- د. جابر قميحة: يجب احترام الفكر وإنهاء الرعب من الثقافة

- عاصم شلبي: اتحاد الناشرين يقوم بدوره والأمن لا يستجيب

- محسن راضي: نشر الاستنارة حق دستوري لا يمكن التفريط فيه

 

كتب- حسن محمود

هناك مقولة شهيرة عن جوبلز- وزير دعاية الزعيم النازي أدولف هتلر- مفادها: "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسستُ مسدسي"، واليوم تكاد هذه المقولة تنطبق تمامًا على النظام في مصر الذي لا تنقطع حملاته على دور النشر الإسلامية، ومع اقتراب موعد معرض القاهرة الدولي للكتاب يدخل إغلاق دار التوزيع والنشر الإسلامية عامه الثاني بعد إغلاقها في إطار القضية الملفقة ضد قيادات الإخوان المسلمين المحالين للمحكمة العسكرية، فيما تتواصل الحملات الأمنية على العديد من المكتبات الإسلامية، وشركات النشر الخاصة، والمطابع في مختلف محافظات مصر تقودها مباحث أمن الدولة تحت ستار شرطة المصنفات لتضع علامة استفهام على نوعية الثقافة التي تريدها الدولة.. هل ثقافة العنف والحث على التطرف أم ثقافة إسلامية معتدلة متوازنة تحافظ على عقول الأمة في ظل ظرفٍ شرقي أوسطي صعب تقوده قوى الإرهاب الأمريكي بثقافة الغاب والإرهاب؟؟.

 

السيناريو واحد تقريبًا.. حملات في نفس التوقيت يقودها ضباط برتبة مقدم من مباحث أمن الدولة برفقة أحد ضباط شرطة المصنفات، وعدد من المخبرين تستولي أيديهم على ما ثقلت قيمته من كافة الوسائل الثقافية الموجودة في هذه الشركات، والمكاتب والضحية في المحصلة ثقافة تتم محاربتها وسط مجتمعٍ يعاني من الركود الثقافي.

 

والجديد أن أمن الدولة تضيق على أصحاب دور النشر الإسلامي، والمكتبات الإسلامية الراغبين في المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وبات تحديد المساحات في يدها؛ مما أدَّى إلى التلاعب بمصائر الناشرين، وتحديدها على خلفيتهم الفكرية!!

 

 تاريخ أسود

تحمل الحكومة المصرية تاريخًا أسودَ ضد دور النشر الثقافية الإسلامية والمكتبات التي تعرض منتجاتها، ومنتجات الناشرين الكبار في مختلف المحافظات المصرية نطوف على بعضٍ منه:

ففي يوم الأربعاء الموافق 2/1/2008م قامت مباحث أمن الدولة بالمنوفية بقيادة النقيب أحمد عبد الله برفقة شرطة المصنَّفات بقيادة الضابط وائل الجوهري بمداهمة العديد من الشركات والمطابع والمكتبات بالمحافظة، مثل شركة الضياء، وشركة قلوب، ومطبعة الأبرار، ومكتب نت لاند للكمبيوتر، وغيرها من الشركات.

 الصورة غير متاحة

إحدى المكتبات التي تم اقتحامها بالفيوم

 

وهذه الحملة ليست الأولى من نوعها؛ فقد سبقها مداهمة نفس القوات ظهر 12/12/2007م لمطبعة الأبرار، ومكتبة الضياء، ومكتبة قلوب، وغيرها من المكتبات، وتم الاستيلاء على كمياتٍ كبيرة من الكتب والشرائط والمؤلفات، وتم تفتيش هذه الشركات وأخْذ البطاقات الشخصية من عملاء هذه الشركات الذين كانوا موجودين وقت المداهمة!!.

 

وفي صباح الخميس 3/1/2008م بالبحيرة اقتحمت مباحث أمن الدولة برفقة مباحث المصنفات الفنية مكتبة "نحو النور" بدمنهور ومكتبة "جهاد" بإيتاي البارود، وقادت نفس القوة حملةً بتاريخ 28/11/2007م يرافقها ضباط المصنفات لاقتحام وتخريب المكتبات الإسلامية في معظم أرجاء المحافظة في توقيتٍ واحد تقريبًا، واستولوا على بضاعة تُقدَّر بعشرات الآلاف، وشملت مكتبات نحو النور وفجر الإسلام بدمنهور، ومكتبة الصفوة بأبو المطامير، ومكتبة الأستاذ ياسر عبد الرافع بكفر الدوار، والمكتبات الإسلامية بكوم حمادة، وحوش عيسى ورشيد وإيتاي البارود.

 

وقد استولى ضباط الحملة على مئاتِ الكتب الدينية، ونتائج السنة الجديدة، وشرائط الكاسيت الإسلامية، وكل المنتجات التي تتحدث عن العشر الأوائل من ذي الحجة.

 

وفوجئ عددٌ من أصحاب المكتبات بمركزي ناصر والفشن بمحافظة بني سويف مساء الخميس 11/11/2007م بحملةٍ أمنيةٍ تدهم مقارهم، وتستولي على كمياتٍ كبيرة من الكتب وشرائط الكاسيت الإسلامية، وإلقاء القبض على أصحابها وتحرير محاضر ملفقة لهم.

 

وداهمت مباحث أمن الدولة بتاريخ 28/11/2007 مجموعةً من المكتبات الإسلامية في دمياط، وأسفرت تلك المداهمات عن اعتقال 3 أفراد؛ حيث تمت مداهمة إحدى شركات النشر التي يمتلكها الناشر محمد الصاوي، كما اعتقلوا اثنَيْن آخرَيْن كانا موجودَيْن داخل أماكن أعمالهما في إحدى المكتبات بمركز كفر سعد، وشملت حملة المداهمات كلاًّ من: دار البشير للنشر، مكتبة طيبة، مكتبة الفجر بمدينة دمياط.

 

ولم يخص الأمر العام الماضي فحسب ففي 30/8/2006م، على سبيل المثال داهمت عناصر من أمن الدولة تساندها قوات الشرطة مكتبة "دار الأرقم" في مدينة المطرية بالدقهلية، واستولت على 227 كتابًا و50 شريطًا إسلاميًّا.

 

وفي نفس الوقت تقريبًا داهمت قوة من الشرطة وأمن الدولة مكتبة اليقين بالمنزلةِ المملوكة التي يملكها محمد العبيدي، وحاولوا اعتقال زوجة صاحب المكتبة، ولما تصدَّى لهم الأهالي اعتقلوا ابنه خالد الطالب الجامعي، وما زال معتقلاً إلى الآن.

 

كارثة حقيقية

 

 د. جابر قميحة

من ناحيته اعتبر الدكتور جابر قميحة- أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس سابقًا- المسألة كارثةً حقيقيةً، وكأننا نعيش في العصر الحجري لمجتمع الغابات- على حدِّ وصفه- وقال: لم يتوقف الأمر على معاداة دور النشر التي تنشر الفكر المعتدل بل وصل إلى معاداة كل مكتوب، وتقوم التجريدات الأمنية التي تشن على البيوت الآمنة في الفجر لتصادر كل الكتب الموجودة حتى كتب الأطفال المدرسية!!!.

 

ويستنكر د. قميحة أن يتذرع الأمن بأن هذه الكتب تحمل الأفكار الإخوانية وما شابها، متهمين إياه أنها تدعو للهدم والإرهاب والتخريب قائلاً: لو طبقنا هذا المعيار على كل دور النشر- إخوانية وغير إخوانية- لصودرت جميع الكتب لأنها تحمل أفكارًا متعددةً ومتنوعةً.

 

ضاربًا المثال بنفسه قائلاً: في مكتبتي الخاصة كتب إسلامية، وكتب عن الفكر الشيوعي أهمها "رأس المال" لكارل ماركس، وفيها كتب عن البوذية، وفيها كتب عن الزنا والاغتصاب... إلخ، فهل هذا يعني أني صرتُ شيوعيًّا، وأخلص الود إلى البوذية، وأدعو إلى الفحشاء والمنكر، مضيفًا: هذا منطق غريب لا يعقله العقلاء، ولا المجانين.

 

وذكر موقف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين فتح خيبر؛ واستولى المسلمون على غنائم كثيرة من اليهود ومنها صحائف دينهم، وذكر موقف النبي- صلى الله عليه وسلم- الذي أمر الصحابة بإرجاع الصحائف إلى اليهود مما كان له أثرٌ كبيرٌ في إسلامِ معظمهم، موضحًا أن في ذلك الموقف دلالةً على احترام الفكر وانتفاء التعصب عن العقلية الإسلامية.

 

وأكد أن الإغارة على دور النشر مسألة غريبة على مدار التاريخ الإسلامي كله ولم تحدث إلا في محاكم التفتيش المعروفة، مؤكدًا أن هذا يصم النظام الحاكم بالتخلف، فيما عبَّر عن أسفه لعدم تحرك هذا النظام لإقامة دورة في الحرص على حرية الفكر والنشر، مؤكدًا أن مَن يتمتع بها الآن معظمهم من المنافقين والساقطين.

 

وقارن بين موقف النظام من دور النشر التي تنشر الفكر السوي، وبين موقفها من جماعات الشواذ وعبدة الشيطان قائلاً: هؤلاء لم يجرم واحد منهم، وقيل سبب ذلك إنهم من أبناء العلية، بينما الإغارات مفتوحة على دور النشر.

 

ويحذر من مغبة الاستمرار في مثل هذه السياسات حتى لا يُصاب المثقفون بنكسةٍ وإحباطٍ بالابتعاد عن المحاولات الجادة، مؤكدًا أن الاستمرار سيطول أيضًا النظام الحاكم بالسمعة السيئة جدًّا.

 

"ليس في دماغهم ثقافة"

 الصورة غير متاحة

محسن راضي

النائب محسن راضي- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب- يؤكد أن وزارة الداخلية اعتادت على مصادرة حرية الرأي والتعبير والوقوف حائلاً أمام تطلعات الشعب إلى ثقافة واعية مستنيرة من خلال أكبر شريحة في الكتب، وهي الكتب الدينية، موضحًا أن الكتاب الديني يمثل للشعب المصري غذاءً للروح فيما تمثل الكتب الثقافية غذاءً العقل، مستنكرًا أن يتم ذلك رغم التراخيص التي يحصل عليها الناشرون لكتبهم.

 

ويربط بين ما يحدث وبين قرب معرض الكتاب الدولي قائلاً: إنها حملة قاسية الغرض منها معرض الكتاب عبر تقديم إيحاء سلبي للجمهور لمنعه عن الذهاب إلى الكتاب الديني؛ لأنه تعتبره خطرًا!!

 

وهاجم غياب وزارة الثقافة عن القضية تمامًا، معتبرًا أنها تخصصت في الآثار
والمسرح والفنون وتركت ثقافة الناس لوزارة الداخلية تحاربها كيفما تشاء، قائلاً عنهما: "مش في دماغهم ثقافة".

 

وأكد أن القضية مطروحة على أجندة نواب الكتلة، وسيتم طرحها خلال الفترة القادمة، خاصةً مع قرب معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي وصل فيه العسف إلى تحديد الجهات الأمنية مَن يشارك في المعرض، ومساحته، قائلاً: نحن لن نتخلى عنهم وعن حقهم الدستوري، والقانوني في نشر الثقافة المستنيرة.

 

ووجه رسالةً إلى أصحاب دور النشر والمكتبات، مشددًا عليهم أن يصبروا ويتخذوا كافة الإجراءات القانونية، ويتحركوا من خلال اتحاد الناشرين لوقف ما يحدث لهم.

 

ودعا الشعب المصري إلى إدراك مسئوليته تجاه هذه الحركة التثقيفية لإحياء المجتمع وإعادة صدارة مصر الثقافية من جديد.

 

تعسف وظلم!

 الصورة غير متاحة

عاصم شلبي

ويرى عاصم شلبي- الأمين العام لاتحاد الناشرين المصريين- أن ما يقوم به الأمن تعسفٍ وظلمٍ زاد عن الحد وإجراء لا بد من وقفه، وأوضح أن اتحاد الناشرين تقدَّم أكثر من مرة باعتراض لدى الجهات الأمنية، ولكن الأمن لم يستجب.

 

ويقول: أتكلم الآن وهناك منذ ما يقرب من نصف ساعة حملة أمنية على دار البشير بطنطا دون أسباب مفهومة غير أنها تنضم إلى الدور الإخوانية الثقافية على حدِّ تصنيف الأمن، متسائلاً: هل المطلوب هو نشر ثقافة متطرفة، ودعم التطرف، واستبعاد الثقافة الإسلامية المعتدلة، ومحاربة الاعتدال؟.

 

ويضيف أن قمة التضييق كان وصل إلى إغلاق دار النشر والتوزيع الإسلامية، وتشريد 150 عاملاً فيها، مطالبًا مثقفي الدولة بالتحرك وإيقاف مثل هذه الحملات الجائرة.