بالأمس القريب هبَّ علينا تيار العنف المتطرف منحرفًا يمينًا، مصطدمًا بأبجديات الدعوة، متجاوزًا لوسطيتها، وطارحًا خلف ظهره مبدأ الموعظة الحسنة والتربية المتأنية، وذلك كله بغية الوصول إلى كرسي الحكم في أي قطر كان بأقصر الطرق كما تصور أصحاب هذا التيار.
واليوم يهب علينا تيار على النقيض من سلفه قد انحرف يسارًا، استهواه خيار المصالحة والتقارب مع خصوم الدعوة عالميًّا ومحليًّا على حساب الثوابت وبدعوى المرونة والحنكة السياسية، وذلك أيضًا بغية الوصول إلى نفس الهدف- كرسي الحكم- بأقصر الطرق كما يتصورون.
وإن كان منهج التيار الأول قد قُتل بحثًا حتى ثبت لأبناء الدعوة حقيقة فشله وانحرافه، فإن منهج الأخير- والذي ما زال في حكم المستجد على الساحة- لم يفند بعد كما ينبغي، لا سيما أنه يستميل بعضًا من عقول أبناء الدعوة بدرجات وقناعات متفاوتة، مما استوجب ضرورة خوض هذا الغمار لتصويب ما اعوج وإعادته إلى وسطية الدعوة دون إفراط ولا تفريط.
ولعل هذه الرسالة إسهام في هذا الاتجاه!!.
![]() |
|
خالد البلتاجي |
حري بدعاة اليوم- وفي كل زمان ومكان- أن يعوا مهمتهم تمام الوعي ويدركوها غاية الإدراك، فيسألون أنفسهم من آنٍ لآخرَ: ما هي مهمتنا تحديدًا؟ إذ من البديهي أن تنبثق منها كافة صور العمل الدعوي وأنماطه، وإلا ظلت الجهود مبعثرةً على جانبي الطريق لا تصب في اتجاه صحيح.
ولعل الشائع عند عموم دعاة اليوم أن المهمة تنحصر في مشروع دولة تقيم الدين الصحيح الشامل، فتطبق الشرع وتسعى إلى نهضة الأمة ووحدتها وتحرير أرضها المغتصبة وإعادة أستاذيتها للعالم لتكون منارةَ هدايةٍ للبشرية.
ولست أتطرق هنا- كما هو معتاد- إلى تفنيد ما اختلف عليه حول طريقة إنجاز هذا المشروع أو إلى ترجيح ما أؤمن به من ضرورة الإعداد الكافي لجيل يتحمل أعباء تلك الدولة دون استعجال يؤدي إلى فشل أكيد، لكنني أتطرق إلى مراجعة حصر المهمة في هذا المشروع الشائع- مشروع دولة- إذ يعد ذلك اختزالاً للمهمة الأساسية، والتي أود إبرازها وتسليط الضوء عليها في هذا الموطن، والتي غالبًا ما تتلاشى في طيات المهمة الشائعة التي ذكرت نتيجة التداخل الشديد بينهما، ذلك رغم أن المهمة التي نود إبرازها هنا هي الأولى في الأهمية والأسبق في التكليف، مما يستوجب عدم الإخلال بذلك الترتيب ألبتة إذا تعارضت المهمتان في موقف أو مواقف ما.
إنها مهمة الدعوة، والتي من أجلها سمي الدعاة دعاةً، مهمة إبلاغ الإسلام الصحيح إلى الناس عامةً والمسلمينَ خاصةً، مهمة الإنذار والتبشير وإقامة الحجة، مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجموع الأمة؛ إعذارًا إلى الله عز وجل، مهمة الحفاظ على صحيح الدين ضد عبث أهل البدع وتحريف المنافقين، مهمة نقل الدين سليمًا معافَى إلى الأجيال التالية دون تغيير أو تبديل، تلك هي المهمة الأساسية، محددة ومجردة عن أية مهام أخرى قد تتداخل معها أحيانًا فتنسينا إياها.
إنها التكليف الأول من الله عز وجل للرسل والأنبياء والدعاة في كل زمان ومكان، لأنها عنصر رئيسي بدونه تختل منظومة التكليف التي اقتضت حكمة الله أن يخلق الإنسان على أساسها.. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115)﴾ (المؤمنون)، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (المُلك: من الآية 2)، فقد خلق سبحانه الإنسان لوظيفةٍ محددةٍ تتمثل في عبادة الله وخلافته في الأرض، بالتالي عليه تنفيذ تكليفاته وأوامره، وإلا فالعذابُ بعد الحسابِ يوم الحسابِ، فكان لا بد إذن من إبلاغ الإنسان تلك التكليفات والمتمثلة في الرسالات السماوية، وعليه، كان لا بد من تكليف طرف يبلغ تلك الرسالات، وهم الرسل والأنبياء وأهل الاستطاعة من أتباعهم.. ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: من الآية 165).
ومن هنا كان الإخلال بذلك التكليف وتلك المهمة- مهمة الدعوة وإبلاغ الرسالة- إخلالاً بالمنظومة كلها، إذ كيف يحاسب سبحانه من لم تبلغه الرسالة وهو القائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 16)، وعليه فالحساب والعذاب سيكون للطرف المكلف بالتبليغ إن قصر في مهمته، وحتى لو أتم المهمة فلن يمر الأمر دون مساءلة.. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾؟ (المائدة: من الآية 109)، ومن ذلك سؤال الله لعيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ (المائدة: من الآية 116).
ولم يتركنا القرآن دون إمدادنا بواقعة حقيقية كي ندرك حجم تلك المهمة وحساسيتها، ذلك لما عاقب الله نبيه ذا النون على تركه قومه بعدما ضج بإعراضهم عنه وهجرهم إلى قوم آخرين، فكان مكثه في بطن الحوت دهرًا حتى قبل الله توبته.. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87)﴾ (الأنبياء).
وبصرف النظر عما تقدم من أن الإخلال بإبلاغ الرسالة إخلالٌ بالمنظومة، فإن أهمية إبلاغ أية رسالة إنما يتناسب مع مكانة المرسل، فكيف إذا كان من أرسلها هو الله الخالق؟، بالتالي فإبلاغ رسالته إلى خلقه هي مهمة تبلغ من الخطورة والحساسية ما يتناسب مع عظمته وقدسيته سبحانه، وعليه، فالتقاعس أو التقصير في ذلك أو حتى التساهل في دقة النقل يعد معصيةً كبرى ولو وقع من نبي مرسل.
أما محمد- صلى الله عليه وسلم- خاتم المرسلين فقد كانت الآيات أكثر وضوحًا في تحديد المهمة، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (البقرة: من الآية 119)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾ (الأحزاب).
واستخدم القرآن أسلوب القصر للتوكيد على مهمته صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)﴾ (الفرقان)، وكونه- صلى الله عليه وسلم- النبي الخاتم يقتضي أن تنسحب مهمته تلقائيًّا إلى أتباعه.. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108).
وبالتالي فهي مهمة الأمة كلها والتي استحقت بها الخيرية على سائر الأمم، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، فإن لم تقم بها الأمة كلها فلتقم بها جماعة عن الأمة، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).
فهي إذن فريضة ثابتة مفروضة على الأمة لا مجال للتراجع عنها أو مجرد التقصير فيها، وإلا فهو العقاب من الله كما عاقب بني إسرائيل على تركها، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة)، وفي الحديث "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" (الترمذي، حديث حسن).
(2)
غير أن الأمر يحتاج إلى شيء من التبيان، إذ ماذا يبلغ النبي- صلى الله عليه وسلم- عن ربه، وكذا الدعاة من بعده؟ ولقد أورد القرآن الإجابة مختصرةً واضحةً: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: من الآية 67)، فهذا تكليف من الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- بإبلاغ الإسلام- كل الإسلام- دون أدنى انتقاص أو إضافة أو تغيير، ولو تم شيء من ذلك- حاشاه (صلى الله عليه وسلم)- فكأنه ما بلغ الرسالة ولا أتم المهمة، وتلك معصية كبرى في حق الخالق العظيم كما أسلفنا.
ولقد جاءت الآيات في غير موطن داعمةً لهذا المعنى:
ففي "القلم" نهي صريح أن يلبي دعوة المشركين للمداهنة والتنازل عن بعض أجزاء الدين:
﴿فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾ (القلم)، وفي "الإسراء" تهديد عنيف موجه إليه (صلى الله عليه وسلم) لو أنه- حاشاه- قد استجاب لهم ولو شيئًا يسيرًا ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)﴾ (الإسراء)، وفي الحاقة تهديد ووعيد بنفس المعنى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)﴾ (الحاقة).
ولقد أتم النبي- صلى الله عليه وسلم- مهمته غاية الإتمام فبلغ الرسالة وأدى الأمانة وأفنى عمره في سبيلها، فكانت الدعوة السرية، ثم الجهرية، ثم الهجرة، ثم القتال، ثم الفتح، وإقامة دولة الإسلام في جزيرة العرب ليدخل من يشاء في دين الله دون خوف من سلطان جائر.
وعلى طول تلك الرحلة بأحداثها وضغوطها ومحنها المتتالية لم يغير (صلى الله عليه وسلم) ولم يبدل ولم يوار شيئًا من الدين ولو قيد شعرة، متوكلاً على الله في كل خطواته لا يخاف أحدًا حتى أتم الله الدين، ولكم حذر (صلى الله عليه وسلم) أصحابه من خطورة الانسياق وراء التحريف والتبديل في الدين ولو بشيء يسير، ومن أبرز تحذيراته لهم ما صدع به في حجة الوداع: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، وواصل أصحابه المهمة من بعده، فانطلقوا شرقًا وغربًا مبلغين دين الله كما أنزل، قد أسقطوا من طريقهم كل من وقف حائلاً دون وصول دعوة الله إلى الناس، ولا زالت كلمات الصحابي الجليل ربعي بن عامر- في مقابلته الشهيرة مع قائد الفرس- تدوي في جنبات التاريخ: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
(3)
نستطيع إذن أن نقرر بأن المهمة الأولى لدعاة اليوم وفي كل زمان- والتي هي امتداد لمهمة النبي- صلى الله عليه وسلم- إنما هي الإبلاغ، إبلاغ الإسلام كله عقيدةً وعبادةً وشريعةً، دون انتقاص أو إضافة أو تغيير، وما يلحق بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لجموع المسلمين.
ونستطيع إذن أن نقرر بأن السعي لإعادة الفهم الصحيح والشامل للإسلام هو أبرز تطبيقات تلك المهمة اليوم وذلك بعدما تعرض هذا الفهم من مسخ وتشويه نعرفه جميعًا، ويلحق بذلك إنكار وفضح العلمانية بدعة هذا الزمان والتي لا هم لأهلها سوى اجتزاء الدين بتأويل نصوصه وتعطيل أحكامه.
ونستطيع إذن أن نقرر بأن دقة النقل لأحكام الدين دون أدنى تفريط هو من صلب تلك المهمة، ويلحق بذلك تحري الأصوب والأصح حين تختلف الرؤى في المسألة الواحدة، دون أدنى تأثر بضغوط من هنا أو هناك.
ونستطيع إذن أن نقرر بأن مشروع الدولة التي تقيم شرع الله وتبلغ دعوته هو مهمة تالية للمهمة الأولى التي أبرزناها، بل هي خادمة لها وبالتالي فلا يصح أن تطغى عليها، وما نود الإشارة إليه ها هنا تحديدًا أنه لا يجوز مطلقًا إقرار منكر في الفهم أو السلوك أو التهاون في إقرار حكم من أحكام الدين أو محاولة تطويعه بهدف تأمين المرور.
ونستطيع أخيرًا أن نقرر أن ذلك كله إنما هو فريضة شرعية لا مفر من أدائها، وذلك لإقامة الحجة والإعذار أمام الله عز وجل.
(4)
لكن الضغوط الهائلة التي يتعرض لها دعاة اليوم تدفع بعضهم لاستحسان الترخص فيما ذُكِرَ، لا سيما إذا ترتب على ذلك الترخص زيادة في هامش الحرية المتاح لممارسة الدعوة، وهو هامش له ما بعده، إذ سرعان ما يلتف الجمهور حول الدعاة- لثقته فيهم- وذلك بمجرد شيوع مناخ من الحرية ولو نسبيًّا، وهو التفاف سريع التوصيل إلى أروقة الحكم أو على الأقل إلى المشاركة فيه، وبالتالي فقد تتهيأ لممارسة الدعوة فرص أفضل ألف مرة من تلك المهيأة قبل ذلك، وهي معادلة يحفظها جيدًا جميع الأطراف، سواء القوى العالمية أو أنظمة الحكم في بلادنا أو الأحزاب والقوى السياسية إضافةً إلى الدعاة أنفسهم.
نعم، هناك استدراج صريح ومباشر، فالمطلوب أن يغير الدعاة خطابهم ومواقفهم في قضايا الخلاف على أنها من صلب الدين، بل هي من الأسس والمبادئ التي قامت عليها ومن أجلها الدعوة في العصر الحديث، وذلك بالمقابل الذي ذكر.
قضية المرجعية الإسلامية في القوانين وأن الأحكام الشرعية الثابتة لا مجال لمراجعتها أو التصويت عليها، قضية حرمة الأرض المسلمة وإسلامية أرض فلسطين- كل فلسطين- من النهر إلى البحر، قضية حدود حرية الفرد في المجتمع المسلم، قضية فرضية الخلافة ووحدة الأمة، وغير ذلك من القضايا.
فإن كان ذاك الاستدراج صريحًا وبالتالي فهو مرفوض من جمهرة الدعاة؛ نظرًا لأنه متعلق بالثوابت وبالإجماع. فهناك استدراج ملتوٍ ومكيرٌ وأشد خطورةً من سابقه وقد يجد صدى أعمق بين الدعاة، ومجاله اختلاف الفقهاء.
وأبرز الأمثلة ما يثار اليوم من صخب في مسألتي المرأة والأقليات إذا سلمنا أصلاً بوجود خلاف فقهي فيهما، إذ يطلب من الدعاة الانتقاء من الآراء الفقهية ما يتماشى مع التيار السائد، ومفاد ذلك أن تصير الآراء الفقهية أهواء نأخذ منها اليوم ما نستبدله غدًا بما يلبي رغبات ويحوز رضا الآخرين، دون مراعاة للأقوى والأرجح دليلاً أي دون معيار علمي، وهو سلوك إن جاز في حق العوام حينما يحتاج أحدهم إلى فتوى ما في مسألة أو أكثر على مستواه الشخصي فيتبع رأي فقيه يثق فيه دون النظر إلى دليل ذلك الفقيه لانعدام القدرة على ذلك، فإنه لا شك في انحراف ذلك السلوك عن الحق إذا سلكته جماعة دعوية تمتلك من التخصصات الشرعية والدنيوية ما يجعلها قادرةً على التمييز علميًّا بين الآراء واختيار الأقرب إلى الحق والصواب.
ثم إنه إذا ما تم انتقاء رأي ما بهذه الطريقة الخاضعة لمعايير غير علمية- إن لم تكن خاضعةً لمسايرة التيار وحسب- وأعقب ذلك تبنيه على المستوى العام ونشره بين الناس على أنه الرأي الأصوب فالانحراف هنا أشد وأنكى.
وهنا يكون الاختبار، فقد تروق لبعض الدعاة فكرة المقايضة، هذا مقابل ذاك، فيبدون استعدادًا لمراجعة الثوابت فضلاً عن استعداد أكبر للاختيار الفقهي بالطريقة التي ذكرت، وذلك مقابل حرية أوسع تمكن من الحركة الآمنة وسط الجمهور كما تسمح للجمهور بالتفاف أكثر حول الدعوة دون خوف من أعدائها المتسلطين، على أمل استدراك ذلك مستقبلاً في مناخ أفضل وبأدوات أقوى ومن مواقع أعلى.
وما درى هؤلاء الدعاة- والذين لا نشك في نياتهم- أن ذلك شرك خطير وتورط في مستنقع التنازلات، وتفريط في مهمتهم الأولى كدعاة وهي فريضة إبلاغ الإسلام وتصحيح الفهم والحفاظ على أحكام الدين وشرائعه، ودحر أي محاولات للعبث به أو الانتقاص منه أو التحريف فيه، وعلى رأسها محاولات العلمانية البغيضة.
لقد فاتهم أنهم ليسوا مكلفين بهداية الناس، وإنما هم مكلفون بإرشادهم وإبلاغهم الدين فحسب وحساب الجميع- الداعي والمدعو- على الله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ الشورى: من الآية 48)، ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: من الآية 29)، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾ (الغاشية)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية 105).
إنه لأحرى بنا أن ننصرف إلى المهمة التي كلفنا بها، تاركين الأمر لله يصرفه كيف ومتى يشاء، ﴿.... لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).
(5)
غير أنه لا بد قبل إنهاء هذه الرسالة من ضرب الأمثال الحية والاستدلال بها حتى تطمئن القلوب وتستريح لما ذكرت، وقد استدعيت ثلاثة مواقف أولها من حياة النبوة والثاني من الخلفاء الراشدين والثالث من أئمة التابعين:
الموقف الأول:
حينما نزل الوحي معاتبًا النبي-صلى الله عليه وسلم- فيما يخص زيد بن حارثة وزوجه زينب بنت جحش، لما تحرج (صلى الله عليه وسلم) من نصح زيد بأن يطلق زوجه لكونه (صلى الله عليه وسلم) قد علم- من قبل الله- بأن ذلك حادث مستقبلاً ويعقبه زواجها منه (صلى الله عليه وسلم)، وبرغم عدم نزول وحي بذلك حتى تلك الساعة وأن الأمر لم يتعد إلهامًا بما سيقع مستقبلاً أي أنه لا يوجد تكليف صريح له (صلى الله عليه وسلم) بتبليغ زيد بأمر ما، برغم ذلك فقد نزلت الآيات تعاتبه (صلى الله عليه وسلم) عتابًا قاسيًّا لمجرد شعوره بالحرج من أن ينصح زيدًا بما يراه صوابًا: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 37)، ويخرج التعقيب القرآني من هذا الموقف المحدود إلى عمومية إبلاغ الرسالة وتجنب الحرج والمجاملة للآخرين على حساب الدعوة والحذر من الخشية من غير الله عند إبلاغ رسالته إلى الناس: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾ (الأحزاب).
وهي رسالة قرآنية قصيرة ومركزه إلى كل من تحدثه نفسه من الدعاة على مر العصور أن يداهن أو يتحرج عند إبلاغ الرسالة ولو بقصد المصلحة للدعوة نفسها.
الموقف الثاني:
هو تلك الوقفة العملاقة من الصديق أبي بكر في مواجهة ما نعي الزكاة، فقد أصاب بعض أصحاب النبي رضي الله عنهم- ومنهم عمر- شيء من الالتباس فراجعوا أبا بكر في قتال مانعي الزكاة حفاظًا على كيان الدولة، لا سيما في تلك الظروف الحرجة جدًّا والمتمثلة في وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) إضافةً إلى ظهور أدعياء الرسالة واستجابة من استجاب لهم من جزيرة العرب، وذلك مقبول من حيث المنطق والنظرة العقلانية، لكن أبا بكر- وهو أول من أسلم وأفضل الأصحاب وأول الخلفاء الراشدين والأثقل إيمانًا من الأمة بأسرها- لا يلتبس عليه الفهم الصحيح ولا تختلط لديه الأولويات، فقد جاءت إجابته قويةً وحاسمةً: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه".
ووبَّخ عمر الذي كان على رأس المتحفظين على القتال: "ويحك يا ابن الخطاب، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟!"، ومن أبرز ما أثر عنه في ذلك: "أينقص الدين وأنا حي؟!".
وقد تبع الصحابة جميعًا أبا بكر فيما ذهب إليه وتنازل المعارضون للقتال عن رأيهم، ثم تلا ذلك ما تلا من أحداث نعرفها جميعًا، فكان ذلك إجماعًا وتشريعًا للأمة بأسرها.
وما أدرانا لو استجاب لهم أبو بكر يومها وفرط في تثبيت تلك الفريضة- فريضة الزكاة- والحفاظ عليها وذلك بحجة الخروج من هذا المأزق السياسي الضخم الذي تتعرض له الدولة، ما أدرانا لو سلك أبو بكر ذلك المسلك لانتقل هذا عبر الأجيال ولصار فهمًا خاطئًا للدين على غير ما أنزل الله ولسقطت فريضة الزكاة عن عامة المسلمين حتى يومنا هذا، وتلك أيضًا رسالة ثانية واضحة وجلية للدعاة على مر العصور.
الموقف الثالث:
موقف الإمام أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- في فتنة خلق القرآن، وكم تحمَّل من السجن والتعذيب ما تحمل رافضًا أن يفتي بفتوى واحدة ترفع عنه هذا الضنك، فيفتي بخلق القرآن إرضاءً للخليفة ومن تبعه من أهل تلك البدعة، ولما راجعه أحد من أصحابه كي يتنازل عن موقفه إنقاذًا لنفسه من الأذى كانت إجابته واضحة: "إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت!!".
نعم، استرحت يا أبا سعيد من هموم حمل الدعوة ومسئولية إبلاغ الرسالة وأعباء إنكار المنكر والحفاظ على الدين أمام هجوم المبتدعين، لقد كان حريًّا بأحمد- عند أصحاب الخلط- أن يتجاوز المسألة خاصةً أنها لن ينبني عليها أمر عملي، فيفتيهم بما أرادوا ويعود هو لمزاولة عمله كداعية بين الناس حيث تتاح له حينئذ مساحة لاستدراك ما أفتى به، لكنه بفقهه العميق يدرك الحدود الفاصلة، ويعلم حجم المسئولية في الحفاظ على الدين ولو في إحدى مسائله، وذلك بمواجهة هذا المنكر ورد العابثين وإنكار هذه البدعة.
وما أدرانا لو أن أحمد نزل على أهوائهم لسرت تلك البدعة بين العوام الذين يثقون به كعالم فقيه زاهد مستقل عن بلاط السلطان، ثم لسرت عبر الأجيال وصارت فهما خاطئًا للدين حتى يومنا هذا.
وتلك رسالة ثالثة واضحة الدلالة لدحض محاولات التهاون في أحكام الدين ولو بنية المصلحة للدين ذاته!!.
(6)
إنه لحري بنا أن نقتفي أثر النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين وعلى رأسهم أبو بكر وأئمة السلف ومن بينهم أحمد، إنه لحري بنا أن نقتدي بهم في صدعهم بالحق دون تردد، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: من الآية 94)، ولنحذر مما حذر الله منه نبيه (صلى الله عليه وسلم) فلا نتحرج ولو من حكم واحد من أحكام الله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)﴾ (الأعراف)، ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)﴾ (هود).
ولنؤد أمانة الله بإبلاغ الدين والحفاظ على أحكامه ونقله صحيحًا إلى الأجيال التالية غير مبدلين ولا مغيرين ولو في حكم واحد، وغير عابئين إذا خالفنا التيار السائد أو آثرنا استهجان القوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية 135).
ولنعلم انه لا فوز ولا فلاح إلا بالصبر على الحق والمرابطة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران).
وكأن الحديث قد وظف الآية السابقة فيما نتحدث بصدده: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
