زارتني أسرتي أول أيام عيد الأضحى المبارك، وهو اليوم الذي كنت أتحسب فيه أثر فراقي على نفوسهم؛ حيث يمثل هذا اليوم لي ولهم مناسبةً سعيدةً لها طقوس عدة كنتُ أمارسها معهم.
وبالفعل حدث ما توقعته فكانت الزيارة في بدايتها استرجاعًا لذكريات جميلة، حُرم منها الجميع بسبب حبسي ظلمًا، فكانت الدموع من الزوجة والأبناء هي وسيلة التعبير عن هذا الحزن العميق.
ونظرتُ عن يساري فإذ زوجتي تحاول أن تُداري بخمارها دموعها، ولكن أنَّى لها فقد بللت الدموع جلبابها، فضلاً عن خمارها، أما فاطمة ابنتي الكبرى فقد أدارت وجهها بعيدًا عن مرمى بصري، وزينب لم تكن أفضل حالاً، فقد حاولت أن تحبس دموعها، ولكنها فشلت فكانت دموعها قطرات مطر تنزل على وجهها، ولكن عمر تخلَّص من الموقف بلباقةٍ فاستأذن، وكأنه يريد أن يأتي بشيء ليداري عبراته.
والصغار حائرون لا يفهمون ما يحدث، يُحيرهم بكاء إخوانهم وأمهم ونحن في يوم عيد اعتادوا فيه على المرح والفرح، وراحت التساؤلات تزاحم عقولهم وتُحيِّر أفهامهم، وكان سؤالهم الذي فجَّر البكاء وأثار الشجون: هل يا أبي سترجع معنا لنذبح الأضحية معًا؟!!
ولا أخفيكم أن دموع الكبار وتساؤلات الصغار قد هزتني وآلمتني، ولكني أظهرت الجَلَد، وتصبرت حتى نهاية الزيارة، وحينما انتهت الزيارة صافحتهم، وأمسكت برفق بيد زوجتي، وأسررت لها في أذنها أن تَصبري وأظهري الجلد، وخاصةً أمام الصغار، وتركتهم ودخلت إلى زنزانتي ألعن في نفسي الظلم والظالمين.
وجلست مع نفسي تمر أمام عيني قسمات وجوههم، نظرات الحزن في عيونهم دموعهم التي تتساقط من مآقيهم، وأغمضتُ عينيَّ لعليّ أهرب من هذه المشاهد، ولكني لا زلت أرى دموعَهم تتساقط بغزارة، وحرارة، وخُيّل إليَّ أن هذه الدموع تتجمع في جدولٍ صغير، بل جداول عدة ثم تجمعت هذه الجداول لتصبح بحيرةً ثم صارت بحيرة الدموع بحرًا هادرًا فمحيطًا ثائرًا، ثم تفرَّق الماء في ثلاثة اتجاهات كل اتجاهٍ فيه أمواج متلاطمة ولجج عالية.
وشاهدت الماء في الاتجاه فإذا به يفيض، ويرتفع وتعلو أمواجه، وفي الماء أجساد تطفو، وتغطس، وتعلو، وتهبط، وسمعتُ صراخًا وأصواتًا تعلو قائلةً أنقذونا اقتربت المياه، وبدأت أبصر فيها مَن هذا؟ هذا.. الذي جاء إليَّ في منتصف الليل، وفي وسط برد الشتاء قبض عليَّ ظلمًا، وعدوانًا، وهذا الذي شهد عليَّ زورًا، وذاك إنه رئيسهم الذي أمرهم، وأبصرت معهم جمعًا غفيرًا أيقنتُ أنهم زبانيتهم وجنودهم الذين أطاعوهم، وعصوا ربهم.
إنهم كلهم يغرقون، يتألمون يصيحون، واندفع الماء بهم نحو وادٍ سحيق، ومن هذا الوادي يتصاعد دخان كثيف، ورأيتُ ثعابين رءوسها تستقبل القادمين عليها تلدغهم تصعرهم، تقتلهم، ورأيتهم يموتون ثم يحيون، ثم يموتون ثم يحيون، أصواتهم وهم يصطرخون فيها سائلين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، ونظرتُ فوجدت على باب الوادي السحيق مكتوبًا هنا "جهنم"، هنا مـأوى الظالمين فحمدتُ الله تعالى أني لستُ منهم، وأني نجوتُ من هذا العذاب اللعين.
ونظرتُ مرةً أخرى نحو الماء النابع من المحيط؛ حيث يتجه الماء نحو اتجاهٍ ثانٍ، فوجدت الماء يتجه نحوي فقلت في نفسي يا الله هل سألقى مصير السابقين؟ واقترب الماء مني، وأنا خائف حزين، واقترب الماء فوجدت مياهه تعلوني، ويغرقني، وفجأة جاءت سفينة فحملتني، ومن الغرق أنقذتني، وأنا فوق السفينة تذكرت أسرتي أين أبي، وأمي، وأين زوجتي، وأبنائي؟ وقبل أن أكمل السؤال وجدتهم على السفينة بجواري، وجاءني رجل بهي المنظر، جميل المحيا، قائلاً: مرحبًا بكم أنا معكم حتى أوصلكم بر الأمان سألته إلى أين تحملنا؟ قال ستعرف، قلتُ ومَن أنت؟ قال أنا خادمك، وربان سفينة نجاتك، خلقني الله من دموع أبنائك حزنًا على فراقك، وبعد رحلةٍ قصيرة وجدتني دخلتُ، ومن معي في السفينة في نهرٍ عظيم استوت السفينة على شاطئ في جنته وهي فيحاء، فيها حدائق غَنَّاء، وقصور سامقة، واستراحات شامخة، واجتمعت حولي نساء كأنهن الحور العين، فسألت: أين أنا؟ فقالت لي إحدى الحوريات انظر أمامك، فوجدت مكتوبًا أمامي هنا "جنة الخلد"، هنا مأوى المجاهدين الصابرين، فهتفتُ أنا وأسرتي الحمد لله رب العالمين.
وقفتُ على ربوةٍ عاليةٍ وتفرَّع الماء فوجدت فرعًا ثالثًا يتجه نحو بلدٍ مأهولةٍ وكثُر الماء، وازداد موجه وتفرَّع الماء إلى فروع عدة، فرعه الأول ذهب إلى صحراء فأصبحت مروجًا خضراء، وفرع ذهب إلى أرض جدباء فصارت مزدحمةً بمصانع جبارة ومنتجات سيارة، ثم أبصرتُ نفرًا من الناس قد غمرتهم المياه فغيرت طباعهم فمن كان ساكتًا عن حقِّه صار به مطالبًا، ومَن كان خانعًا طبعه صار مجاهدًا، ووجدتُ بين الناس حاكمًا عادلاً بينهم مقسطًا، فسألتُ في نفسي بلد مَن هذا وما هذا الذي يحدث فيها؟ فجاءني هاتف هذا هو بلدك، والذي يحدث فيها هو أثر إصلاحكم، وبعد لحظاتٍ مرت كأنها الساعات أفقتُ من غفوتي فوجدتني ما زلتُ في زنزانتي، ولكني قمتُ فتوضأت للصلاة، قمتُ دعوت ربي "رب لا تجعلني في القوم الظالمين، رب اجعلني من المجاهدين الصابرين، رب أصلح بلدي واجعلني من المصلحين" اللهم آمين.
-------------
* من المحالين إلى المحكمة العسكرية