- المرشد العام: الإخوان المسلمون يقدِّرون دور الراحل الكبير في الدعوة

- د. محمد السيد حبيب: قصتان للراحل الفاضل تؤكدان صبره وعظمته

- د. محمود عزت: الراحل صاحب دور كبير في بعث نشاط مكتب الإرشاد

 

تحقيق- أحمد رمضان

رغم وفاة الحاج أحمد أبو حسانين- من الرعيل الأول للإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد السابق- قبل أسبوع، إلا أن ردود الفعل ما زالت تتوالى لتسرد من آنٍ لآخر مناقب الحاج حسانين ومواقفه الصلبة في الدعوة، لدرجة أن صحيفة (الوطن) البحرينية أفردت صفحةً كاملةً عن الشيخ الراحل في عددها الصادر يوم الأربعاء 2 يناير.

 

أجمعت كلمات قادة الإخوان على أن الحاج حسانين كان كثير الصمت، قليل الكلام يؤمن بميدان الأفعال، لدرجة يتوارى بجوارها ميدان الأقوال.

 

وُلِدَ الأستاذ أحمد محمد أبو حسانين يوم 22/12/1919م في بلدة قليوب بمحافظة القليوبية، ومن عجبٍ أنه قد تُوفِّي إلى رحمة الله في نفس يوم وفي نفس شهر ولادته عن عمرٍ بلغ 88 عامًا قضاها كلها في طاعة الله عزَّ وجل وفي ركب نُصرة دعوة الله التي حملها الإخوان المسلمون.

 

عاش مع دعوته وقيادته هذا العمر المديد في السراء والضراء، وفي العسر واليسر، وابْتُلِيَ ابتلاءً شديدًا، وعانى كما عانى إخوانه في السجون والمعتقلات، ومرَّ بصنوف التعذيب والاضطهاد والتشريد والتنكيل ما لا يمكن وصفه، وتعجز عنه المقالات والكتب والمصنفات.

 

 الصورة غير متاحة

المرشد العام في عزاء الحاج أحمد حسانين

نبدأ بوصف فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين- للحاج أحمد حسانين بـ"الحبيب الغالي"، مشيرًا إلى أنه لازَمَه أكثر من 65 عامًا شريكًا له على طريق الدعوة، وأكد فضيلته أن دعوة الإخوان المسلمين أثبتت بجذورها العميقة وتعاملها مع المواقف المتنوعة أنها صاحبةُ مبدأ ورسالة ومحلُّ تقديرٍ من الجميع.

 

وأضاف أن الدعوة ورجالاتها يقدِّرون كلَّ مخلص يسعى لتحقيق أمر الله، وإقامة العدل والحرية بين الناس، قائلاً: أما هؤلاء الأشرار فلا نقول لهم إلا ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: من الآية 55)، وأكد فضيلته أن طريق الدعوة طويلٌ وشاقٌّ، سار عليه فقيدُنا الغالي الأخ المجاهد أحمد حسانين صابرًا ومحتسبًا ومجاهدًا.

 

أما د. محمد السيد حبيب- النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين- فقد روى قصتَين فقط للدلالة على عظمة الرجل وفقهه ومكانته في هذه الدعوة، فيقول حبيب: القصة الأولى: هي أننا- الأستاذ أحمد حسانين وأنا- كنا نجلس معًا في طابور الشمس في سجن أبي زعبل في نوفمبر من عام 1981م، أيام التحفُّظ الشهير للسادات، والذي جمع فيه كل رجال مصر.
جاءنا الأخ الحبيب جابر رزق- رحمه الله- وقال لنا إن الخبر الذي تردَّد عن استشهاد الأخ الأستاذ كمال السنانيري- رحمه الله- تحت وطأة التعذيب خبرٌ صحيحٌ، فدمعت عينا الحاج أحمد حسانين، وقال: "لقد ظلَّ يطلبها طيلة أربعين سنة: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، فلم يخصه الله- تعالى- بها إلا اليوم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)﴾ (آل عمران).

 

القصة الثانية: هي أنني كنتُ جالسًا مع الأستاذ أحمد حسانين في المركز العام بالروضة منذ سنواتٍ، فحكى لي أن الإمام الشهيد- رحمه الله- طلب منه مرافقته لرحلةٍ إلى "طنطا"؛ لإعطاء درسٍ هناك بمناسبة الهجرة، وفي العام الذي يليه إذا بالأستاذ أحمد حسانين يُفاجأ بالإمام البنا يطلب منه مرافقته إلى نفس المكان- إلى طنطا- لإلقاء درسٍ بمناسبة الهجرة، وكانت دهشة الأستاذ أحمد حسانين أن الأستاذ الإمام بدأ حديثه من حيث انتهى في العام الماضي، ثم عقَّب قائلاً: "لقد كان الإمام البنا "مُبرمَجًا" بطريقةٍ ربانيةٍ".

 

وأنا أقول: وأنت أيضًا يا أستاذ أحمد كنت "مُبرمَجًا"؛ حيث إنك أدركت بفطنتك وحضورك وقوة ذاكرتك هذا كلَّه.

 

وامتلأت كلمة الدكتور محمود عزت- الأمين العام لجماعة الإخوان- بالعبرات والدموع، وبدأ بقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ (آل عمران)، مضيفًا: لعل فقيدَنا مع ربه الآن يستبشر بأجيالٍ تأتي من بعده، تجدِّد الدين وتعزُّ وتمكِّن للمسلمين، واصفًا الحاج حسانين بأنه مجاهد، حسن الخلق، ينتقي الكلام، ويهديك من الكلام أطيبه، كما يهديك الطعام، وأكد أنه لم يسمع من الفقيد كلمةً واحدةً طوال معاشرته تُخالف تعاليم الإسلام، وأنه عرفه معدًّا للجند في حرب الإنجليز، وسُجِنَ وابتُلِيَ ثم خرج ليكمل مسيرة العطاء.

 

 الصورة غير متاحة

د. محمود عزت

وأضاف د. عزت قائلاً: إذا أردت أن تعرف الإسلامَ والخضوعَ والصدقَ مع الله تجده في الحاج حسانين، ووجَّه كلامه إلى الإخوان: ألم تعلموا أنه بعد أن خرج من السجن كان أول من نظَّم الصفَّ، وجمع إخوانه في الدعوة، وأعاد مكتب الإرشاد، وكان أول الساعين لذلك؛ حيث جمع شمل الإخوان في مصر، ونشر دعوة الإخوان من خلال شركة النشر والتوزيع الإسلامية التي كان مديرها، بل رسائل الإمام الشهيد حسن البنا لم تصل للناس إلا من خلال هذا العمل المنظَّم، وكنا إذا اشتدت الأزمات نجالسه فنجد فيه الطمأنينةَ والرضا والقبول وقلب الواثق بالله.

 

وذكر أنه عندما استُشهد الأخ كمال السنانيري عام 1981م- رحمه الله- حاول النظام مع الفقيد أن يُثنيه عن مبادئه، فقال لهم: لقد حُكِمَ علي بالإعدام سنة 1954م، أتريدون تنفيذه الآن، فالله أمهلني من 54 إلى 81.

 

أمة في الأخلاق والصبر
 
 الصورة غير متاحة

الشيخ محمد عبد الله الخطيب

ويشير الشيخ محمد عبد الله الخطيب- من كبار علماء الأزهر الشريف عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين- إلى أن الأخ الكريم الحاج أحمد حسانين أحقُّ ما يوصف به أنه كان أمةً في أخلاقه وصبره وحسن تعامله وفي أدبه العالي، فكان أحبَّ إلينا- نحن الجيل الذي يليه مباشرةً- من نفوسنا ومن أولادنا وكل شيء، والحق أن الدعوة خسرت بوفاته خسارةً لا توصف ولا حد لها؛ فهو الإنسان الهادئ في طباعه الرفيق بإخوانه، لا يسمح لأحد الإخوان أن يذكر آخر إلا بالخير.

 

ويقول: كنت أزوره ذات مرة في بيته وحضر أخ فتناول أخًا غائبًا بقليل جدًّا من اللوم، فرأيت وجهه قد احمرَّ كأنما فُقِئَ فيه الرمان، وقال للأخ: ألا تعلم أن هذا أخي وأكبر مني في السن، كيف تتجرَّأ على الحديث عنه بهذه الصورة؛ أنا لا أعرفك؛ وأخذ الأخ يعتذر عن خطئه وهو لا يقبل العذر منه، بل يصدُّه ويردُّه في غاية العنف وهو في غاية الغضب.

 

هكذا يجب أن يكون جميع الإخوان، لا يذكر بعضهم بعضًا إلا بالخير في غيبته وفي حضوره، فنحن- بحمد الله- نحاول أن نكون قدوةً لغيرنا يجب أن نتحلى بهذه الصفة وأن نستفيد من هذا الدرس.

 

وتابع فضيلته: أما صبره فقد رأيته في سجن قنا، وقد مضى عليه 15 عامًا وهو في غاية الهدوء والاستقرار النفسي، كأنه يعيش في بيته وبين أولاده، والحق أن هذه السمة كانت عند كثير من الإخوان؛ الصبر الجميل والرضا الكامل بقضاء الله، رغم شدة المحن وقسوة العدو، وعدم وضوح الرؤية بالنسبة لما يريد أن يفعله العدو من مضايقات تتلوَّن وتتكرر كل يوم، فكان هؤلاء الإخوة نماذج كريمة في أخلاقهم، وحبهم لدعوتهم، وتفانيهم في سبيلها، فتحملوا كل الشدائد، ورضوا بكل المخاطر، وصبروا على كل المضايقات.

 

وكان الأخ أحمد حسانين على رأس هؤلاء، بل كان قدوةً حين كنا في سجن طرة، وقتل السادات، وأخذت سيارات الجيش تأتي من أرض الإستاد، وتمر وراء السجن فخاف البعض من أن تكون قد جاءت لفعل شيء في المسجونين؛ حينها طاف بهم هذا الخاطر، مرَّ علينا الحاج حسانين، وهو يقول: دعوا الحق تبارك وتعالى يفعل ما يريد؛ لأن دعوة الإسلام دعوة ولاَّدة؛ أنجبت الرجال والأبطال قديمًا وحديثًا، وهي دعوة الخير والرحمة للإنسانية، والأخ أحمد حسانين كان نموذجًا طيبًا في كل شيء رحمه الله وتقبله في الصالحين، اللهم آمين.

 

نشاط فكري وثقافي

 الصورة غير متاحة

د. عصام العريان

ويتحدث د. عصام العريان- القيادي بالجماعة- عن نشاطه الفكري والثقافي في الجماعة فيقول: اختار فقيدنا العزيز، رحمه الله وغفر له، أن يعمل في صمتٍ في ميدان من أهم ميادين العمل الإسلامي، وهو نشرُ فكرة الإخوان ورسالة الإسلام عبْر مئات الرسائل والكتب؛ فأسس مع إخوانه "دار التوزيع والنشر الإسلامية" بعد الخروج من السجن مباشرةً، ثم "دار الطباعة والنشر".. هاتان الداران اللتان تمَّ التحفُّظُ عليهما وإغلاقُهما منذ سنة كاملة عام 2006م في إطار القضية الأخيرة التي يُحاكَم فيها قياداتُ الإخوان عسكريًّا، وتم القبض على الأخوَيْن الكريمَيْن: أحمد أشرف وحسن زلط ممن عملوا مع الفقيد لسنوات طوال في تأسيس إدارة هذه الدُّور المباركة التي نشرت الفكر الإسلامي المعتدل؛ ليواجه الأفكار المنحرفة عن طريق الوسط والاعتدال.

 

شارك الحاج أحمد حسانين- غفر الله له- في قيادة العمل الإسلامي وقيادة جماعة الإخوان المسلمين منذ خرج من السجن في منتصف السبعينيات من القرن العشرين حتى أقعده المرض، ولم تكن تشعر أبدًا أنه فوق إخوانه أو يتميَّز عنهم بمرتبة أو منزلة، بل كان قمةً في التواضع وخفض الجناح لإخوانه، يتعامل معهم كأنه واحدٌ منهم، بل كأنه أدنى منهم رتبةً ومنزلةً، وهذه هي الدرجة العليا في القيادة، لم تكن تحتاج إلى إحساسك برفعته وقيادته، بل تجد نفسك معه أحوجَ ما تكون لرأيه الراجح وفكرته الثاقبة، وكان هذا دأب هذا الجيل المبارك الذين استحقوا هذه المنزلة بتضحياتهم وصبرهم وثباتهم والتزامهم بأصول تلك الدعوة المباركة وفهمها الوسطي المعتدل.

 

ويقول: عرفنا الحاج أحمد حسانين- رحمه الله تعالى- بعد تردُّدنا على مكتب الإخوان في ميدان السيدة زينب عندما بدأوا النشاط في منتصف السبعينيات وأصدروا مجلة (الدعوة) من جديد، وعرفناه أكثر عندما تردَّدنا على شركة التوكيلات التي كان يديرها في ميدان العتبة بالقاهرة ثم "دار التوزيع والنشر الإسلامية"، وعرفناه أكثر وأكثر عندما قضى معنا شهورًا في السجن عندما ألقى السادات القبض علينا في حملة سبتمبر الشهيرة، وكنَّا وقتها نشارك الشباب في إدارة شئون السجن؛ فعرفنا فيه الصبر والثبات.

 

وكنا نكتفي في أول محنة نواجهها على طريق الدعوة بالنظر إلى وجهه الباسم ونظراته الراضية وثباته الواثق، وانتقلنا معه من سجن الاستقبال إلى ليمان أبو زعبل، وعندما تم استدعاؤه إلى سجن القلعة للتحقيق بعد شهور، وكانت قصص التعذيب في سجن القلعة تتواتر بعد أن تم احتجازي وبعض الإخوان فيه لشهر أو يقل أو يزيد تحت وطأة التعذيب الشديد، أشفقنا عليه مع كِبَر سنِّه، وعندما عاد سألناه عما حدث، فاكتفى بأن قال: عندما تم عرضي على المحقِّق وأنا مغمى العينين قلت له: إنني أعرف لماذا جئت؟ لقد صدر ضدي حكمٌ بالإعدام في عام 1954م وتأخَّر تنفيذه حتى اليوم، وهاأنذا أتيت كي تنفِّذوا فيَّ حكم الإعدام، فما كان من الضابط إلا أن قام بالاعتذار لي وأخذ يهدِّئ من روعي، ويحاول أن يتخلَّص من الموقف، فلم أمكث إلا أيامًا قلائل حتى عدتُّ إليكم دون إيذاء أو تعذيب، ولله الحمد والمِنَّة.

 

المعايشة

 الصورة غير متاحة

سيد نزيلي

وتحدث عن تجربة الاعتقال الداعية المربي سيد نزيلي فأوضح أنه يتكلم عن أستاذنا- رحمه الله- نتيجة المعايشة والاقتراب اللصيق من شخصه الكريم في السجون قرابة 8 سنوات في سجن قنا وفي مزرعة طرة- أي من عام 1968 حتى عام 1975م- ثم كان على صلةٍ به متينةٍ على مدى سنواتٍ طويلةٍ تلميذًا له، متأسيًا به، آخذًا بنصائحه وتوجيهاته في الأمور العامة والخاصة.

 

ويقول: إن الفقيد كان- رحمه الله- سهلاً، سمحًا، رفيقًا بإخوانه، عطوفًا عليهم، رحيمًا بهم، جمَّ الأدب، وافرَ العطف، عظيمَ التواضع، يتعامل مع كل أخٍ من إخوانه وكأنه الوحيد الأثير لديه؛ حيث يعطيه كل الاهتمام وكل الرعاية، ويسأل عن أدق أموره وتفصيلات شئونه، ويخرج الأخ من جولته معه هذه بمعانٍ كثيرةٍ، وراحةٍ نفسيةٍ عظيمةٍ، ودروسٍ رائعةٍ.

 

وأضاف أنه كان- رحمه الله- قليلَ الكلام، كثير الصمت، لا يعتلي المنابر، ولا يُكثِر من الخطب والمقالات، ولم يكن وجهًا إعلاميًّا يُطلُّ به على الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة، رغم أنه كان شخصيةً آسرةً، يُؤثِّر في غيره، ذا "كاريزما" بارزةٍ، وطلعةٍ مَهيبةٍ، وبسمةٍ باديةٍ على محيَّاه الجميل البهي، يلزم كل مَن يراه أو يتعامل معه أو يلتقي به على احترامه وحبه وتقديره، ومن ثَمَّ الاستماع إليه، وتفهم ما يريده وما يسديه من نصائح وتوجيهاتٍ نافعةٍ ومفيدةٍ بإذن الله.

 

رجل الحكمة والرشد

 الصورة غير متاحة

الحاج محمد نجيب

الحاج محمد نجيب خلافًا لما سبق ذكره من مآثره نشب بينه وبين الحاج حسانين خلاف بسيط، فيشير إلى أنه لا ينطق إلا بالحكمة، وكانت كلماته تحمل المعاني السامية، والتوجيهات الرشيدة، وكان يتكلم بحب القائد الشديد المعافى وكان قليل الضحك كثير الابتسام قدوة لكل من خلفه من جنود النظام، وألمح الحاج نجيب إلى أنه تعرَّف على الإمام البنا أواخر الثلاثينيات وسمعه مع بعض ممن سبقوه مع الإمام البنا، فدعوا الحاج حسانين وحضر وسمع الأستاذ البنا وهو ينادي بالتلبية والإعداد للجهاد، فأعد نفسه حتى صار قائدًا من قيادات الجماعة، وكان يعمل في سلاح المهمات؛ لافتًا الانتباه إلى أن له مواقفَ كثيرةً مع الفقيد ويقول: لا أنسى أنني اختلفت معه في أمر فيه مصلحتي فغضب وأعرض عني، فوقفت محمومًا، وأظلمت الدنيا في عيني، ولقد رآني عمي الشيخ شحاتة، فقال لي: ما لك جمدت كده ليه؟! فقلت له: لقد غضب مني الحاج أحمد، فقال لي: لا تغضب سأطلبه في التليفون وأعتذر بالنيابة عنك لعله يرضى، فطلبه واستسمحه، وقال: لا تغضب منه فهو يتأذَّى ولن يعصي لك أمرًا أبدًا، فسمع منه كلمة طيبة فأعادت إليَّ راحتي وطمأنتْني ولله الحمد.

 

ولقد استقال الحاج أحمد من عمله في المهمات، وأصبح يعمل أعمالاً حرةً سريعةً؛ حتى لا يغيب عن موقعه أمام الأستاذ البنا، وفي يومٍ افتقده الأستاذ البنا وقال له: "أنت فين يا أحمد؟!"، حيث أخذ بعض الإخوة منه مبلغًا لاستثماره في مشروع جيد، وكان مشغولاً به فذهب إليهم، وفرحوا بوصوله وأخبروه بأنه نجح، وهو مشروع الشاي، وبعد ذلك انتشر وهو مشروع "الشيخ الشرِّيب"، ولقد استقال الحاج أحمد فاستردَّ مبلغه وعاد تحت عين الإمام البنا.

 

ومن حسن الحظ أن الله أكرمنا واعتُقلنا في شهر 9 عام 1994 وكان الحاج أحمد قد اعتُقل في هذا الوقت على إثر مشروع السكان والأسرة؛ لأنه بعد انتهاء اجتماعات مؤتمر الصين وجدوا رسالة الأسرة والمرأة في الإسلام بالمؤتمر كله، غمروه بالرسالة، فهاجت السلطة في مصر، وبعد تفتيش دقيق لم يجدوا لها أثرًا، فقُبض عليه وبدأ ضباط أمن الدولة يحاورونه بعد التفتيش في كل المواقع لمدة 9 ساعات، لدرجة أنهم أُرهقوا وطلبوا منه أخذ قسط من الراحة، فقال لهم ارتاحوا واتركوني أرتاح في بيتي فرفضوا، فقال لهم إذن انتهوا من التحقيق الآن فسألوه عن المضبوطات، فقال لهم: هذه التي تربَّى عليها أولادكم، فهي مشروع أمة.

 

كان يوظِّف كل واحد منا في مكانه في المعتقل؛ حتى أصبح العدد البسيط المعتقل كخلايا نحل، وكان يتحدث عن قضية الأستاذ البنا، وكنا سعداء جدًّا به معنا، وكان معنا عدد كبير جدًّا من الإخوان، منهم الشيخ لاشين أبو شنب، فكانت فترة مهمة ومفيدة جدًّا.

 

شجاعة الرجال 

 الصورة غير متاحة

م. علي عبد الفتاح

أما المهندس علي عبد الفتاح فيقول: جمعني بالحاج حسانين سجن أبو زعبل عام 1981 وكنا شبابًا صغار السن، نتوهم أننا أكثر قوةً وشجاعةً من الإخوان الكبار، فلما سُجِنَّا عام 81 ومرَّ الشهر الأول والثاني كان يقول بعضنا لبعض "هل رأى أحدكم رؤية تحمل خبر إفراج؟" حيث انزعجنا لطول الفترة، فأشار لي أحد الرجال الكبار على رجل كبير السن يمشي نشيطًا، وقال لي إن هذا الرجل حُكِمَ عليه بالإعدام ثم خُفِّفَ، ومضى في السجن أكثر من 20 عامًا، وما من قرار اعتقال للإخوان إلا شمل اسم الحاج أحمد حسانين، على سبيل المثال قضية السيارة الجيب وعام 54 و81.

 

فدارت الأسئلة في نفوسنا: هل يمكن إن كان أحدنا في مكانه، وفك حبل المشنقة عن رقبته وكُتب له عمر جديد هل يعود لنفس الطريق؟ أم أنه سوف يجري إلى بيته ويغلق بابه عليه ويشكر الله عز وجل على أن أنجاه من الموت؟ هل ممكن أن يعرِّض الإنسان نفسه للموت إلا إذا كان مقتنعًا بأجر أكبر من الدنيا وأعظم من الحياة وأهم من المال؟!

 

هذه الأسئلة دفعتني إلى الاعتراف بأن هؤلاء الرجال أشجع منا وأصلب منا وأكثر إخلاصًا، ويضيف: ثم جمعني لقاء معه ومجموعة من الشباب فقال لنا: "لماذا أنتم قلقون؟ الذي يقلق هو الذي سوف يخرج من هذا السجن ولا يعود إلى دعوة الإخوان، أما من قرر الاستمرار فسيعود للسجن مرةً بعد مرة"، فحسمت الأمر في نفسي هل أريد الاستمرار أم لا؟ ثم اعتقلت أكثر من 12 مرةً منذ تلك اللحظة، والتقيت به مرات عديدة فكان يُرى صامتًا وينطق قليلاً بكلام الحكماء، ويعطي لنا مثلاً بأن ميدان الأفعال أهم من ميدان الأقوال.