ما إن انتهى الحجاج من أداء مناسكهم، وعادوا إلى ديارهم فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويسَّر لهم حجَّ بيته الحرام، وزيارة مسجد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى تهيَّأ المسلمون لاستقبال المحرم ذكرى الهجرة النبوية الشريفة التي بها أرَّخ الخليفة الملهَم عمر بن الخطاب التقويمَ الهجري، فتتصل دروس الحج وعبرة الحجاج وغير الحجاج بدروس الهجرة لمن أراد أن يعتبر.
فإن أحداث الحج وأحداث الهجرة لا تمر على المسلم العاقل إلا ليجدِّد الاستفادة منها لنفسه ودينه ودنياه وأمته ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (يوسف: من الآية 111)، وقد أوضح القرآن الكريم أنه لا يتخذ رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أسوةً وقدوةً إلا من كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (سورة الأحزاب).
أكاد أرى فيما يختص بموضوع الأخذ بالأسباب رابطةً إيمانيةً تصل بين الحج والهجرة، رغم المسافة الزمنية بين واقعة حدوثهما على يد أمنا هاجر في السعي بين الصفا والمروة رضي الله عنها منذ آلاف السنين وعلى يد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منذ ألف وخمسمائة عام، ولكن يأتي التاريخ الهجري ويجمعهما فيما هو أقل من شهر.
ففي الأخذ بالأسباب بالسعي بين الصفا والمروة درس العمر، تُلقيه علينا جدتُنا هاجر المؤمنة عليها السلام الصابرة المحتسبة؛ فقد أخذت بالأسباب سبع مرات في سعيها بين الصفا والمروة بمسافة ثلاثة أرباع× 7= خمسة وربع كيلو مترات، وهي المرأة الضعيفة المرضعة لابنها في وحدتها وغربتها وغياب زوجها عنها، تعلِّم أبناءها وأحفادها ألا ييأسوا ولا يكلّوا ولا يملّوا من الأخذ بالأسباب، حتى ولو لم تؤْت نتائجها مرةً ومرةً حتى سبع مرات، وهذا هو أساس سعينا في هذه الدنيا لكل حاجاتنا، وبعد الأخذ بالأسباب توكلَت على ربِّ الأسباب الذي تثق وتتيقَّن من رحمته ولطفه وكرمه بالضعفاء، الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فماذا كان الجزاء؟!
كانت زمزم ماء اليقين، طعامًا وشرابًا وعلاجًا وأمنًا وأمانًا، أي كل ما تحتاجه في دنياك أتاك فضلاً من ربك ليس في مقابل سعيك ولا هو بمجهودك، فلا علاقة لزمزم مباشرةً بسعي أمنا هاجر بين الصفا والمروة، بل لقد نبع الماء من تحت أقدام الرضيع إسماعيل عليه السلام، ولكنه جائزةٌ لمن بذل الجهد أقصى الجهد، وأخذ بالأسباب، ثم توكل على رب الأسباب؛ لذلك فصل القرآن الكريم بين الأسباب والتوكل على رب الأسباب ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: من الآية 15).
وفي الهجرة بصحبة حبيبنا المصطفى- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يستمر الدرس والعبرة للأمة إذا غفلت بعد الحج عن الدرس يأتينا الدرس الثاني بترتيب الشهور في العام الهجري رغم تباعد آلاف السنين بين درس زمزم ودرس الهجرة في واقع الأمة الإسلامية الأولى.
فها هو الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في درس الأخذ بالأسباب يضع الخطة المتقنة أيَّما إتقان، والتي يجب أن تدرَّس في أعلى أكاديميات التخطيط في العالم، فليس لها في قواعدها مثيلٌ من إخلاص النيات وحسن توظيف الطاقات من جماد وحيوان ورجال مسلمون بل ومشرك يستفاد به في نطاق قوته وأهم صفاته، وذلك يقتضي معرفةً تامةً بأفراد المجتمع المسلم وغير المسلم والاستفادة بكل ما يحسنه.
فاختيار الجيل والاتجاه والغار والطريق والدليل والإمداد والتموين والإمداد بالمعلومات والتعمية التمويه وإخفاء الأثر باستخدام الأغنام والماعز، وتوظيف أسماء بنت أبي بكر المرأة الحامل، وعبد الله بن أريقط الدليل المؤتمن رغم كفره ووثنيته، وعامر بن فهيرة الراعي، وأبو بكر الصديق الرفيق قبل الطريق.
كل هذه الدقة في الأخذ بالأسباب، رغم أن من يفعلها هو صاحب اليقين الثابت والمتوكل الأول على الله عز وجل، إلا أنه يُقيم الحجة على المتواكلين الذين يظنون أن الأخذ بالأسباب ينافي أو يتعارض مع اليقين والإيمان والتوكل، وأيضًا يقيم الحجَّة على العلمانيين الماديِّين السببيِّين، الذين يربطون الأسباب بالنتائج المادية فقط، ويُسقطون من حساباتهم نهائيًّا التوكل على رب الأسباب، فهو- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بعد أن أخذ بكل الأسباب كأفضل ما يؤخذ بها لم يعتمد عليها ولم يركن إليها.. نعم، إن لله سننًا في الدنيا أن من زرع حصد ومن جد وجد، إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلِّمنا بعد ذلك أن هناك بُعدًا إيمانيًّا وفضلاً ربانيًّا لمن أخذ بالأسباب ثم توكل على رب الأسباب.. جائزة مستقلة ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: من الآية 3).
فها هم الكفار قد وصلوا للغار، فقد يقول قائل إذن ما جدوى هذه الخطة التي بعد الأخذ بها لمنع الكفار من الوصول للغار قد وصلوا؟! لا.. فالدرس هنا أبلغ والعبرة أوقع في تأثيرها علينا، فلو أن الكفار لم يصلوا للغار لقلنا هذه نتيجة الخطة المحكَمة التي وضعَها رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ولازداد تعلُّقنا بالأسباب دون التوكل على رب الأسباب، الذي خطف أبصار الكفار بعد أن وصلوا للغار، وهذا شيء لا يمكن أن يقدِر عليه بشر، ولا يمكن أن يضعَه إنسان في خطته ولا في الحسبان.
كما سيظل بنفس العبرة حفر الخندق في غزوة الأحزاب وبذل الجهد المضني فيه أيامًا ولياليَ من الجوع والخوف والجهد والعرَق، فكانت الجائزة ريحًا تهزم الكفار وتقلب حالهم رأسًا على عقب ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (الأحزاب: من الآية 25)، وكذلك مَن يتوكل على الله قويٌّ بالله، عزيز بعزته، منتصر لا يهزم، فإن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن كما قال رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8)﴾ (المنافقون).