- فعالياتنا لكسر الحصار كثيرة بدأت بمظاهرة المعبر وسوف تستمر
- الضباط المصريون بكوا لحالنا وقالوا قلوبنا معكم ولكنها أوامر
- الحصار ضمن سلسلة الحصارات الكثيرة التي نواجهها ونتحدَّاها
حوار- إيمان يس
منذ عامين خرجت نساء غزة لفك الحصار عن المجاهدين المحاصرين في بيت حانون في موقفٍ بطولي سجَّله التاريخ، وارتقى منهن شهيدات كانت أبرزهن الشهيدة فاطمة ذات الـ76 عامًا، بينما واصلت السير أخريات كانت أبرزهن النائبة جميلة الشنطي التي قادت تلك المسيرة، ودفعت الثمن بقصف بيتها وملاحقتها، ومع تشديد الحصار على القطاع، وقيام الكيان الصهيوني بقطع الوقود عن غزة التي عاشت لياليَها في ظلامٍ دامس، عادت الشنطي مرةً أخرى لتقود نساء غزة، ولكنها هذه المرة إلى معبر رفح في محاولةٍ لإيصال صوت النساء الثكالى والأطفال الصغار واليتامى إلى العالم كله، وكان هذا التحرُّك هو شرارة الانطلاقة لفتح معبر رفح، وسماح السلطات المصرية لأهل القطاع بالدخول لرفح المصرية في موقفٍ لم يشهده التاريخ، وقد لا يتكرر ثانيةً!!.
وقد أجرى "إخوان أون لاين" هذا الحوار مع النائبة البطلة التي تسحق أن يطلق عليها "امرأة بألف رجل".
![]() |
|
مئات الفلسطينيات يحاولن اقتحام معبر رفح |
* هل توقعتن هذا التصادم مع الأمن المصري؟
** نحن خرجنا في مظاهرةٍ سلميةٍ وليست ضد مصر أو أي دولة عربية، خرجنا نخاطب الأمة العربية والإسلامية بأكملها، خرجنا نقول لهم: لماذا هذا الصمت وغزة تموت؟!، ولكن ليس لنا طريق للأمة العربية والإسلامية سوى بوابة مصر، ومصر هي رائدتنا وحبيبتنا، وهي عمقنا وتاريخنا، وإذا كنا نأمل في فتحٍ أو نصرٍ فنحن نعلم أنه لن يأتي إلا عن طريقِ مصر؛ فهم- كما قال عنه صلى الله عليه وسلم-: "خير أجناد الأرض"، وعندما خرجنا بالطبع كنا نتوقع أننا سنلتقي بأبناء مصر، حتى الأمن هم جزءٌ من أبناء مصر، ولم يكن في نيتنا أي اصطدامٍ معهم، وبالتالي عندما وصلنا قلنا لهم: أنتم أخوتنا وأحبتنا، وما جئنا لنستعديَكم، لكننا جئنا فقط، وأفصحنا لهم عن نيتنا بكل صدق أننا لا ننوي سوى الاعتصام لمدة ساعات في ساحة المعبر كعملٍ رمزي نوجِّه به نداءً للأمة العربية والإسلامية، إلا أن الأوامر صدرت بألا يسمحوا لنا بذلك، فحدث ما رآه الجميع على شاشات الفضائيات من رشٍّ بخراطيم المياه في هذا البرد القارس، وضربٍ بالهراوات وإطلاق نار؛ مما أدى إلى تدافع النساء، وسقوط البعض على الأرض بما فيها من حجارةٍ وأسلاك، فحدث ما حدث من جروحٍ وإغماءات واختناقات، لكن هذا لم يمنعنا من مواصلة الطريق الذي عقدنا العزم على السير فيه؛ فهذه البوابة المقيتة، وهذه الاتفاقيات الصهيونية الأمريكية السوداء لم نعد نحتملها، سنكسرها ونحطمها تحطيمًا؛ فهذه مصر شقيقتنا هي ظهرنا، هي بوابتنا، وشعب مصر حتمًا سيحتضننا.
* ماذا كانت مشاعركن عندما أخلفت قوات الأمن ظنكن؟
** حقيقةً.. لم نغضب كثيرًا لهذا الأمر؛ فنحن نعرف أن هذه أوامر، وأنهم مأمورون بذلك، ومن الطبيعي أن تحافظ كل دولة على حدودها، لكن المعاناة التي نعيشها هي ما دفعتنا إلى أن نتجاوز كل هذة الأمور، وبإرادتنا عزمنا على أن نقول للعالم كلمتنا بأن هذه الاتفاقات يجب أن تُفسخ وأن تُحرق؛ فهي ليست إلا كلماتٍ على ورق؛ فهل نحترم الورق ولا نحترم الإنسان الذي يموت؟!، فأطفالنا تموت والمآسي تملأ مستشفياتنا، فأي قلبٍ يستطيع أن يسكت على ذلك؟!.
ولذلك لا يستغرب العالم أن النساء هببن وخرجن؛ فالمرأة لا تستطيع أن تحتمل وهي ترى ابنها وأخاها وأباها يتألم ويُقتل؛ فهي بذلك تخسر كل شيء؛ لذلك فقد خرجت لتدافع عن كل شيء.
![]() |
|
قوات الأمن المصرية استخدمت خراطيم المياه لتفريق المتظاهرات |
ولكن كلمة حق تقال: كثيرٌ من الضباط المصريين بكوا لحالنا، قائلين "قلوبنا معكم، بس نعمل إيه، هذه أوامر، وأنا عبد المأمور!!"، حتى إني تحدثتُ مع أحدهم قائلةً: "لماذا تضربوننا؟! نحن نقف أمامكم بكل أدبٍ ولا نحمل لكم إلا كل ودٍّ واحترامٍ، وليس في أيدينا سلاحٌ ولا أي شيء"، فبكى وقال بصوتِ المترجي: "طيب.. خلي الستات دول يرجعوا"، فعرَّفته بنفسي، وذكرت له أني نائبةٌ في المجلس التشريعي، وطلبتُ منه مقابلة أحد المسئولين، فأجابني بأن لا أحدَ منهم هنا، فقلتُ له: "أخي.. لا تكن كطواغيت فرعون؛ فلن يشفع لك أنك مأمور، عليك أن تتمرد على هذا الأمر الذي يطالبك بقتل شعبك، فأنا أعلم أن ما حدث معنا وأكثر يتكرر في كل مسيرةٍ في مصر"، لكنه وقف صامتًا ولم يجد ما يُجيبني به!!.
فحقيقةً.. أنا لا أنكر عليهم مشاعرهم تجاهنا، ولكني أُنكر عليهم هذا الذل والجبن والتخاذل الذي أصاب الأمة كلها؛ فقد حقَّ فيهم ما قاله سيد قطب- عليه رحمة الله-: "ولكنهم لا يدرون أنهم هم الذين يخدمون السلطان من حيث لا يعلمون"!!.
توقعنا كل شيء
* لاحظنا من الصور خروجكن بأنفسكن فقط؛ لا تحملن ولا حتى حقائب يد أو إثبات شخصية.. لماذا؟
** لأننا لم ننوِ سوى الخروج للمعبر فقط، وليس لدينا أي نية للبقاءِ فيه لمدة طويلة أو للدخول إلى مصر، كل ما نريده هو كسر هذا الحاجز البغيض الذي حال بيننا وبين الحياةِ وإنهاء هذه الاتفاقيات السوداء!!.
![]() |
|
إصابة إحدى الفلسطينيات بإغماء بسبب التدافع |
* ما أسوأ ما توقعتن حدوثه؟ وكيف استعددتن له؟
** توقعنا كل شيء؛ فجميع الخيارات كانت مفتوحةً، لكننا لم يعد بإمكاننا أن نسكت، فإلى متى سنسكت وماذا ننتظر؟!.
* كيف استعددتن لهذا الخروج ماديًّا ومعنويًّا؟
** منذ اتفقنا على هذا الأمر كانت هناك أماكن متفق عليها للتجمع على أن نصل إلى المعبر في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وقد رتبت كلٌّ منا أمور بيتها بما يناسبها؛ فقد اعتدنا على هذا الأمر، أما عن الاستعداد المعنوي فإن نساء فلسطين على استعدادٍ له في أي وقت، ولم تعد مثل هذه المواقف تحتاج إلى ترتيبات خاصة.
هل تصدقين أننا بذلنا جهدًا كبيرًا حتى نُقنع النساء بالعودة من المعبر!!؛ فقد عزمن أمورهن على البقاء هناك حتى فتح المعبر، والسماح للجرحى بالمرور للعلاج والسماح للغذاء والدواء بالدخول إلى القطاع، وكنتُ كلما طلبتُ من إحداهن العودة صاحت في وجهي: أين الدواء؟! أين حليب الأطفال؟! أين الكهرباء؟! لماذا خرجنا إذًا؟!.. لن نعود إلا بفتح المعبر!!.
شرطة غزة
نساء غزة يكسرن الحصار ويقتحمن بوابات معبر رفح

* أشرتِ في حديثك إلى اتفاقياتٍ يجب أن تُمزَّق، فما مطالبكم تحديدًا؟
** لن نسمح بأي قوةٍ تُسيطر على المعبر غير القوات المصرية والفلسطينية؛ لا القوات الصهيونية، ولا أمريكا، ولا أوروبيون، وغير ذلك لن نقبل، ولن نقبل إلا بشرطةٍ من غزة تابعة للحكومة الشرعية التي اختارها الشعب واستمدت شرعيتها منه.
* كيف تواجه المرأة الفلسطينية الحصار؟
** هذا الحصار ليس إلا حلقةً في سلسلةِ الحصارات الكثيرة التي واجهتها المرأة الفلسطينية وتحدَّتها، فكم من أعوامٍ مرَّت وغزة تحت الاحتلال!!، وكم تمر الليالي والأيام ونحن على هذا الحال!!، فأحيانًا تُحاصر بعض المناطق لمدة 50 يومًا لا يتمكن أحدٌ من الخروج من البيت!!، لكن المرأة الفلسطينية- كما يصفونها- يدها صانعة وماهرة؛ فدائمًا لدينا احتياطات منزلية من تجفيفٍ وتخزين؛ فالبيت الفلسطيني يستطيع أن يعيشَ 10 أيامٍ لا يأكل إلا "الدقة والزعتر"!!.
وكما تعرفين فلدينا الزيتون وزيت الزيتون، وهذا يمكن تخزينه، وكذلك الدقيق؛ فلدينا مقومات ذاتية يمكننا الاعتماد عليها، كما يمكننا الاستغناء عن أي سلعةٍ استهلاكيةٍ واستبدالها بأي شيء مُصنَّع منزليًّا.
وعلى سبيل المثال، نحن الآن قد استغيننا عن اللحوم تمامًا؛ فقد وصل سعر الكيلو إلى ما يعادل 70 جنيهًا مصريًّا!، ويمكننا الاستغناء عن كلِّ شيء أو استبداله، لكن لا يمكننا الاستغناء عن كرامتنا أو استبدالها!!.
![]() |
|
نساء غزة يطالبن الحكام العرب بالعمل على فك حصار القطاع |
الآن أسواق غزة خاوية، فإذا احتجتِ إلى سلكِ تليفون مثلاً لن تجديه، ولو احتجتِ دبوس شعر لن تجديه، كنا نحصل على هذه الأشياء من مصر أو من "إسرائيل"، إلا أننا قد أعلنا التحديَ، فأصبحت النساء تتحمل ببساطة!!.
هل تصدقين أن النساء اليوم وصلن إلى رفح سيرًا على الأقدام، لم يجدن باصات تحملهن؛ لعدم توفر البنزين، فاضطررت إلى المشي مسافةً لا تقل عن 4 كيلو مترات، لكني أرى أن هذا سيُوحِّد الشعب الفلسطيني، وسيلتف الشعب حول خيار المقاومة، ستزيد لُحمتنا؛ فورقة رام الله الآن تسقط.
* رغم ما صرَّحتن به بأنكن لن تعدن إلا بفتح المعبر، إلا أننا لاحظنا انسحابكن فجأةً وبدون سبب.. فما تفسير هذا؟
** عدنا لأننا ما يزال بجعبتنا الكثير من الفعاليات التي لن تنتهيَ عند هذه الأحداث، ولكل مرحلة فعالياتها، والرسالة قد وصلت، فما قمنا به هو رسالةٌ واضحةٌ، وأعتقد أنها وصلت، أردنا أن نقول إننا نمتلك القوة، وما زال لدينا الكثير، فنحن نمتلك القوة، لكن أيضًا نحن لدينا أدبيات نتعامل بها، ولن نتنازل أبدًا عن كسر هذا السياج اللئيم، وهذا القيد الذي يلتف حول أعناق غزة، لا بد أن يُقطع الآن، ولدينا الكثير من الفعاليات سنستخدمها الواحدة تلو الأخرى.



