أ. د. حسين شحاتة

الهجرة جهاد من أجل الدين
لا نصرَ بدون جهاد، ولا جهادَ بدون تضحيةٍ عزيزةٍ، ولا تضحيةَ عزيزة بدون عقيدةٍ سليمةٍ تقوم على التوحيد، وأن الجهاد في سبيل جعل كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين والمشركين ومَن على شاكلتهم أو يؤازرهم السفلى، وكذلك كانت الهجرة من مكة إلى المدينة من أجل دين الله وتأسيس دولة الإسلام ونشره في جميع أنحاء العالم لتكون له الأستاذية.
ومن صور الجهاد التضحية بالمال، وكذلك بالمقاطعة الاقتصادية للأعداء؛ بهدف تقوية اقتصاد أهل الحق وإضعاف اقتصاد أهل الباطل، وهذا كان بارزًا في الهجرة، ولا يمكن الفصل بين الجهاد بالنفس وبين الجهاد بالمال باعتبارهما من مقومات النصر، ودليل ذلك من القرآن الكريم قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111).
وقوله- عز وجل-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (15)﴾ (سورة الحجرات).
وقوله في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (سورة التوبة).
وتعتبر الهجرة من مكة إلى المدينة جهادًا من أجل الدين، وحفاظًا على العقيدة، وحمايةً للجماعة المؤمنة المستضعفة، ولقد اشتملت على كل أنواع الجهاد وأساليبه، فكان فيها التضحية بالنفس، وكان فيها التضحية بالمال، وكان فيها المقاطعة الاقتصادية، وكان فيها تأسيس السوق الإسلامية بعد الهجرة.
وتتضمن الهجرة النبوية عِبَرًا ودروسًا أفاض فيها العلماء والفقهاء يمكن الاستفادة منها في عصرنا هذا، والأمة العربية الإسلامية في حالة جهاد، ومنه الجهاد في فلسطين والجهاد في الشيشان، والجهاد في أفغانستان والجهاد في كشمير، والجهاد في السودان وفي كل مكان في العالم؛ حيث يُعتَدَى على المسلمين من قِبَل الصهاينة والصليبيين من المعتدين والملحدين وعُبَّاد البقر ومَن على شاكلتهم؛ فلا مناص من الجهاد كما فعل رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- والذين آمنوا معه، وحسبنا في هذه المقالة أن نركِّز على معالم الجهاد الاقتصادي من وحي الهجرة النبوية لنستنبط ونستقرئ منها الدروس والعبر التي تعين على إحياء فريضة الجهاد من جديد من أجل دين الله.
معاني الجهاد الاقتصادي من وحي الهجرة
لقد تضمَّنت نماذج شتى من الجهاد، منها الجهاد بالنفس، مثل تعرُّض حياة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأبي بكر وعلي بن أبي طالب- رضي الله عنهما- وكذلك المهاجرين للقتل من المشركين في مكة، وكان هذا من أجل الدين وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الكافرين السفلى، وكذلك الجهاد بترك الوطن والأقارب؛ فلقد ترك المهاجرون وطنهم العزيز مكة- أحب بلاد الله إلى الله ورسوله- فضحُّوا بذلك من أجل الدين.
وكذلك الجهاد الاقتصادي في الهجرة؛ فقد ضحَّى المهاجرون بمالهم؛ إما بتركه أو بالإنفاق في سبيل الدين، كما ضحَّى الأنصار كذلك بالمال من أجل نصرة الدين، ولقد نزل في المجاهدين من المهاجرين والأنصار قول الله- تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (الأنفال من الآية 72)، كما تحمَّل المهاجرين عناء مقاطعة المشركين والكافرين لهم مقاطعةً شاملةً، وقدَّموا لنا نماذجَ خالدةً واردةً في كتب السيرة وفي كتب حياة الصحابة، نعرض نماذج منها للعبرة:
نماذج من الجهاد الاقتصادي مستوحاة من الهجرة
لقد تطلَّب تنفيذ مخطط الهجرة النبوية تمويلاً وتضحيةً بالمال ومقاطعةَ المشركين، ويضيق المقام لتناول ذلك تفصيلاً، ولكن سوف نعطي بعض النماذج لاستخلاص العِبَر منها والدروس.
إنفاق أبي بكر الصديق مالَه وترك لأهله الله ورسوله:
لقد جاء أبو بكر الصديق بنفسه وبمفارقة أهله من أجل نصرة دين الله، فاشترى راحلتين، وسدَّ بقدميه الغار فيلدغه الثعبان فلا يتأوَّه ولا يبكي؛ حتى لا يوقظ رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ويسير في طريق الهجرة حول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ليعرَّض نفسه للخطر، ثم يحمل ماله كله معه لتمويل الهجرة، كما تعرَّضت ابنته أسماء للأذى من المشركين.
فقد روى ابن إسحاق والإمام أحمد، كلاهما عن يحيى بن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: "فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فَجَعَكُم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبتِ.. إنه ترك خيرًا كثيرًا. قالت: فأخذتُ أحجارًا فوضعتُها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ووضعتُ عليها ثوبًا، ثم أخذتُ بيده فقلتُ: يا أبتِ.. يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه وقال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغٌ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أُسكت الشيخ بذلك".
تضحية صهيب الرومي بالمال:
وُلد صهيب في أحضان النعيم، وكان من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهدٍ طويلٍ، أُسِر عندما تعرضت العراق للغزو من قِبَل الروم، ثم اشتراه عبد الله بن جدعان في مكة، ثم أعتقه وحرره، وانضمَّ إلى كتيبة المؤمنين في دار الأرقم، وعمل بالتجارة وأصبح عنده مالٌ كثيرٌ، وهمَّ بالهجرة فمنعه المشركون من قريش، وقالوا له: "أتيتنا صعلوكًا فقيرًا فكَثُرَ مالك عندنا، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بنفسك وبمالك؟!"، وساوموه على المال فدلَّهم على المكان الذي خبَّأ فيه ماله، وتركوه وشأنه واستأنف هجرته، وكان الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- جالسًا وحوله بعض أصحابه حين أهلَّ عليهم صهيب، ولم يكد الرسول يراه حتى ناداه متهللاً: "رَبِحَ البيعُ أيا يحيى، رَبِحَ البيعُ أيا يحيى"، وآنئذٍ نزلت الآية الكريمة ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ (سورة البقرة).
أجل.. لقد اشترى صهيب نفسَه المؤمنةَ بكل ثروته التي أنفق في جمعها شبابَه، كل شبابه، ولم يحس قط أنه المغبون؛ فما المال وما الذهب وما الدنيا كلها إذا بقي له إيمانه وإذا بقيت لضميره سيادته، ولمصيره إرادته؟!.
نموذج تضحية الأنصار بكل شيء من أجل المهاجرين:
لقد اهتمَّ الرسولُ بعد الهجرة بتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد على أساس الأخوة بين المسلمين؛ فقد آخى بين المهاجرين والأنصار على الحقِّ والمواساة، فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين، وجعل أبا بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين.. وهكذا.
ولقد ضحَّى الأنصار بالمال وبكل شيء من أجل نصرة الدين، ومما تذكره كتب السيرة ما قام به سعد بن الربيع العرضَ على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته وماله وزوجتيه في قسمةٍ متساويةٍ، ولكن عبد الرحمن شكره وطلب منه أن يُرِيَه سوق المدينة ليشتغل فيها، ولم يكن سعد بن الربيع منفردًا عن غيره من الأنصار فيما عرضه على أخيه كما يُظَنُّ، بل كان هذا شأن الصحابة في علاقتهم وتعاونهم مع بعض، خصوصًا بعد الهجرة وبعد أن آخى النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فيما بينهم.
عبر ودروس في الجهاد الاقتصادي من الهجرة
نستنبط من النماذج المتميزة السابقة العديدَ من المعاني، والتي حُوَّلت إلى واقع عملي سجَّله التاريخ ليكون لنا عبرةً، من هذه المعاني ما يلي:
- تحتاج نصرة دين الله إلى تضحيةٍ عزيزةٍ بكل شيء.
- اقتران التضحية بالنفس وبالأهل وبالوطن بالتضحية بالمال.
- المال وسيلةٌ لتعين الإنسان على عبادة الله ولنشر دينه والذود عنه، وأفضل استثمار له في الجهاد في سبيل الله.
- المال محبوبٌ، ولكنَّ حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله لجعل كلمة الله هلي العليا وكلمة الكافرين السفلى أقوى.
- يحتاج الجهاد بالمال والمقاطعة الاقتصادية إلى قوة العقيدة، وهذا ما اهتمَّ به رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قبل الهجرة.
يجب أن نُعلِّم أولادنا سيرة رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وحياة الصحابة، ونربِّيَهم على الجهاد والتضحية، ونقدِّم لهم نماذجَ عمليةً واقعيةً ليكونوا من المجاهدين.
ونسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يرزقنا الشهادة في سبيله، وأن ينصر الإسلام ويعز المسلمين ويهلك الكفرة والمشركين والصهاينة الملعونين ومَن آزرهم وعاونهم.
--------------
* أستاذ المحاسبة- كلية التجارة- جامعة الأزهر