مررنا بعدة محطات خلال أشهر متعاقبةٍ؛ فكانت محطة رمضان المبارك قمنا فيه بأداء عبادة الصوم التي يتجلَّى فيها إخلاص الصدق مع الله، ويحاول المسلم من خلالها أن يهجر كل نقيصةٍ، فيحاول جاهدًا مع نفسه لتهذيبها من الران وصقلها؛ لتصبح خالصةً لله- تعالى- فيستعد لمحطة الحج والتي يتضح له فيها أهمية أن يجود المسلم بكل غالٍ لله.

 

فها هو إبراهيم- عليه السلام- يجود بفلذة كبده من أجل تنفيذ أمر من أوامر خالقه، فينمو بذلك اليقين داخل المسلم بأن الله أكبر من كل شيء وأهم من أي شيء، ويوقن أن نفسه وولده لله- تعالى- لعله يرضى.

 

وتقف مسيرة الحياة بمحطة الهجرة، فيهون كل شيء من أجل الله: النفس والولد، والمال والأرض، فيكون التحرر من كل شيء يمكن أن يسوق لنا الطاعة أو يزيِّن لنا المعصية، وعندها سيكون القرار صائبًا سديدًا.

 

وانتظرت بمحطة الهجرة قليلاً وجلستُ مع نفسي مسترجعةً شريط ذاكرتي عدة سنوات، وصحبني في رحلتي تلك تساؤلٌ:

تُرى.. هل تكرار مرور المسلم بتلك المحطات في سنوات عمره لم يلمس فيها أي إيجابياتٍ على مستواه الشخصي أو على المستوى العام في محيطه الإسلامي؟!.

 

فلمسنا فروقًا في مختلف المستويات؛ فها هو الحجاب وقد تتوَّج بعرشه على رءوس الغالبية العظمى من المسلمات، وبالرغم من أن بعضهن لا يلتزمن بالشروط الإسلامية في ثيابهن إلا أنهن لا يتخلَّيْن عن شعارهن الإسلامي، وتبعًا لذلك انتشرت المحلات المتخصصة في ملابس المحجبات، بل إن غطاء الرأس تنافست في صناعته الدول غير الإسلامية، فأصبحنا نقرأ عليها "صنع في إيطاليا" أو "صنع في الصين".

 

ونلحظ تزايدَ وانتشارَ المدارس الإسلامية، بل صرنا نرى كثيرًا من المعاهد الإسلامية لتحفيظ القرآن الكريم يلتحق بها خريجون وخريجات الجامعة، بل أصبح من المألوف عند لقائهن أن يتساءلن عن: "كم من الأجزاء حفظتي؟، وفي أي معهد بعد التخرج التحقتي؟".

 

وفي كثيرٍ من البيوت الثرية أصبح من المألوف التنافس على إحضار الداعية أو أحد الدعاة ليكون الاجتماع في جوٍّ روحاني يُذكر فيه اسم الله، حتى "رنات المحمول" اختلفت عند كثيرٍ من الناس، فسمعنا أسماء الله الحسنى، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أو صوت أحد الدعاة وهو يدعو الله، وعند الاتصال بهاتف بيت مسلم، كثيرًا ما يصل إلى مسامعنا من الطرف الآخر تحية "السلام عليكم"، بدلاً من "ألو" و"هالو" لنجد أنفسنا نرد السلام بما لذلك من أجر.

 

وأصبحنا نرى الشباب وهم يتزاحمون على المساجد؛ ففي صلاة التراويح مثلاً نكاد لا نجد لنا مكانًا في بعض المساجد، وفي الاعتكاف الخاص بشهر رمضان أيضًا يتزايد العدد ونجد حرصَ كثيرٍ من الشباب على المشاركة في إحياء هذه السنة، وزهد شباب الإسلام في ارتداء الذهب، وأصبح من الطبيعي رؤية الخاتم الفضة والدبلة الفضة للشباب.

 

ومن المظاهر الإسلامية الإيجابية الملحوظة زيادةُ الصدقات، وفي رمضان يتنافس الأغنياء في إقامة موائد الإفطار، مع حرصهم أن تكون عامرةً بالخيرات.

 

وسبحان مغيِّر الأحوال؛ فبعد أن كان الدعاة محطَّ استهزاء في بعض الأفلام والمسلسلات أصبحوا محطَّ احترامٍ وتقديرٍ، بل وتحاول كثير من القنوات استقطابهم؛ لإقبال المسلمين على سماع الدروس، وأصبح لدينا العديد من القنوات الإسلامية والعديد من الدعاة، وأصبح من المألوف وجود الداعية الشاب، حتى من منعتهم بلادهم من الخطابة نجد أن أثير الهواء قد اتسع لهم ودخلوا الكثير من البيوت بإذن الله تعالى.

 

وقد زاد علماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وأظهرهم الله على شاشات التليفزيون؛ ليستفيد المسلمون من علمهم، واتسع في السنوات الأخيرة مجالُ نشاط المسجد ليشمل مستوصفات ومدارس ودار مناسبات، بل إن الكثير من الأسر الملتزمة وغير الملتزمة تفضل عقد القران في المساجد، ونلمس انتشار الهيئات والجمعيات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم وبحضورٍ أقوى من الفترات السابقة.

 

وبالرغم من التضييق على المسلمين والحرب الخفية والمعلنة عليهم إلا أن الإحصائيات تشير إلى إقبال غير المسلمين على الإسلام على مستوى العالم بأسره، واتسع مفهوم التضحية بالنفس عند الشباب، وهي أغلى ما يملك، وازدادت العمليات الجهادية؛ دفاعًا عن النفس والعرض والأرض، وقد سجَّلوا بطولاتٍ أعادت إلى الذاكرة جهاد الرعيل الأول من المسلمين.

 

الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها:

تزايد الحرص عليها بين المسلمين، وتمسَّك بأدائها الكثيرُ من الشباب والفتيات؛ فلقد كنتُ في "مول" تجاري كبير، ونادى المؤذن للصلاة وارتفع التكبير، فكان سؤالي عن مكان الصلاة، وعند وصولي كان ذهولي من وجود عدد كبير من الفتيات المحجبات وغير المحجبات وقد وقفن في صفٍّ طويلٍ ينتظرن دورهن في الصلاة؛ فقد امتلأ المسجد عن آخره، وعند وصولي لمكان صلاتي كان أمامي وخلفي ويميني وشمالي فتياتٌ حديثاتُ السن، وقد ارتدت غير المحجبات لباس الصلاة ووقفن جميعًا في صفوف مكبِّراتٍ معظِّماتٍ للرحمن!!، بالطبع هذا مشهدٌ لم أشهده منذ سنوات قليلة.

 

أما الكتاب الإسلامي فقد أصبحت له أولويةٌ عند كثيرٍ من المسلمين، بل أصبح أكثر الكتب مبيعًا- بفضل الله تعالى- فحقيقة الإسلام أصبحت يبحث عنها البشر بأساليب مختلفة؛ فالمسلم يبحث عن هويته وأصله ويحاول التمسك به، وغير المسلم أصبح عنده فضولٌ للمعرفة، سواءٌ أكان دافعه الخوف أو الرغبة.

 

أما على المستوى الشخصي فلو فكَّر كل قارئٍ لهذه السطور- ولو للحظات- كيف كان إيمانه وتعاملاته منذ عشر سنوات مثلاً وكيف أصبح الآن في هذا التوقيت؟، سيلحظ دعائم إيمانيةً قد ترسَّخت لم يكن يلحظ نموها؛ فقد كان الأساس يوضع بدقة وتؤدة وإحكام، وقد أثَّرت كثيرًا على حياته ووضعه وفكره.

 

بالطبع كل فردٍ منا لا يرضى عما هو فيه؛ لأن الهدف أسمى وأكبر، ولكن حسبه أنه على الصراط يسير؛ فالكثير منا الآن دومًا يردد الأدعية ويكثر من التسبيح والذكر، وأصبح يدقق في أمر الحلال والحرام في المأكل والملبس، وأصبحنا نسأل: "هل هذا الفندق يقدِّم خمورًا أم لا؟"؛ فهذه إيجابيات على المستوى الشخصي نفخر بها.

 

وأيضًا الأفلام والمسلسلات التي كانت ضيفًا ثقيلاً على أغلب المنازل، ويظل التليفزيون مفتوحًا طوال الوقت سواءٌ أمامه مشاهدون أم لا، فقد استبدلت الكثير من البيوت الإسلامية ذلك بالدروس والدعاة ومدارس تحفيظ القرآن، حتى الأطفال أصبح لهم برامج إسلامية وكرتون يحيي الشخصيات الإسلامية، مثل محمد الفاتح وصلاح الدين.

 

ومن حرص المسلمين على الحلال انتشرت البنوك الإسلامية وبيوت الزكاة لتحصيلها وصرفها في مصارفها الشرعية، وتولَّد من ذلك جيلٌ من الدعاة الشباب التفَّت حولهم الفتيات والفتيان، وأصبح تأثيرهم ملموسًا عليهم، بل وفي كثيرٍ من أفراحنا أصبحنا نسمع الأناشيد الإسلامية ذات المعاني الهادفة، وفي أعيادنا نجد الساحات وقد امتلأت بالشباب والرجال، والفتيات والنساء والأطفال الذين يغادرون فراشهم فجر العيد ليلازموا آباءهم وأمهاتهم، وتخرج كل أسرة مكبَّرةً حامدةً شاكرةً.

 

ورويدًا رويدًا بدأ تراب الغفلة ينجلي عن الحق، فانبثق منه شعاعٌ من نور الحقيقة، فبدأ الباطل من فوره يتصارع مع الحق، وقد سألني أحد الشباب عن دوامة محنة المسلمين.. إلى أين تذهب بنا؟!، قلت له: "يا بني.. إن سبب المحنة شعاعُ الحق الذي بدأ في الظهور، وهذا في حد ذاته إيجابيةٌ وخيرٌ كثيرٌ، ولكن اطمئن؛ فلا تبديل لسنة الله؛ فالحق حتمًا سيشرق فينزوي الباطل ويهبط، فماذا أنت فاعل لنصرة الحق مهما كان الزمن طويلاً؟!".

 

نعم.. نعترف أن هناك الكثير من السلبيات التي ما زلنا نرسف في قيودها، ولكن حسبنا أن مفاتيحها جميعًا معنا، وسنتحرر قريبًا، ولعلنا العام القادم- نعم القادم- نهنئ أنفسنا بالرقي والانطلاق والتحرر واندحار الباطل وانقشاع الظلم.

وكل عام وأنتم جميعًا في طاعة للخالق جل وعلا.