الهجرة أعظم محطات التغيير في تاريخنا العظيم، تظل عبر السنين نموذجًا و(كتالوجًا) رائعًا، يمكننا أن نعيد قراءة أحوالنا في ظلاله، وأن ننظر إلى مستقبلنا بشعاع أضوائه وهدْيِ نوره، وإذا نظرنا إلى حال أمتنا الآن داخليًّا وخارجيًّا وفي صراعها مع أعدائها، نستطيع أن نخلص بعدة دروس:
![]() |
|
د. رشاد لاشين |
في الوقت الذي يستشري فيه الباطل، وينتشر ويسعى للسيطرة على العالم، ويلاحق قوى الإيمان والخير في كل مكان، وتنعقد التحالفات، وتسير الجيوش، وتُنهب الأموال ويُشرَّد المؤمنون.. ننظر إلى هناك؛ إلى حال الأمة قبل الهجرة، فنجد التاريخ يعيد نفسه وإن اختلفت الأساليب والطرق، لكن المنهج هو المنهج؛ فالضلال كله ملةٌ واحدةٌ: خطط لاستئصال شأفة الحق وأهله، تنعقد في دار الندوة، تُسفر عن تحالفات لقوى الشر، تتمثَّل في أربعين رجلاً للقضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم!! في انتهاكٍ للأعراف والقيم السائدة؛ فهذه مكة المحرمة التي كان الرجل يرى فيها قاتلَ أبيه فلا يقربه احترامًا لحرمة الحرم الشريف إذا بها تُنتَهك على مستوى الزعماء والقادة، ويقرِّرون قتل أعظم الخلق على أرضها المحرمة!!.
فالباطل- أيها السادة- لا يرعى حرمات، ولا يحترم معاهدات ولا مواثيق، وكلنا يعرف كيف دخلت أمريكا العراق رغم اعتراض ما تسمَّى بالأمم المتحدة على ذلك؛ فالقويّ الباطش لا يحترم إلا مصالحه، والديمقراطية المزعومة لا يُسمح بها إلا إذا حقَّقت مصلحة الباطل، أما أن تأتي الديمقراطية بأهل الحق إلى موطن من المواطن فاللعنة على هذه الديمقراطية والمقاطعة الجائرة الظالمة لا بد أن تضرب أسوارها الخانقة حولها من أجل التخلص منها.
الباطل الذي يدَّعي أن له وجهًا نبيلاً يسوقه على السذَّج أو أصحاب المصالح معه، أما أن ينطلي هذا على أصحاب الحق فهيهات هيهات!! فالباطل قبيح الوجه، والظلم بشع مستبشع ممجوج مستوحش، وإلا فما سرّ فشل واستقالة كل المكلَّفين بتحسين صورة أمريكا في العالم؟! وكم من الفضائح كشفت في مجال التضليل الإعلامي ومحاولات التغطية على الجرائم البشعة التي ترتكب في كل ميدان!!.
نحن أمة الحق والعدل، نحن الأمة العظيمة التي تحترم الإنسانية وتقدِّم الخير للعالم، وتصون حقوق الآخر وإن كان عدوًّا؛ فنحن في كل صراعاتنا مع الباطل نحترم المبادئ، ونصون الحرمات، وقد شهد بهذا القاصي والداني، حتى قال جوستاف لوبون (الفيلسوف الفرنسي): "ما عرف التاريخ فاتحًا أعدلَ ولا أرحمَ من العرب".
أما أعداؤنا فلا يحترمون مبدأً ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمةً، وسلوا شاشات الفضائيات، كم رصدت وكم صوَّرت وكم نقلت للعالم أجمع من انتهاك لكل شيء؛ للحجر والشجر والنساء والأطفال للشيوخ والضعفاء.. لأغصان الزيتون وبيوت الأحرار وأعراض الحرائر و.. و.. و..!!.
نحن الذين نقوم على رعاية جميع الحقوق حتى حقوق الأعداء، وقد تمثَّل ذلك في بقاء سيدنا عليّ في مكة لتوصيل الأمانات إلى أهلها، وهم الكافرون؛ أعداء الدعوة، أما أعداؤنا فينتهكون جميع الحقوق الآدمية؛ فها هي أيضًا سيناريوهات مصادرة الأموال تحدث مع سيدنا صهيب- رضي الله عنه- حينما لا يسير في ركاب الباطل، فلا حرمة لماله ولا ممتلكاته، إنه الباطل المنتهِك لكل عرف ولكل قانون ولكل إنسانية.
ليس كل تخطيط للباطل ينجح
فالباطل المنتفخ المنتفش المغرور يظن أنه يملك مقاليد الأمور، وأنه يستطيع أن يضيِّع على الحق كلَّ الفُرَص، أو أن يفرض كل ما يريد بحسابات يستبعد فيها قوةَ الخالق العظيم وجبروته وقهره وسلطانه؛ فالباطل مهما كان قويًّا فالله تعالى أقوى من أيِّ قوة، والباطل نهايته الهزيمة والفشل مهما طغى وتجبَّر، ومهما امتلك من إمكانيات، ومهما خطَّط ودبَّر، وقد تمثَّل ذلك في عدة أمور عبر الهجرة:
1- خَطَّط الباطل لقتل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطةً محكمةً لا مثيلَ لها في التاريخ، وحاصروا بيتَه حصارًا مطبقًا، ورغم ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله المحاصَر بأربعين رجلاً وهو يقرأ القرآن ويعتصم بالله: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (يس: 9)، فلم يخرج ناجيًا فقط بل وضع التراب فوق كل الرؤوس الكافرة؛ فهزم الله تعالى الباطل، حمى عبده المؤمن في أحلك الظروف.
2- نجاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من إمساك الكفار به وهو في الغار، وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له واثقًا من حماية الله ومعيَّته: "لا تحزن إن الله معنا".
حماية رسول الله في رحلة الهجرة من ملاحقة سراقة بن مالك، الذي غاصت أقدام فرسه في الرمال، فلم يستطع الإمساك به؛ لأن رعاية الله تحفظ عباده المؤمنين، ولا ينجو رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى يعد بلسان الواثق بمقدّرات دولة عظمى: "ارجع يا سراقة ولك سوارا كسرى"، نعم والله.. ستملك أمتنا مشارق الأرض ومغاربها، وستفشل كل خطط الباطل الظالم عدوّ الإنسانية، مهما امتلك من مال وعدة وعتاد.
الحزن لا يعرف طريقًا للعاملين على الطريق.. من كان الله معه كان معه كل شيء
يا كل مسلم.. إذا كنت تعمل في ميادين نهضة الإسلام ورفعة أمتنا الحبيبة وموجودًا في ساحة من ساحات مصارعة الباطل كما كان سيدنا أبو بكر الصديق فلا تحزن؛ لأن الله مع من يعمل لنصرة دينه، فإذا كنت معتصمًا بالله فسيملؤك الأمل والثقة، ولن تهتزّ لحظةً واحدةً أمام الباطل، مهما كانت جولاته وصولاته، وحينما نستمع إلى الله تعالى مالك الملك يحدثنا عن الباطل وقدره ومقداره، حتمًا يزول عنا الحزن، وحتمًا سنعتز بالله ونشمخ برؤوسنا المتواضعة فوق الغمام وفوق كل هامات الظلم والطغيان.
ففي سورة آل عمران يعلمنا الله تعالى درسًا عظيمًا مع الباطل بقوله تعالى: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ﴾ (آل عمران: 196)، أما في سورة غافر فيرينا الله تعالى مصارع الباطل المنتفخ المغرور الذي لا يساوي في ملكه تعالى شيئًا: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ* كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ (غافر: 4، 5).
قوة العاملين وضعف المتكاسلين
هذه هي عزة أهل الحق وشموخهم وكرامتهم المرتفعة في السماء أمام الباطل، أما إذا كنت أيها المسلم متكاسلاً متخاذلاً، تجلس فقط لتشاهد مآسي المسلمين، وتضع يدك على خدك، وتقول ضاعت أمة الإسلام، والباطل قوي، و"إسرائيل" وراءها أمريكا، وتحالف قوى الشر كله ضدنا، والموجة أكبر منا، ولا نستطيع أن نقف في وجه الطوفان، وموازين القوى ليست في صالحنا.. فأنت ضائع وبائع لنفسك وأمتك، وأنت حزين طوال السنين!!.
أخي الحبيب.. نحن مع رب الطوفان وصاحب القوة ومالك الكون والإنسان، وأول النصر هو القوة النفسية، ذلك حينما قال سيدنا أبو بكر الصديق "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فقال له رسول الله صلى الله علية وسلم: "لا تحزن إن الله معنا".
والاعتصام بالله نتيجتُه السكينةُ والتأييدُ، فحينما نعتصم بالله فنحن نعتصم بقوي قادر جبَّار، يملك كل شيء؛ لذلك نسير في طريقنا واثقين مطمئنين، في قلوبنا لجوء وسكينة وثقة في نصر الله، وحينما يرى الله- تبارك وتعالى- منا الصدق في نصر دعوته والاعتصام به وبذل الجهد وإفراغ الوسع، سينعم علينا بتأييد من عنده، حتى وإن كانت موازين القوى بكل المقاييس البشرية ليست في صالحنا، فمن يُخرج الله تعالى من المعادلة يجرُّ الأمةَ لخدمة الباطل.. ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40).
فهيا نبعث الأمل، ونُكثر العمل، فسينتصر الحق، وينهزم الباطل حتمًا بإذن الله و"لا تحزن إن الله معنا".
