حذَّر مسئولون في المجال الصحي بغزة وفي منظمات إنسانية دولية من أن انقطاع الكهرباء عن القطاع منذ الأحد الماضي وعدم إمداده بالوقود، وإحكام إغلاق المعابر المؤدية إليه منذ الجمعة الماضي، وانخفاض مخزون الدواء في مستشفياته إلى درجاتٍ مخيفة، ينذر بوضعٍ كارثي وشيك في قطاعَيْ الصحة والإصحاح البيئي؛ مما سيؤدي إلى موت مئات المرضى وتفشي الأمراض والأوبئة!!.
ولكشف أجزاء من صورة هذا الوضع الإنساني المتفاقم في جانب الرعاية الصحية الضرورية، أکَّد خالد راضي- المتحدث باسم وزارة الصحة في حكومة تصريف الأعمال الشرعية- أن وضع المرضى "كارثي"، محذرًا من أن استمرار عدم تدفق الوقود بمستوياته الطبيعية سيؤدي إلى وفاة مئات المرضى والجرحى في المستشفيات في قطاع غزة!!.
طفل فلسطيني مريض مهدد بالموت بسبب قطع الكهرباء
ويرقد 22 مريضًا في حالةٍ حرجةٍ في قسم العناية المركزة في مستشفى الشفاء، وغالبيتهم من الجرحى في غارات الاحتلال الصهيوني الأخيرة، وهم مهددون بالموت إذا توقفت المولدات الكهربائية، على حدِّ قوله.

وأوضح أن المخزون المحدود من الوقود الموجود لدى المستشفيات خُصِّص للطوارئ فقط؛ نظرًا للوضع الحرج، مشيرًا إلى أن مستشفى الشفاء- وهو أکبر مستشفيات القطاع- لديه مخزونٌ من الوقود يکفي ليومٍ واحدٍ إذا عمل بشکلٍ طبيعي، لکن تمَّ اقتصار العمل بالطوارئ!!.
وأضاف أن "باقي مستشفيات القطاع لديها مخزون وقود يکفيها لساعات فقط، وتابع "هذا قرار بالإعدام اتخذته سلطات الاحتلال ضد مئات المرضى"!!.
وعلى مستوى المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال، أوضحت ميشيل مرسييه- المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر- أن مخزون الوقود لا يمكن أن يستمر في المرافق الصحية بغزة لأكثر من يومين أو ثلاثة على أبعد تقدير، وخاطبت المجتمع الدولي والضمير الإنساني بقولها: "إذا لم يتوفر المزيد من المخزونات يمکن أن تتخيلوا ما يعني ذلك بالنسبة لعلاج المصابين" وتأثيراته على "الرعاية الطبية اليومية"!!.
وهو الوضع الذي دفع شعب غزة توجيه الرسائل المتتالية خلال اليومين الماضيين، والتي جاءت كالآتي: "الليلة قيام، وغدًا صيام، وتضرَّعوا إلى الله.. كثِّفوا الدعاء والاستغفار"، "غزة مظلمة؛ أجهزة القلب وحضانات الأطفال باتت لا تعمل"، "غزة تستصرخكم فمَن يُلبي؟".. وهي الرسائل القصيرة التي انتشرت عبر الجوالات، حاول بها أهل غزة الحفاظ على آخر ما في أيديهم من وسائل اتصال بالعالم الخارجي، بعد أن غرقوا في ظلام دامس؛ نتيجة الحصار المفروض على القطاع منذ 228 يومًا، ورغم أن الجوالات أيضا تحتاج إلى الكهرباء؛ مما سيؤدي إلى فقدهم حتى هذه الوسيلة خلال ساعات، ورغم كل ما يتعرَّض له أهل غزة حاليًا فإن هذا لم يمنعهم من إرسال آخر نداءات الاستغاثة لمَن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد!!.
"إخوان أون لاين" التقت بعض المحاصرين لنقل صورة مصغَّرة عمَّا يجري في غزة الصامدة عن قرب.
في البداية تقول تسنيم محمد (ذات الأعوام السبعة): "اليهود حاصرونا ومنعوا عنا كل شيء حتى الكهرباء، إلا أننا سندرس على ضوء الشموع، ولن نتوقف عن الدراسة، وعندما أكبر سأقتلهم كما قتلوا أبي".
وعن الخوف الذي تشعر به تسنيم أثناء القصف الصهيوني المتكرر قالت: "نعم أخاف وأختبئ في حضن أمي، لكنني أفرح كثيرًا عندما يقصفهم أخي كما يقصفوننا".
وتتفق مُدرسة تسنيم معها قائلةً: "على الرغم من صعوبة التحضير للدروس وتصحيح الامتحانات والواجبات المنزلية على ضوء الشموع، إلا أننا سنتحمل ذلك وأكثر"، وعند سؤالها عن فائدة المقاومة وهم يعيشون في مثل القرون الوسطى في استخدامهم للشموع قالت: "إن المقاومة أهم من كل شيء"؛ لأنها هي التي رفعت رءوسهم!!.
ولم يختلف حال علا المصري- طالبة بكلية الحاسوب- عن سابقاتها؛ إذ إنها الآن تُعدُّ لمشروع التخرج، وبالطبع لن يكون هذا إلا على جهاز الكمبيوتر، كما أن جميع المواد الدراسية تعتمد عليه بشكلٍ أساسي، ولكن من أين لها بالكمبيوتر الذي يعمل بدون كهرباء؟!!.
المحنة والمنحة
أهل غزة يقهرون الصعاب ويمارسون حياتهم الطبيعية
ورغم ذلك تؤكِّد علا أن الأولوية للمصلحة الوطنية، ومهما زاد الحصار فليس أمامهم غير الصبر، وأنه مهما زاد الظلم فلا يمكن التخلي عن الثوابت، مشيرةً إلى أنه على العكس مما يتوقع الجميع، فالشعب الفلسطيني تبيَّن له ظلم العالم الذي يدعي الديمقراطية والذي عاقب الفلسطينيين بسبب خيارهم الديمقراطي!!.

وتابعت علا: "وهذا ما سيجعلنا نتمسك به أكثر، مهما زادت المحنة فسنقلبها إلى منحة، ولن نتخلى عن الأسرى ودماء الشهداء والجرحى"!!.
أما مجدي عبد الرحمن (الشاب المعاق، والذي يعاني من بترٍ في ساقه اليسرى نتيجة القصف الصهيوني)، فيروي ما حدث له، موضحًا أنه نتيجةً للبتر الذي أُصيب به قام بعمل طرفٍ صناعي ليسير عليه؛ مما كلَّفه الكثير؛ حيث استدان لتوفير ثمنه، إلا أنه أشار إلى أن هذا الساق يحتاج إلى شحنه بالكهرباء كي يعمل؛ مما يعني أنه قد لا يعمل بعد اليوم!!.
وواصل بنبرةٍ تملؤها التحدي: "وإن توقفت عن المشي!! هذا لا يعني التنازل والقبول بالذل والرضوخ للعدو، أستطيع أن أستعيض عن ساقي (بالعكاز)، لكنني لا أستطيع أن أستعيض عن كرامتي بأي شيء"!!.
ولم يكن هذا موقف الشباب فحسب؛ فهذا أبو سليم (رجل مسن، مصاب بمرض السكر والضغط والكوليسترول، وقد استعاض عن الأنسولين بمشروب "القرفة"، لكنه لم يقبل أبدًا أن يحصل على ما يحتاجه من العلاج مقابل وقف المقاومة)، فقال وصوته يرتجف من البرد بعد أن انقطع التيار الكهربائي وانعدمت وسائل التدفئة في درجة حرارة قاربت الصفر المئوية: "نحن مؤمنون بالله؛ فالعمر واحد والرب واحد، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، نحن أصحاب حق، ولن نتخلى عن مبادئنا وديننا؛ فكرامة الإنسان هي كل شيء"!!.
إصرار وعزيمة
أما خنساء فلسطين أم نضال- أم لثلاثة شهداء وأسير محرر وجريح- فقد اختلف موقفها كثيرًا، فلم تكتف هذه الخنساء بالصبر، لكنها أطلقت كلماتها المعهودة: "كله في جنب الله يهون، كله بأجره وثوابه، الدنيا كلها إلى زوال، الحمد لله الذي اختصنا بهذا الأمر، والله إننا نعدُّها نعمةً؛ فهذا الألم هو طاعة لله عزَّ وجل".
![]() |
|
حكومة هنية تتحدى وتعقد اجتماعاتها على أضواء الشموع |
لا داعيَ للعجب؛ فهذه الخنساء التي أبت أن يقوم مجاهدٌ آخر بالعملية الاستشهادية، وأصرَّت على ذهاب ابنها، لكن ما يدعو للفرح حقًّا هو ما أكدته أم نضال قائلةً: "والله لقد لمست من الشارع الفلسطيني نفس الإصرار والعزيمة"، لكن هذا الثبات لا يعني اتكال الأمة عليه وتركنا بمفردنا بحجة أننا صابرون، نحن نهيب بالإخوة المسلمين أن يقفوا وقفةً جديةً، وأن يكفُّوا عن الخضوع والاستسلام، وأن يهبُّوا هَبَّة رجل واحد.
وتأكيدًا على ما قالته أم نضال بأن هذا هو موقف الشارع، قالت أم محمد (ربة بيت): إنه بعد نفاد الدقيق استعاضت عنه بوجبات لا تحتاج إلى الخبز، مثل المكرونة، مضيفةً: إن نفد الوقود فستطهي الطعام على الحطب كما كانت تفعل جدتها وكما يفعل المرابطون على الثغور في هذا البرد القارس، وتابعت: "لكنني لا أستطيع أن أنسى دم عمي وابن أختي وزوج خالتي"!!.
سنطهو طعامنا على الخشب.. ولن نركع
ورغم الحصار الخانق الذي يفرض أن تكون لأصحاب رءوس الأموال كلمةٌ أخرى، إلا أنه في غزة- حيث اعتدلت الموازين- اختلفت المواقف؛ فهؤلاء أصحاب رءوس الأموال ممن تضرروا من الحصار لم يدفعهم هذا إلى أن يغرِّدوا خارج السرب؛ فهذه مؤمنة محمود- صاحبة إحدى الشركات- قالت: "تحتاج شركتي إلى مولِّد، وهذا إن وجد فثمنه أصبح باهظًا في ظل هذا الحصار، وإن استطعت توفير ثمنه فمن أين لي بالوقود اللازم لتشغيل هذا المولِّد، وإن استطعت توفير الوقود الذي بات حلمًا بعيد المنال، فإن الموظفين لن يأتوا للعمل؛ فحافلات الركاب توقفت عن العمل، ولا أستطيع أن أطالب الموظفين بالقدوم إلى العمل سيرًا على الأقدام".

وأشارت إلى أنها وقَّعت على الكثيرِ من العقود التي تحمل في بنودها شروطًا جزائيةً قاسيةً، ولا تدري ماذا تفعل؟.
إلا أن مؤمنة أجابت عند سؤالها ما إذا كانت تتمنى زوال حكومة هنية حتى ينتهيَ الحصار قائلةً: "وما العلاقة؟!!"، فكررت عليها السؤال: "أليس سبب الحصار هو وجود حماس على رأس الحكومة؟!" فأجابت: "علاقةٌ سخيفةٌ لا وجودَ لها، وانظري إلى ما يحدث في رام الله حتى تتأكدي من ذلك بنفسك".
