في رؤيته للنهضة الاقتصادية للأمة، يتناول الإمام الشهيد حسن البنا النُّظُم الاقتصادية، موضحًا أنها ما بين رأسمالية واشتراكية، ويشدِّد على ضرورة الأخذ بالنظام الإسلامي، قائلاً: "أعتقد أنه لا خيرَ لنا في واحدٍ من هذه النُّظُم جميعًا؛ فلكلٍّ منها له عيوبُه الفاحشة، كما له حسناتُه البادية، وهي نُظُمٌ نبتت في غير أرضنا؛ لأوضاعٍ غير أوضاعنا، ومجتمعاتٍ فيها غير ما في مجتمعنا، فضلاً عن أن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدِّي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف".

 

بهذه المقولة صدَّر الدكتور عبد الحميد الغزالي- الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- كتابه تحت عنوان: (الفكر الاقتصادي عند الإخوان المسلمين).

 

 الصورة غير متاحة

الإمام الشهيد حسن البنا

قسَّم الدكتور عبد الحميد الغزالي كتابة إلى جزءين: الأول يشمل خمسة أبحاثٍ في فكر الإمام الشهيد حسن البنا، والجزء الثاني يتناول الفكر الاقتصادي للإخوان على درب الإمام، وفي هذا الجزء عرضٌ لبعضٍ من أفكار المرشدين: المستشار حسن الهضيبي، وعمر التلمساني، ومحمد حامد أبو النصر، ومصطفى مشهور، والمستشار محمد المأمون الهضيبي، والمرشد الحالي محمد مهدي عاكف، ثم عرضٌ لبعضٍ من أفكار الجماعة، من خلال البيانات التي صدرت عنها في وقتٍ سابقٍ.

 

ويُنهي الدكتور الغزالي الكتاب ببعضٍ من أفكار بعض القيادات، عرض فيها لكتابات العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمد عبد الله الخطيب، والشيخ جمعة أمين عبد العزيز، والدكتور محمود غزلان؛ لينتهيَ بالفصل الخامس والأخير الذي عرض فيه الأساسياتِ المصرفية الإسلامية، واقتصاد الأمة ومستقبله، ثم الاقتصاد المصري وتنميته.

 

التجربة المصرية

ويسلِّط الدكتور عبد الحميد الغزالي الضوءَ على التجربة المصرية والنظام الاقتصادي، من خلال توصيف الإمام الشهيد حسن البنا للوضع المصري؛ حيث كلَّف الإمام الأخَ العاملَ بأن يدَّخر من ماله جزءًا مهما كان يسيرًا وبحسب ظروفه المالية؛ "حتى يتعوَّد على الادِّخار، مهما قلَّ دخلُه؛ احتياطًا للطوارئ".

 

ويضيف: إن الإمام الشهيد كان يحثُّ الإخوان على العمل الحر، وإقامة مشروعات؛ حتى يكون الأخُ على صلةٍ مستمرَّةٍ بالمجتمع، وبالتالي يحسِّن من مستواه ووضعه المادي، الذي حتمًا يكون له تأثيرٌ على الدعوة مباشرةً.

 

ويشير إلى أن الإمام الشهيد كان يحب في مرحلة تكوين الإخوة العاملين أن يبتعد الأخ عن الشبهات، وليس هناك شبهةٌ أكثر من شبهة جمع المال الذي لا يُرى أثره عاجلاً؛ ولذلك عندما شمَّر بعض الإخوان عن سواعدهم للنزول في الميدان الاقتصادي؛ لمنافسة المال اليهودي والأجنبي، لم يوافق الإمام إلا بشرطَين: أولهما في عدم الخلط بين النشاط الدعوي والاقتصادي، وثانيهما ألا تكون هناك صلةٌ بينه وبين هذه الأعمال، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ؛ صيانةً لشخصه ووقته.

 

فكر المرشدين

ويعرض الدكتور الغزالي أساسًا عامًّا للمرشدين كان هاديًا لهم، فوجد أن الفهم السليم كان داعمًا للأساس الفكري، وعمقًا للتأصيل الفقهي لرسالة الجماعة بعامةٍ، ولمشروع النهضة والتنمية المستدامة لمصر والأمة العربية والإسلامية المُتضمَّنتان في فكر الإمام الاقتصادي بخاصةٍ، فكان هؤلاء المرشدون أمناءَ على هذه الدعوة وحرَّاسَها، محافظين على قوام منهجها، ووسطية توجُّهها، واعتدال حركتها.

 

ويرى الدكتور الغزالي أن سلوكيات المرشدين التالين للإمام البنا كانت عرضًا جيدًا وشائقًا للحالة الاقتصادية والأزمة التي تعيشها مصر والأمة العربية والإسلامية؛ حيث حدَّدوا كيفية الخروج منه بالعودة إلى شرع الله، موضِّحين أنه لا توجد صلةٌ بين الحكومة الدينية التي يردِّدها البعض نقلاً من الفكر الكنسي وبين الحكومة الإسلامية التي تُعدُّ حكومةً مدنيةً بامتياز، ولكن ذات مرجعيةٍ إسلاميةٍ، وبذلك تحصل هذه الدولة على نصيبٍ عادلٍ من العلاقات الاقتصادية مع بقية دول العالم.

 

 الصورة غير متاحة

الأستاذ محمد مهدي عاكف

وبشكلٍ خاصٍّ يرى الدكتور الغزالي أن الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد الحالي- كانت له بصمةٌ واضحةٌ على الجماعة ظهرت في ربطه بين التقدُّم الاقتصادي والاهتمام بمجال بناء الإنسان؛ حيث استهدف في ذلك احترام ثوابت الأمة المتمثِّلة في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واهتمامه بتربية النشء نظريًّا وعمليًّا على مبادئ الإيمان والأخلاق الفاضلة.

 

ويؤكِّد أن قضية الإصلاح كانت من أهم شواغل المرشد الحالي؛ حيث اعتبر أن الشعب مصدرُ السلطات؛ فلا جوازَ لأحدٍ أو حزبٍ أو جماعةٍ أو هيئةٍ أن تزعُم لنفسها حقًّا في تولِّي السلطة؛ حيث إن تداول السلطة يكون عبر الاقتراع الحر النزيه، كما رأى أن حرية الاعتقاد مبدأٌ لا بد أن يكون له أثرُه في حرية إقامة الشعائر الدينية لجميع الأديان السماوية المعترَفِ بها.

 

مكافحة الفقر

وعَرَض الدكتور الغزالي للإصلاح في مجال التعليم والبحث العلمي من وجهة نظر المرشد العام، وتبعها بعرضه لرؤيته في مجال مكافحة ظاهرة الفقر والإصلاح في مجال الإصلاح الاجتماعي، ثم وضَّح دور الأقباط والمرأة؛ باعتبارهما من أهم الملفات التي تُلقي بظلالها على الجوِّ العام.

 

وفي نهاية حديثه أفرد عناوين لرؤية المرشد الحالي في المجال الثقافي، والذي رأى ضرورةَ حريةِ تداولِ المعلومات، وتشجيع الندوات والمؤتمرات والمعارض، وتشجيعه للسياحة العلمية وسياحة المؤتمرات، وترشيده للسينما والمسرح بما يتَّفق ومبادئَ وقيمَ الإسلام.

 

وفي النهاية عرض للرؤية الخاصة بالمرشد إزاء القضايا القومية "فلسطين والعراق"؛ ليؤكِّدَ أن محمد مهدي عاكف استطاع أن يرسم صورةً مختلفةً للانطلاق الحضاري، من خلال إيمانه بأن الاقتصاد نقطةُ انطلاقٍ حقيقيةٍ نحو التطور.

 

ويشير الدكتور عبد الحميد الغزالي إلى أن الجماعة كانت سبَّاقةً في الوصول إلى عدة رؤى ودعم هذه الرؤى، وضرب منها أمثلةً: مثل تشجيع إنشاء مُجمَّعاتِ الإسكان الوظيفي المُلحَقة بالمؤسسات العامة، كالمدارس والمستشفيات، والشركات العامة والمصانع الكبيرة؛ الأمر الذي يعمل على تأمين حاجات الموظفين والعمال، علاوةً على طرح الجماعة ضرورة الاستخدام الأمثل لعوائد صادرات الثروات المعدنية في مجالات التنمية الأساسية والخدمات الاجتماعية، ووضع قواعد وضوابط بهدف تخفيض تكاليف استخراج الثروات الطبيعية، من خلال التحرِّي الدقيق لنفقات الشركات المُنقِّبة والمنتجة، والتفتيش على أعمالها.

 

وتحت عنوان "من فكر بعض قيادات الجماعة" عرض الدكتور الغزالي بعض الأفكار الاقتصادية للشيخ الخطيب والشيخ جمعة أمين والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور محمود غزلان، مُسلِّطًا الضوء على طريقة الإمام الشهيد حسن البنا في تربية الأفراد، وأن هذه التربية كانت سببًا في ضبط السلوك وعدم الاصطدام بالآخرين؛ حيث جعل الإسلامَ المعيارَ الحقيقيَّ للحياة في هذه التربية.

 

وحول الأساسيات المصرفية الإسلامية ناقش الدكتور الغزالي قضية الربا والفائدة المصرفية ونشأة المصارف الإسلامية، واعتبر أن من أهم الأخطاء في هذا الشكل القول بحيادية علم الاقتصاد وبُعده عن الاعتبارات القِيَميَّة والأخلاقية؛ تأكيدًا لصبغة الماديَّة، واهتمامها الأكثر بالأشياء.

 

وأضاف في هذا الشأن قائلاً: إن النظام الإسلامي- بمفاهيمه ومدركاته وثوابته ومتغيراته، وتوازناته ومحرِّكاته، وحريته وقيوده، وضوابطه وأحكامه، وقِيَمِيَّته وماديته، وتراثيَّته وتقدميته، وكفاءته وعدالته، وديمومة صلاحه وإنجازاته مكانًا وزمانًا- تتمثَّل غايته في عبادة الخالق تبارك وتعالى بالمعنى الواسع، والذي يشمل فرض "إعمار الأرض" تحقيقًا للحياة الطيبة الكريمة، أي توفير "تمام الكفاية" لكل فرد يعيش في كنفه.

 

وحول واقع "اقتصاد الأمة" ومستقبله، تحدَّث الدكتور عبد الحميد الغزالي عن التخلُّف الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وتحدَّث بشكلٍ مستفيضٍ عن العولمة، واعتبر أن من مُسلَّمات المعرفة الاقتصادية أن يتم هذا النشاط وفقًا لمستوياتٍ مختلفةٍ، تشمل الفرد والأسرة، والمنشأة والمنطقة، والدولة والإقليم والعالم، فيغطي الاقتصاد العالمي هذه المستويات بوصفها منتجةً وموزّعةً، ومستهلكةً أو مستخدمةً للموارد الاقتصادية، والتي يتم تداولها على الصعيد العالمي.

 

وتحدَّث الدكتور الغزالي عن التعاون الاقتصادي والاكتفاء الذاتي والاقتصاد المغلق والاعتماد المتبادل والاقتصاد المفتوح، واعتبر أن ذلك كلَّه يؤهِّل لما يُسمَّى بالتعاون الاقتصادي، والذي يحضُّ عليه الإسلام.

 

الاقتصاد المصري وتنميته

وفي نهاية الكتاب وضَّح الدكتور عبد الحميد الغزالي بعضًا من مشكلات الاقتصاد المصري وكيفية علاج هذه المشكلات، من خلال الحديث عن انخفاض معدلات الادِّخار القومي، وضعف التكوين الرأسمالي والاستثمارات الأجنبية، وتدنِّي معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وحدِّة الفقر الاقتصادي، وتفاقم مشكلة البطالة، والارتفاع الجامح في الأسعار، والعبء المتزايد للدَّين العام الداخلي.

 

واعتبر أن استمداد الفلسفة الإسلامية هي الحل، وطرح لذلك عددًا من السياسات، منها ما يرتبط بالأساسيات الإنمائية عن طريق حشد المدَّخرات المحلية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ومحور آخر على مستوى النمو القطاعي، وفيه يرى الدكتور الغزالي ضرورة استغلال الزراعة، على اعتبار أن مصر دولةٌ زراعيةٌ في الأساس، ثم تأتي بعد ذلك الصناعة، والتي تُعتبر مرادفةً للتنمية الناجحة، ومحرِّكًا ناجحًا للتنمية في مصر والعمل على استثمار القطاع السكاني، والذي يُعتبر المُكوِّنَ الأساسي للاقتصاد القومي المصري.

 

وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن النقل والمواصلات والسياحة، معتبِرًا أن هذَين القطاعَين لم يُستخدَما الاستخدامَ الأمثل في تطوير الاقتصاد المصري، مرجعًا ذلك إلى انتهاج بعض السياسات المساندة للسياسات النقدية والمالية وبعض السياسات التجارية.

 

وأنهى الدكتور عبد الحميد الغزالي كتابه بالقول: إن فكر الجماعة الاقتصادي كان يمثِّل مدخلاً حقيقيَّا للنهضة.

--------------------

* رجَع الدكتور عبد الحميد الغزالي في كتابة (الذي وقع في 332 صفحة- طباعة دار البصائر للبحوث والدراسات- من القطع المتوسط) إلى 49 مصدرًا، ما بين كتابٍ ومجلةٍ وجريدةٍ.