أيام قليلة وتبدأ إجازة نصف العام بعد عناء امتحانات النصف الأول للعام الدراسي، ويتلهَّف كلٌّ من الأبناء والآباء لهذه الإجازة، محاولين الاستجمام وتجديد النشاط وتحصيل بعض المعارف والمهارات التي لا يمكن اكتسابها أثناء الدراسة.

 

فالأبناء يريدون الانطلاق والبعد عن رتابةِ جدول الدراسة وضغط الامتحانات والدروس، والآباء يريدون الخروج من الضغوط النفسية والعصبية أيام الدراسة والامتحانات؛ جرَّاء خوف فشل الأبناء دراسيًّا، وضغوط مصاريف المدارس والدروس.

 

ويحاول الكل الاستفادة من هذه الإجازة، ولكن كيف تكون ممتعةً ومجددةً للنشاط؟.. هذا ما يحاول هذا التحقيق الإجابة عليه.

 

التخطيط الجيد

في البداية يقول أحمد محمد (مهندس): "قبل بدء إجازة نصف العام، أضع أنا وزوجتي خُطةً مركَّزةً بشكلٍ جيد؛ حتى نستمتع نحن والأولاد من هذه الإجازة الصغيرة بقدر الإمكان، وتتنوع الإجازة بين رحلاتٍ ترفيهية وزيارة للأقارب وعدد من الجلسات العائلية، ونلاحظ أن الأولاد يستمتعون كثيرًا بالخروج معنا".

 

وتضيف منال محمد (مُدرِّسة) رغم انشغالي أثناء الدارسة في المدرسة، وفي أمور البيت ومذاكرة الأولاد ومتابعة الدروس، فإنني أنتظر إجازة نصف العام بفارغ الصبر، وأقضيها كلها مع أولادي، ولا تنتهي إلا وقد جدَّدت نشاطي معهم، كما أنني أترك لهم حرية اختيار كيفية قضاء الإجازة".

 

وتقول مسئولةٌ عن إحدى دور تحفيظ القرآن الكريم: "نحاول استغلال هذه الفترة الصغيرة بقدر الإمكان؛ حيث نزيد من برامجنا ونستقبل الأطفال بدايةً من سن 4.5 سنوات، ونبدأ معهم برامج تحفيظ القرآن الكريم، وكل طفل حسب سنه، كما نُعدُّ لهم أنشطةً فنيةً وبرامجَ ثقافية، ونستخدم مع الأطفال الصغار طريقة "القاعدة النورانية" لحفظ القرآن الكريم، وهي تُستخدم مع الأطفال التي لا يجيدون نطق مخارج الحروف بطريقةٍ صحيحةٍ، وهي نوعٌ من التجويد، كما أنها طريقة مبسَّطة، ونسعد عندما نرى الأمهات تأتي مع أولادهن للحفظ معهم وتشجيعهم".

 

على الجانب الآخر تشتكي فايزة محمود (ربة منزل) من أن إجازة نصف العام تنتهي بلا هدف؛ فالأب مشغول دائمًا، وهي لا تستطيع الخروج مع أولادها؛ فالأولاد أصبحوا يفضِّلون المدرسة عن الإجازة؛ لأنهم يرون أصحابهم ويقضون أوقاتًا سعيدةً معهم".

 

أما محاسن سيد- موظفة وأمٌّ لثلاثةِ أولاد في الإعدادي والابتدائي- فتقول: الوقت لا يسمح بمشاركة أولادي في قضاء الإجازة؛ نظرًا لخروجي للعمل صباحًا وانشغالي بأعمال المنزل مساءً، ولكني أحاول إفادتهم في الإجازة عن طريق إشراكهم في أنشطة المسجد المجاور للبيت؛ حيث ينظِّمون لهم رحلاتٍ وأيامًا إسلاميةً تتضمن فقراتٍ ترفيهيةً مختلفةً، ورحلةً إلى معرض الكتاب.

 

تجديدٌ للنشاط

 

 د. شحاتة محروس

من جانبه يؤكِّد الدكتور شحاتة محروس- أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حلوان- أن الإجازة معناها لا يقتصر فقط على تغيير النشاط، وإنما أيضًا الاسترخاء والاستمتاع وتجديد النشاط، إلا أننا لا نحسن قضاء وقت الإجازة ولا نستمتع بها بشكلٍ أحسن.

 

وأيضًا لا نعرف كيف نستمتع بالنعم التي وهبها لنا الله؛ وذلك بالتفكر والتأمل، وحتى نعم الأكل والشرب والجلسة الأسرية يجب حسن استغلالها، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى الإجازة ليست عطلةً أو توقُّفًا عن العمل، وإنما فيها عملٌ، ولكنه عملٌ ممتعٌ ومسلٍّ.

 

والإجازة هي بمثابة طاقة للإنسان ليواصل حياته في الفترة القادمة بصورةٍ أفضل، وهذه الطاقة التي يكتسبها في الإجازة تجدِّد علاقاته ونشاطه وما إلى ذلك؛ فالأسرة عليها عاملٌ كبيرٌ في مساعدة أولادها؛ لتحقيق هذا الاستمتاع في فترة الإجازة؛ وحتى يعود إلى الدراسة وقد تغيَّر فيه الكثير ويجب على الأسرة عدة أمور، منها:

* لا تحاسب الطالب على كل صغيرةٍ وكبيرةٍ.

* تضع له أهدافًا خلال هذه الفترة.

* تُوفِّر له اللعبَ والرياضةَ وقدرًا من الحرية.

 

ويجب على كل أسرةٍ أن تضع خُطةً لاستغلال هذه الفترة مع وضع إمكاناتِ هذه الخطة ومدى تحقيقها.

 

مشاركة الأولاد

وتضيف ميرفت محمد- استشاري اجتماعي-: "المفروض عند استقبال إجازة نصف العام أن نضع بعض الخُطط لها بمشاركة الأولاد، فنحاول كلَّ إجازة نصف عام أن نبحث عمَّا هو جديدٌ؛ لإدخال الترفيه والاستمتاع في حياة أولادنا، مع الأخذ في الاعتبار تطور السن؛ لأن هناك ثوابتَ لا تتغير، مثل صلة الرحم، وممارسة الرياضة يوميًّا وإن كنا نقطعها أحيانًا، ومراجعة ما تم حفظه من القرآن، وهناك أيضًا رحلاتٌ نأخذ منها جانبًا من المتعة والاستفادة، مثل زيارة الأماكن الأثرية، أو الذهاب إلى الإسكندرية، ليس كمصيف ولكن للاستفادة من معالمها، ومنها مكتبة الإسكندرية للقراءة والاستفادة، وإلقاء الشعر وغير ذلك، ولكن بشرط عدم الإطالة في أي شيء؛ حتى لا يدخل الملل للطفل، ولكن نستخدم دائمًا التحفيز مع الإثابة.

 

 الصورة غير متاحة
 

وأيضًا الذهاب إلى معرض الكتاب الذي يغفل عنه كثيرٌ، ويجب أن تقوم كل أسرة بجرد مكتبة المنزل؛ حتى تعرف ما تريد  شراءه من كتب ووسائل تعليمية تناسب كل سن، ويجب أن نشرك الطفل في شراء ما يحتاج، وليس كل شيء يكون مفوَّضًا بأمرنا؛ حتى لا نصيبَ الطفل بالسلبية وعدم اتخاذ القرار.

 

وللقراءة دورٌ مهمٌّ في تنشيط الذاكرة ومعرفة قدرٍ أكبر من المعلومات، ولكن بدون إجبار أولادنا؛ فمثلاً نقول لهم: "سنعطي مكافأةً لمَن يحكي لنا أجمل قصةٍ اليوم"؛ وذلك بمثابة تعزيز عند الطفل.

 

وهناك أيضًا معسكرات كشفية تقوم بها المدارس؛ فلا يوجد مانعٌ أن ألحق أولادي بها، وللأولاد دور في نظافة المنزل؛ فهو بمثابة مشاركة وليس كأوامر؛ فمثلاً نقول: "مَن يُرتب أحسن سرير أو مَن ينظف غرفته أولاً سنُعطيه مكافأةً"؛ وذلك لا يكون أمرًا، بل قد حققت ما أريده في صورةٍ تشجيعيةٍ، وفي مراتٍ أُثني عليه؛ حتى يهتم الطفل ويتميز فيه أيضًا.

 

وهناك بعض الأطفال في الجوِّ البارد لا يريدون أن يُنظِّفوا أسنانهم، فنقول لهم: "في هذا الأسبوع سيتم اختبار أنظف أسنان"؛ وبذلك حققت نظافة أسنانهم يوميًّا ولكن في صورة مسابقة بينهم.

 

هذا، وتعتبر الإجازة شيئًا جميلاً؛ لالتصاق الأهل بأبنائهم، والأب له دور حتى لا يكون مُغيَّبًا في حياة أسرته، فلا مانع أن يشتريَ أي شيء لهم حتى ولو كان بسيطًا؛ فذلك يُسعدهم وسيكون له معنًى كبيرٌ في نفسية الأطفال، فيجب على الأم أن تلفت نظر الأب إلى ذلك.

 

فلا مانعَ أثناء فترة راحة الأب من عمله أن يذهب إلى أولاده ليطمئن عليهم؛ فهذه لمسةٌ جميلةٌ؛ حتى يحسَّ به الأولاد عاطفيًّا، ويجب أن تشرك الأم الأب دائمًا بأن يكون له التعليق أو اللمسة الأخيرة التي لا تتم إلا به؛ حتى يعلم الأولاد أنه حاضرٌ بينهم في كل شيء؛ فالارتباط العائلي هو مفتاح كل شيء.

 

البيئة الصالحة

وتقول كريمة عبد الغني- داعية إسلامية-: "إن لم نشغل أنفسنا بالحقِّ شغلتنا بالباطل؛ ففي فترة الإجازة القصيرة لا بد من الاستفادة منها بشكلٍ جيدٍ؛ حتى لا تضيع سدى؛ فالأطفال لديهم طاقةٌ كبيرةٌ لا بد أن يجدوا متنفسًا لها، ولكن في بيئةٍ صالحةٍ وجوٍّ مناسبٍ وملائمٍ، فيجب على الأسرة أن تحتويَ أولادها؛ فتضع في اعتبارها نزهةَ الأولاد وصلة الأرحام؛ حتى يعتادوا على هذا الخلق منذ الصغر، كما لا مانعَ من أن أشارك أولادي ألعابهم ما دامت هذه الألعاب لا تخرج عن الضوابط الشرعية؛ فالأصل في الإسلام الإباحةَ ما لم يَرِدْ نصٌّ يُحرِّم ذلك.

 

فمثلاً ليس هناك مانعٌ من أن يلعب الطفل الألعاب على الكمبيوتر، ولكن بضوابط شرعية، وهي عدم تضييع وقت الصلاة أو أي فرضٍ آخر، وعدم اللعب بالألعاب التي تخلُّ بالشرع؛ فأحيانًا تكون هناك مناظرُ وصورٌ مخلِّة، فيجب تعويد الأطفال منذ الصغر على غضِّ البصر؛ حتى لا تألفَ عينُه المعصيةَ.

 

 الصورة غير متاحة
 

كما أن للمساجد دورًا كبيرًا في هذه الفترة الصغيرة؛ حيث تقوم بعمل برامج ترويحية للأولاد يتم التركيز فيها على التربية والأخلاق؛ وذلك من خلال حفلاتٍ إسلاميةٍ وحلقات الذكر ومراجعة القرآن الكريم، ولكن بصورةٍ مصغَّرة من الإجازة الكبيرة.

 

ولنا في حياة الأنبياء والصحابة قدوةٌ؛ فسيدنا يعقوب- عليه السلام- عندما طلب منه أولاده أن يخرجوا ليلعبوا ويأخذوا أخاهم يوسف معهم ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)﴾ (يوسف) لم يمانع سيدنا يعقوب؛ حيث يعلم أن اللعب والترويح حقٌّ مشروع للطفل.

 

كما أن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- مرَّ على فريقين من الأطفال يلعبون بالسهام والنبال، فكان يمزح معهم ويشاركهم ويقول: أنا مع الفريق الأول، ويقول الفريق الآخر: بل نحن يا رسول الله، فيقول رسول الله: "ارموا وأنا معكم كلكم".

 

وكانت الصحابيات- رضوان الله تعالى عنهن- يصنعن لأولادهن العرائس والدُّمى من صوف العهن، وكانوا عندما يريدون أن يعلِّموا أولادهن خُلُقًا معينًا مثل خلق الصوم يصبِّروهم بهذه الدُّمى.