافة الفقراء

يوضح د. صبري العدل أن جذور ثقافة الفقراء في مصر تتمثَّل في التراث الفرعوني واليوناني والقبطي والعربي والإسلامي، ويضرب مثالاً على ذلك بقصة "إيزيس" المصرية القديمة التي دخلت فيها بعض العناصر اليونانية، وقام الرومان ببناء معبد خاص لها في أسوان باسم "أنس الوجود"، مشيرًا إلى أن هناك اختلاطًا في الحضارات الثلاثة: الفرعونية والرومانية والإغريقية في هذه القصة "إيزيس وأوزوريس".

 

ولم تتأثَّر مصر بالرومانيين في مجال الزراعة؛ لأن مصر كانت رائدةًَ في هذا المجال، ويقول: "إن من الغريب أن اللهجة المصرية تشمل العديد من التعبيرات الإيطالية، رغم أن "الطلاينة" لم يحتلوا مصر، مثلاً: "كاتينة- سلسلة- اسكلة- أوسقالة- بوليصة تأمين- خرطوش- رصاصة"، لكن يمكن تفسير ذلك في إطار بُعْد البحر المتوسط لمصر؛ حيث كان هناك تبادلٌ تجاري بين الموانئ المصرية والإيطالية خاصةً جنوب البندقية، كما كانت هناك جالية إيطالية تسكن الإسكندرية والقاهرة".

 

جذور عربية وإسلامية

 وإذا انتقلنا إلى الحديث عن الجذور العربية الإسلامية لثقافة الفقراء في مصر نجد أن أهم ميزة للحضارة العربية الإسلامية هي استفادتها من المنابع الحضارية التي عاشت في المواطن التي كوَّنت أجزاؤها الدولةَ الإسلاميةَ.

 

ويؤكِّد أن الإسلام كشف عن مميزات العنصر العربي الذي استلهمت موجتُه الحضاريةُ الشابةُ ما في حكمة الصين وفلسفة الهنود وسياسة الفرس وتراث اليونان، ثم أخذ يضيف إليها من نواحي عبقرية المصريين القدماء، ويوضِّح أن هذه الميزة مردُّها إلى الطابع التحرري الذي حكم الدولة العربية منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، وهو طابعٌ جعل من هذه الدولة الوارثَ الشرعي لثروات الأمم المقهورة، فلم تكن مثل بيزنطة؛ قوةً قاهرةً تفرض طابعها الحضاري ومذهبها الديني على الآخرين؛ حيث غلب على المسلمين الموقف الوسط الذي يرفض التطرف ويقبل التعددية والقيم المتنوعة؛ مما أتاح مناخًا للتفاعل والائتلاف حتى صار بناء ًحضاريًّا مميزًا.

 

ويُستخلص من ذلك أن الحضارة العربية الإسلامية احتضنت الفقراء والمستضعفين الذين كانت تعتبرهم على رأس أولويَّاتها، فوفَّرت لهم سُبُلَ العيش الكريم، وكان لهذا الاحتضان جذورٌ دينيةٌ؛ فقد أتي الإسلام وحرَّر العبيد، وحضَّ على مساعدة الفقراء، ووضع الزكاة كرُكنٍ أساسي من أركانه، وهذه الزكاة من أهم أشكال التكافل الاجتماعي لمساعدة الفقراء، وعليه كانت مساعدة الفقير بُعدًا مهمًا وأساسيًّا للحضارة الإسلامية.

 

المُكوِّن الديني

وحول المكوِّن الديني لثقافة الفقراء في مصر، يؤكِّد د. محمد السيد الجليند- أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة- أن الدين عنصرٌ أساسي في ثقافة الفقراء والأغنياء على السواء، ويرجع السبب في ذلك إلى فطرة الإنسان، ويشير إلى مقولة الإمام محمد عبده: "إن أي حركة إصلاحية للشعب المصري؛ ما لم تتخذ الدين مدخلاً فلن يكون لها فائدة"؛ وذلك لأن الشعب المصري متديِّن بفطرته.