الشباب هم عماد المجتمع وعُدَّة المستقبل؛ أي رجاله، بل هم الأمل الأكبر لأي مجتمعٍ مهما كان اتجاهه أو هدفه؛ ففي حادث الهجرة المباركة نجد أن الشباب كانوا فرسان الحلبة؛ هم الذين ساهموا في نجاح الرحلة المباركة بما قدَّموا من تضحيات، وتحمَّلوا المشاق، ووطَّنوا أنفسهم على تلقي البلاء والصبر عليه، وكان شعارهم أن الأرواح رخيصةٌ في سبيل العقيدة.

 

اهتمام النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بالشباب

ولنا أن نعيَ أن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- حين أشرك في الرحلة حفنةً صغيرةً من الشباب، إنما يدلنا على الاهتمام بالشباب وإعطائه حقَّه الذي يجب أن يحصل عليه في المجتمع؛ ففترة الفتوَّة هي فترة البناء والرخاء.

 

وقد لمعت في رحلة الهجرة أسماء معظمُها لشباب متألق؛ لذا فنقول لأولي الأمر والقائمين على أمر الشباب: لا بد من حماية هذا الكنز- الشباب- من الضياع ومن الفساد، وليعلموا أن الإيمان القوي هو طريق الخلاص الوحيد الذي يشفي الشباب من الأزمة الروحية والنفسية التي يعيشونها اليوم.

 

دولة تقوم في زمن قياسي!!

لقد أعدَّ المصطفى- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الشباب، وغرس فيه الإيمانَ، فأتى الغرس بأينع ما تكون الثمرات، فكل دارسي الحضارات يقفون في ذهولٍ أمام تكوين دولةٍ إسلاميةٍ بعد الهجرة المباركة في زمن قياسي بقياس بناء المجتمعات السليمة؛ وذلك للتربية السليمة التي غُرسَت في شباب هذا المجتمع الجديد، الذي بُنِيَ على سواعد تنبض بالتقوى وتشرق بنور الإيمان.

 

وللأسرة المسلمة نقول:

لا بد من إقامة البيت المسلم، وهو مطلب لازم ولا غنى عنه؛ لحماية الأبناء من التخبط في طرقات الحياة الضالَّة!!.

 

وداخل البيت المسلم يكون الأب والأم قدوةً صالحةً للأبناء؛ تغرس فيهم القيمَ والمثل ليعلم الشباب أن الدين الإسلامي هو الحصن الذي يلجأ إليه الناس هربًا من آلامهم وعذابهم، ومن الصراعات والتوترات التي يسقطون فيها نتيجةً لتعاملهم مع عالم مثير مليء بالتناقضات.

 

وصايا لقمان والمهمة التربوية

وإن القرآن الكريم يلفت نظر الآباء إلى مهمتهم التربوية المقدسة في وصايا لقمان الحكيم لابنه، وخلاصتها:

 

- النهي عن الشرك بالله؛ لأنه سبحانه وتعالى الحقيق بالتوحيد والعبادة؛ فهو سبحانه الخالق، الرازق، المحيي، المميت، الفعَّال لما يريد، ويعلم السر ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو المحاسب على كل صغيرة وكبيرة في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا أبناءٌ ولا آباءٌ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور: من الآية 12).

 

- والأمر بالصلاة، عمود الإسلام، والفرق بين الكفر والإيمان.

- والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنهما أساس صلاح المجتمعات وقيامها على الخير والبر.

- ثم الوصية بالصبر على مكاره الدعوة إلى الله ومتاعب الجهاد في سبيله؛ ففي الصبر خير كثير ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10).

 

مع العلم أن التواضع شرفٌ للنفس، والتكبر والخيلاء قد بغضهما الله- عز وجل- وكذلك يربَّى الشباب على حسن معاملة الآباء والناس.

هذه بعض الخصال الكريمة والآداب الحسان التي يجب أن تُغرَس في قلوب شبابنا.

 

وللشباب نقول:

إن الله سبحانه امتدح الشباب المؤمن؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13)، ومرحلة الشباب هي ربيع العمر وفرصة الحياة الأولى والأخيرة لجمع رصيد الخير والبر في الدين والدنيا، فانتهِزوا وخذُوا من يومكم لغدكم، وتحمَّلوا بعض الأعباء اليوم لتستريحوا غدًا.

 

وإن باب الهجرة إذا كان قد أُغلق بالفتح (فتح مكة) فإن الهجرة المعنوية قائمة، وبابها مفتوح، وهي: الهجرة إلى الله- سبحانه وتعالى- وهجرة ما نهى الله عنه.

 

مصعب والتضحية

وليعلم الشباب أن السعادة ليست في المال، ولكنها في الإيمان؛ فقد ضحَّى مصعب بن عمير بتَرَفِهِ ونعيمه وعطره، حين أحسَّ بلذة الإيمان في قلبه!!.

 

وكذلك ضحَّى صهيب بن سنان بكل ماله مقابل الاستمرار في جني لذة الإيمان، وغيرهما الكثير، وهؤلاء قد جعلوا للدنيا ظهورهم، وأرادوا الآخرة، وقد حقَّق الله لهم أمانيَهم؛ فمصعب شهد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه شهيد، والشهداء في الجنة كما وعد الله بذلك، وصهيب قال له النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "ربح البيع"، وهو شراء الآخرة، والرسول لا ينطق عن الهوى.

 

والله لا يتخلَّى عن المخلصين المتقين الذين عرفوه في الرخاء، يعرفهم الله في الشدة، فإذا أصابتهم عسرةٌ أو شدةٌ أو كربٌ فرَّج الله عنهم كربهم مهما كان الكرب ومهما كانت قسوته.

 

أم كلثوم بنت عتبة وفتح باب النجاة

فقد هاجرت أم كلثوم بنت عتبة وقد أُبرم صلحٌ بين المسلمين والكفار يقضي بعدم الهجرة، ولكنها لجأت إلى الله وهاجرت، وقد رُدَّ قبلها مسلمون وعادوا إلى مكة، ولكن لصِدق ضميرها وتقواها وإخلاصها، فتَحَ الله لها باب النجاة، وأزال عنها الكرب الذي عاشت بين سياطه في مكة.

 

علي بن أبي طالب.. الشاب الفدائي

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه نام في فراش النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وهو يعلم ما يريده الفتيان المشركون من النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ولا يريدون إلا قتله، وقد يُقتل بدلاً منه إذا تملَّك هؤلاء الفتية الغيظ، ولكن الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وعده ألا يصاب بسوء، وتحقَّق وعد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ونجَّاه الله من شرورهم، فمن أراد الدنيا فعليه بالإسلام، ومن أراد الآخرة فعليه بالإسلام.

 

عامر بن فهيرة وشرف التواضع

إن من أجلِّ الأعمال التواضع لله وللناس؛ فمن تواضع لله رفعه وزاد قدره؛ فقد رضي عامر بن فهيرة بخدمة النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وصاحبه أبي بكر الصديق، فنال بذلك شرفين: شرف الصحبة للنبي، وشرف الآخرة، وفاز بسبقٍ لم يسبقه إليه أحدٌ؛ فقد تولَّت الملائكة دفنه، ورفعه الله في عليِّين، وهذا أسمى ما يطمع إليه أي إنسان عاقل على وجه الأرض.

 

فيا شبابنا.. شدوا الرحال، وليكن لكم في سلفنا الصالح من الفتيان والفتيات أسوةٌ حسنةٌ، فضعوا أمامكم سيرة الفدائي علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- والداعية مصعب بن عمير، والفدائية أسماء بنت أبي بكر، والمتواضع عامر بن فهيرة، والشجاع عمر بن الخطاب، واللاجئة إلى الله أم كلثوم بنت عتبة، والذي باع ماله من أجل عقيدته صهيب بن سنان.

 

هؤلاء شبابٌ برزوا على طريق الهجرة، وهم قلةٌ قليلةٌ نقَّبنا عنهم في باقي شباب الإسلام في عهد النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لنأخذ منهم العبرة والدروس.

 

اللهم وفقنا إلى رفعة دينك، وإلى نصْر الإسلام، وألهمنا التضحية من أجله بالغالي والنفيس، وألهمنا الصبر والثبات والإيمان، وتقبَّل منا.. إنك أنت السميع العليم.

-----------

واعظ عام القاهرة- بالأزهر الشريف.