- د. زهران: القضية إحدى العلامات البارزة في المشهد السياسي خلال هذا العام
- طارق إسماعيل: القضية أشعلت حب الشارع المصري للإخوان وزادت من شعبيتهم
- هاشم ربيع: "إخوان أون لاين" لعب دورًا في كشف ازدواجية المعايير التي يتعامل بها النظام
تحقيق- أحمد رمضان
"14 ديسمبر 2006م" يوم فارق في الحياة السياسية المصرية لا يقل أهميةً وتأثيرًا عن أحداث 11 سبتمبر على المستوى العالمي؛ ذلك اليوم الذي صدر فيه قرار باعتقال نحو 40 قياديًّا من جماعة الإخوان المسلمين على خلفية العرض الرياضي لطلاب الإخوان المسلمين بجامعة الأزهر في 10/12/2006م والذي أحدث زلزالاً سياسيًّا في مصر على كافة المستويات نتج عنه عده توابع أبرزها تحويل قادة الجماعة المعتقلين إلى القضاء العسكري بعد حصولهم على 4 أحكامٍ من القضاء المدني ببراءتهم من جميع التهم الموجهة إليهم سواء غسيل الأموال أو السعي لقلب نظام الحكم وغيرها من التهم التقليدية التي اعتادت أجهزة الأمن توجيهها لأعضاء الجماعة؛ فضلاً عن الحكم التاريخي لمحكمة القضاء الإداري ببطلان قرار الرئيس مبارك- بوصفه الحاكم العسكري- بتحويل قادة الإخوان للمحكمة العسكرية.
وبعيدًا عن الاستغراق في التفاصيل المعروفة للقاصي والداني؛ ومع مرور عام كامل على هذه القضية "الجائرة" تطرح العديد من التساؤلات نفسها على الساحة السياسية أهمها: ما مدى تأثير ذلك على المشهد السياسي والخريطة السياسية في مصر؟ وكيف تعاملت معها النخبة السياسية؟ ومدى تأثير ذلك على تتبع سير القضية؟ وأسئلة عديدة أخرى تدور في فلك هذه التساؤلات يُجيب عنها خبراء ورجال السياسة في مصر من خلال السطور التالية:
بدايةً يقول د. جمال زهران- أستاذ العلوم السياسية والمتحدث باسم كتلة المستقلين في مجلس الشعب- إن محاكمة قيادات الإخوان تأتي برمتها في إطار تصفية حسابات سياسية ضد الجماعة ومحاولة لاستبعاد الإخوان من أي عملٍ سواء أكان سياسيًّا أو مجتمعيًّا في إطار استئصال نشاط الإخوان القوى في المحليات.
وأكد زهران رفض كتلة المستقلين السياسة التي يتبعها النظام والتي تقوم على التخلص من الخصوم السياسيين، خاصةً أن التعددية السياسية ورفع شعار التعددية الحزبية تفرض قبول الآخر، مطالبًا النظام بضرورة فك الحصار المفروض على المعارضة السياسية، وفي المقدمة منها جماعة الإخوان المسلمين.
وأشار زهران إلى أن القضية كانت إحدى العلامات البارزة في المشهد السياسي المصري خلال العام الماضي بدليل اهتمام النظام بها، والذي لم يغض الطرف عنها، وبالتالي حظيت قضية الإخوان العسكرية بشعبيةٍ كبيرةٍ، كما أعرب زهران أن الجميع يحتشد لرفض تلك المحاكمة، فضلاً عن رفض أي محاكمة للمدنيين عسكريًّا وقصر هذه المحاكمات على العسكريين فقط؛ لأن المدنيين لا يُحاكمون إلا أمام القضاء الطبيعي، قائلاً: "نحن ضد المحاكم الاستثنائية، فالقضاء الطبيعي هو الوسيلة الوحيدة لمحاكمة الناس".
وحول قرار المحكمة العسكرية الأخير بنفي تهمة الإرهاب وغسل الأموال وتعديل التهمة إلى الانتماء لجماعة محظورة أُسست على خلاف القانون اكتفى زهران بوصفه للمحكمة بأنها مدانة دوليًّا ومرفوضة محليًّا بغض النظر عمَّا تُصدره من أحكام.
طرق كرتونية
ويرى د. طارق إسماعيل- أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- أن النظام يتبع سياسية "مسك العصا من الوسط" فيسير خطوة للأمام وخطوتين إلى الخلف في تعامله مع الإخوان، مشيرًا إلى أن محاكمة قيادات الإخوان عسكريًّا زادت من شعبية الجماعة في الشارع المصري وتعاطف الناس أكثر معهم.
وأكد إسماعيل أن التعديلات الدستورية الأخيرة كان هدفها الأساسي التضييق على الإخوان، وأن هناك استحقاقًا ثابتًا على أن تلك التعديلات هي العنصر الفاعل في عدم فوز الجماعة بأي مقعدٍ في انتخابات الشوري الأخيرة رغم أن الجماعة لم تخوضها بقوة.
وألمح أستاذ العلوم السياسية إلى أن هناك تصورًا خاطئًا عند بعض أجنحة النظام؛ وهو أن الزجَّ بأعضاء الجماعة في السجون والمعتقلات وغياهب المحاكمات سيقلل من صعود الإخوان في الشارع، إلا أنه ثبت عكس ذلك تمامًا؛ وانتقد ما وصفه بسياسة ازدواجية المعايير في التعامل مع الإخوان بطريقة كرتونية؛ ففي الوقت الذي سمحت فيه الدولة بوجود مراجعات فكرية لجماعة الجهاد إلا أن ذلك لم يحدث مع جماعة الإخوان رغم ثبوت موقفها بأنها ضد العنف ولم يثبت عليها حادثة عنف واحدة خلال عشرات السنين، ورغم ذلك تمارس الدولة مراجعاتٍ مع جماعة الجهاد وليس مع الإخوان معلقًا على ذلك بأنه يُمثل انفصامًا في شخصية النظام.
وأضاف إسماعيل أنه بعيدًا عن تقارير منظمات حقوق الإنسان في العالم حول القضية العسكرية للإخوان فإنه يستطيع القول إن الإخوان المعتقلين يخرجون من السجن أكثر ثباتًا، وأبرز مثال على ذلك المرشد العام الحالي للجماعة الذي حُكم عليه بالإعدام، ومع ذلك خرج أكثر قوةً وصلابةً، أيضًا الذين حوكموا عسكريًّا عام 1995 وأخذوا أحكامًا بالسجن لمدة 3 سنوات خرجوا بعدها أفضل من ذي قبل، بالتالي أثبتت تجربة النظام لاعتقال كوادر الجماعة خطأها.
أحكام جائرة
وأشار د. عمرو هاشم ربيع- الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- إلى أن المحاكم العسكرية رغم تعديل قانونها إلا أنها في النهاية لم تتخلص من السمات الرئيسية التي تتصف بها؛ على سبيل المثال التقاضي على درجة واحدة؛ حيث لا يوجد استئناف، وسرعة الإجراءات، فضلاً عن أنها مغلقة وسرية في بعض الأحيان، أيضًا القضاة قد يكونوا غير متخصصين أو متمرسين وأصحاب خبرة لأنهم مجرد ضباط دارسين للحقوق، موضحًا أن كل ما سبق يقلل من مصداقية ومكانة المحكمة؛ لأن الصورة المأخوذة عنها أن أحكامها جائرة وتخضع للسلطة التنفيذية لأنها تتبع وزارة الدفاع.
وأكد ربيع أن قضية الإخوان العسكرية ظلَّت حاضرةً بقوة خلال العام المنصرم باعتبار ان الإخوان أكبر قوة معارضة في الشارع المصري، كما أن الجماعة روجت للقضية من خلال موقعها الرسمي (إخوان أون لاين) الذي لعب دورًا كبيرًا في هذا المجال، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الأخرى من فضائيات وصحف سواء قومية أو معارضة، كل على حسب معالجته، ومن خلال استغلال الندوات والمحاضرات والمؤتمرات؛ بل إن المحاكمات كانت حاضرةً عبر مطاردة الحكومة لكوادر الجماعة؛ حيث يتم لفت النظر للجماعة عبر زخم الأحداث التي تمرُّ بها، وبالتالي يتم الالتفات للقضية الأم حاليًا، وهي محاكمة نحو 40 قياديًّا في صفوفها عسكريًّا.
ازدواجية المعايير
وحول ازدواجية المعايير التي يتبعها النظام مع الإخوان في مقابل القوى الأخرى، والتي برزت في الآونة الأخيرة في قبول مراجعات الجماعة الاسلامية إلا أنه أرجع ذلك إلى أن الجماعة الإسلامية عددها محدود وتوصف بالعنف، كما أن مراجعاتها درامية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما أنها مهتمة بالعمل العسكري، أما الإخوان فهي جماعة ذات شعبية واسعة مراجعاتها طفيفة وليست جذرية؛ حيث يغلب عليها الطابع التكتيكي وليس الديني، كما أنها لم تتورط في عنف؛ حيث إن مجال عملها سياسي وليس عسكريًّا.
وفي النهاية أوضح هاشم ربيع أن مشكلة الإخوان أنهم التحدي الأكبر لدى النظام؛ فالجماعات الأخرى تستخدم العنف فيواجهها النظام بالعنف، أما الإخوان فهم متوغلون جدًّا في العمل السياسي والميداني، وبالتالي تُمثل مصدر إزعاجٍ كبيرٍ، فضلاً عن أن صورة النظام في الخارج ترتبط بمدى ملاحقة السياسيين وكبت حرية التعبير التي تمارس المعارضين في الشارع السياسي المصري، وعلى رأسهم أفراد الجماعة.