- التقسيط و"الحصالة" و"الجمعيات" هي الحلول البديلة لغير القادرين

- "خروف أون لاين" أحدث طريقة للبيع عن طريق شبكة الإنترنت

- تجار اللحوم: الأسعار زادت 30% وضعف الإقبال يعرِّضنا لكارثة!!

- الولي: نسبة الفقر بمصر خطيرة والبعض لا يعرف اللحم إلا في الأعياد

 

تحقيق- نسيبة حسين

منذ أن سن الإسلام سنة الأضحية في العيد، وجاء تواصل الأجيال ومرور السنين؛ ليضيف لها بعدًا اجتماعيًّا لدى الأسر والمجتمعات الإسلامية، ويمثل للكثير منا فرصةً لاجتماع العائلة، الصغير مع الكبير، والجد مع الأحفاد؛ ليصنع فرحةً لا تُنسى لتحقيق سنة نبوية ستظل رغم كل الصعوبات المادية باقيةً، ولها خصوصيتها كل عام.

 

(إخوان أون لاين) نزل في هذا التحقيق إلى الأسواق وتابع آخر التطورات وارتفاع الأسعار وتأثيره على جمهور المضحِّين هذا العام؛ حيث شهد هذا العام ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المواشي بشكل غير عادي، ووصلت أسعار الخرفان الحية من ١٧ جنيهًا للكيلو جرام العام الماضي إلى 25 جنيهًا هذا العام، وقفز سعر لحم الماعز إلى 22 جنيهًا "حي" بعد أن كان 19 جنيهًا في العام الماضي، أما اللحم الجاموسي الصغير فارتفع من ١٣ جنيهًا إلى ١٥ جنيهًا في الأسواق، بينما في وزارة الزراعة وصلت الأسعار إلى ١٦ جنيهًا، وبعد أن كان يشترك في البقرة اثنان أو ثلاثة أصبح يشترك فيها ما لا يقل عن سبعة أفراد، فكيف يتعامل الموظف والإنسان البسيط مع هذا الوضع، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الناس؟!

 

وقد وصلت إلى مصر خلال الأسابيع الماضية دفعاتٌ من "خراف العيد"، متعددة الجنسيات المستوردة، من عدة دول إفريقية وأوروبية، وذلك في إطار سعي الحكومة المصرية إلى العمل على الحد من الارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم خلال عيد الأضحى المبارك.

 

وبعد صفقات اللحوم التي جلبتها الحكومة المصرية من السودان الشهور الماضية، التي تقل أسعارها عن أسعار اللحوم المصرية بنصف الثمن تقريبًا، أبرمت وزارة التموين المصرية عددًا من الاتفاقات مع كل من إثيوبيا وأستراليا وأوكرانيا ورومانيا ومولدوفيا ونيوزيلاندا؛ لاستيراد خراف وأبقار حية بكميات كبيرة استعدادًا لعيد الأضحى.

 

واستقبلت المواني المصرية الأيام القليلة الماضية طلائع هذه الخراف والأبقار متعددة الجنسيات؛ حيث وصل أكثر من مائتي ألف رأس خراف وأبقار من البلدان الستة، وبدأ طرحها للبيع للمواطنين بأسعار مخفضة.

 

خروف أون لاين

الطريف في الأمر أنه عند البحث على كلمة خروف (kharoof)  على الإنترنت تجد ما يوازي 500 موقع لبيع الخراف، يتم الدفع فيها عن طريق بطاقات الائتمان، ويبدأ سعر الخروف الصغير من حوالي 216$  والمتوسط بـ257.20$  ويصل الكبير لسعر 1.320.50$ ، ويوضح في الشرح التفصيلي له صور الخروف ووزنه قبل الذبح، والوقت الذي يستغرق لإرساله داخل مصر والذي يتراوح من 3- 4 أيام، ويمكن عن طريق بعض هذه المواقع أيضًا شراء اللحم أيضًا الذي يتراوح سعره بين 25 جنيهًا والـ29 جنيهًا للكيلو.

 

وفي هذا التحقيق طرحنا قضية ارتفاع الأسعار، وكيف يمكن للمواطن الوصول لنقطة التقاء صعبة للحفاظ على سنة الأضحية، وفي نفس الوقت تدبير أمورهم الاقتصادية.

 

في البداية تقول منى يحيى (مدرّسة): منذ بداية زواجي كنت أكتفي بشراء اللحم الجاهز في العيد، وأحاول طبعًا التدبير مسبقًا لهذا الأمر، ولكن منذ خمس سنوات ورغبةً مني في إحياء سنة وتعليمها لأبنائي، خرجت بفكرة وهي "حصَّالة الأضحية"، واعتبرتها من باب إحياء سنة؛ فقد قمت بعمل حصالة خاصة بالأضحية، وأقوم بوضع ما لا يقل عن جنيه يوميًّا، أو كلما توافرت معي بعض "الفَكَّة"، وأبدا في "التحويش" فيها بمجرد انتهاء عيد الأضحى، ووضعت لنفسي شرطًا، وهو ألا أسحب منها مهما كانت الظروف، واعتبرتها شيئًا يخرج لله، فكيف يمكن أن أرجع فيه؟! ومن العيد للعيد الآخر أكون قد جمعت في حصالتي ما يساوي ثمن الأضحية.

 

التقسيط

"الحاجَة" هي ما دفعتني لذلك؛ يقصد حاجة الناس".. هكذا قال توفيق محمد- مدير للعلاقات العامة- مشيرًا إلى أنه كان يقع بين نارين؛ حيث كان يرى حاجة من حوله وفي نفس الوقت لا يستطيع أن يفعل لهم شيئًا، ويضيف: "إذا أعطيتهم هذا العام فلن أستطيع إعطاءهم العام الذي يليه، خاصةً مع الارتفاع المتزايد للأسعار، وأيضا تعفف الكثير عن السؤال ورفضهم الحصول على أي صدقات أو عطايا تحت مسمَّى احتياجهم، فخرجت بفكرة: تقسيط ثمن الأضحية للغير؛ حيث يأتيني كل مَن يريد شراء أضحية أو لحوم للعيد، ويأخذ المبلغ الذي يريده على أن يرده على دفعات، بشرط أن يرد العشرة جنيهات بعشرة مثلها، فأنا لا أبغي التجارة أو المكسب من وراء الأمر، وكل ما أبغيه هو رضوان الله عز وجل، ومن فوائد هذا الأمر هو اتساع الدائرة مع دوران المال، فقد بدأت بالأسرة القريبة وامتدت لتشمل الكثير من الأهل والأقرباء والمعارف والجيران.

 

المحتاج أولى

"أم أحمد" (من مصر ولكنها تقيم في الخارج) تقول: نحن- ولله الحمد- تتوافر اللحوم عندنا طوال العام، وأسعارها تناسب متوسطي الدخل؛ ولذلك لا نجد صعوبةً في الأضحية، ولكني أفضِّل أن أرسل ثمن الأضحية إلى المحتاجين من أهلي؛ ليقوموا هم بالذبح وتقسيمها على حسب المحتاجين من العائلة، وفي نفس الوقت أحرص على الذبح من عام لآخر حتى يرى أبنائي الأضحية ولا تسقط سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- لديهم.

 

أما سعيد حسن (من بريطانيا) فيوضح أنه مع صعوبة الذبح لدينا وعدم استطاعة الأبناء رؤية الأضحية؛ لأنها تُذبح في أماكن مخصصة لها، ورغبةً مني في مساعدة إخواني في الدول المحتاجة، نقوم نحن ومجموعة من الأسر بجمع ثمن الأضحية وإرساله عن طريق الجمعيات المعترف بها إلى الدول الإسلامية المنكوبة، ونسأل الله الأجر والثواب.

 

تجربة قديمة

وفي مصر تجربة قديمة في هذا المجال، وهي تجربة الجمعية الشرعية؛ حيث يقول أحمد رضا (عضو بالجمعية): إن الجمعية الرئيسية استوردت 420 طنًّا من اللحوم من البرازيل للأيتام، هذه اللحوم توزَّع على كل طفل وكل أم وكل طالب علم، تكفلهم الجمعية بواقع نصف كيلو من اللحوم للفرد، أما في فروع الجمعية الأخرى فيستقبلون التبرعات والأضاحي والجلود،وتُوزَّع اللحوم على الفقراء والفائض من الأضاحي يُحفظ في الثلاجة لحين استعماله وتوزيعه مرة أخرى.

 

وهناك أيضًا في الجمعية ما يُسمَّى بـ"قوافل الخير" تمر على المناطق لرفع حالة المحتاجين ويتم توزيع 100 جنيه للأسرة بشكل منتظم.

 

ارتفاع الأسعار

أما حسين عبد الرحمن (تاجر لحوم) فيرجع ازدياد الأسعار إلى غلاء الأعلاف؛ حيث وصل سعر طن الذرة هذا العام بين 2200- 2300 جنيه بعد أن كان في العام السابق بـ700 جنيه فقط، وأيضًا ارتفاع سعر بذرة القطن التي وصلت إلى 2500 جنيه بعد أن كانت بـ1000-1100 جنيه، ورغم ذلك فإن الازدياد على الخراف البلدي هذا العام شديد، خاصةً مع عدم وجود المستورد؛ فبعد أن كان سعر الكيلو في الخروف الحي 18 ارتفع إلى 19 جنيهًا ثم 20 جنيهًا، والآن لا يوجد في السوق أو عند الموزع، وأصبح سعر اللحم الخالص عند الجزار 42 و45 جنيهًا للكيلو.

 

وعن تجربته مع التقسيط، يقول: كنت في العام الماضي أقوم بالتقسيط للجمعيات الخيرية وللشركات التي تبيعه لموظفيها بالتقسيط أيضًا، مع الخصم من المرتب، وتكون عن طريق شيكات تسدد علي خمسة أشهر، أما عن البيع للأفراد فهي غالبًا "ودي" أو لأهل الحي؛ فعند معرفتي مثلاً بوجود مبلغ 500 جنيه مع أحدهم فأقوم بإعطائه خروفًا على أن يقوم بدفع باقي المبلغ بالتقسيط، ولكني توقفت عن هذا الأمر هذا العام؛ لقلة السيولة في يدي، وأيضًا لأن التجار فيما مضى كانوا يتعاملون معنا بما يسمَّى الشك، أما الآن ومع الحالة الاقتصادية الصعبة فالكل يريد السيولة.

 

ويضيف الحاج محمود عتريس- أحد كبار تجار اللحوم- أن سوق اللحوم يواجه كسادًا غير متوقع هذا العام بعد أن تم طرح كميات كبيرة من اللحوم البلدية والمستوردة قبيل عيد الأضحى، مشيرًا إلى أنه وعلى غير العادة في هذا التوقيت، لم تشهد محالُّ بيع اللحوم الازدحامَ المطلوب الذي كان يميزها كل عام؛ وذلك نظرًا للارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار اللحوم.

 

وأرجع ارتفاع الأسعار إلى عدة أسباب، منها ارتفاع أثمان علف الحيوانات، على الرغم من ثبات سعر الدولار أمام الجنيه المصري، والظروف الاقتصادية الصعبة للأسرة المصرية، وجشع بعض التجار، ورغبتهم في تحقيق أرباح سريعة بمناسبة العيد.

 

وأشار عتريس إلى أن أسعار اللحوم ارتفعت بنحو 30 % عن العام الماضي، منوِّهًا بأن تجار اللحوم يواجهون ورطةً كبيرةً؛ لأن عليهم التخلص من الكميات الكبيرة المعروضة من اللحوم خلال عدة أيام؛ حتى لا يتعرضوا لخسائر كبيرة.

 

مأساة الفقر

ويري ممدوح الولي- الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير جريدة (الأهرام)- أن البعد الأساسي في المسألة هو أننا إذا أخذنا بالنسبة الرسمية للفقر بمصر وهي 20% فهذا يعني أن في مصر 15 مليونًا تحت خط الفقر, وإذا أخذنا بالنسبة التي أعلنها البنك الدولي وهي 40% تحت خط الفقر فهذا يعني وجود 30 مليون شخص تحت خط الفقر، وأخيرًا النسبة التي أعلنتها السفارة الأمريكية، وهي 52% يعني وجود 38 مليونًا ونصف المليون تحت خط الفقر، وهذا يعني احتياج الالآف للأضحية أو حتى للحوم!!.

 

ويذكر الولي قصةً تبين حجم هذه المأساة، فيقول: إن ناظرة إحدى المدارس وجدت أحد الطلاب في حالة "دوخة" فسألته: "إنت مفطرتش؟" فأجاب الطالب: "أصل الدور مش عليَّ اليوم في الإفطار"!!، وعرفت أن الأب قد قسم أيام الإفطار على أبنائه لحاجته وقلة يده، فالكثير من الأُسَر لا تتذوَّق اللحم إلا في عيد الأضحى، فالخروف الصغير يصل إلى 1100 جنيه والبقرة 7000 جنيه، وهذا كله فوق طاقة متوسطي الدخل، فما بالنا بمن هم تحت خط الفقر؟! وفي نفس الوقت ارتفاع أسعار البقوليات وبدائل اللحوم التي أصبحت فوق طاقه البشر!!.

 

الاستطاعة

وتؤكد الدكتورة زينب الأشوح- الأستاذة بكلية الاقتصاد جامعة الأزهر- ازدياد الأسعار المبالغ فيه خاصة بعد وقف أستراليا تصدير المواشي إلى مصر بحجة ما يُسمَّى "الرفق بالحيوان"، فأين الرفق بالإنسان؟ ولماذا جاء هذا الأمر وهذه العقوبات في وقت تُحيي فيه مصر شعيرةً دينيةً؟!.

 

ودعت إلى المقاطعة الاقتصادية لأستراليا قائلةً: لتكن المبادرة منا نحن؛ لعدم احترامهم الهدف الديني الخاص بنا، ولتمتنع دولنا العربية عن استيراد أي خراف من أي دولة أجنبية، وذلك كإجراء استباقي قبل أن تقوم هذه الدول بمقاطعتنا؛ بحجة عدم رحمتنا عند الذبح، مع أنه أصبح من الثابت علميًّا أن الذبح على الطريقة الإسلامية التي شرحها الشرع فيه آثارٌ صحيةٌ جيدةٌ على الذبيحة وأكلها.