- رئيس المحكمة العسكرية يقر بعلنية المحكمة والأمن يصر على منع الإعلام

- شهادة ضابط أمن الدولة ملأها التزوير والدفاع يعتبره "سوبر مان" الداخلية

- تقرير لجنة الخبراء عظَّم من أموال الإخوان وأعضاء اللجنة منتقون بعناية 

 

كتب- عبد المعز محمد

بدأت المحكمة العسكرية أولى جلساتها بتاريخ 26/4/2007م بمنطقة الهايكستب العسكرية، وسط تعليماتٍ مشددةٍ بمنع جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وكذلك حظر حضور الجلسات إلا للمحامين المُوكَّلين وأهالي المتهمين من الدرجة الأولى فقط.

 

وبدأ مسلسل تعطيل تنفيذ أحكام الدستور والقانون والمستقرّ عليه من مبادئ قضائيةٍ من محكمة النقض أو المحاكم العادية، وتمثَّلت أشكال الاعتداء الصارخ من المحكمة العسكرية على الدستور والقانون والسوابق القضائية في التالي:

1- أحال المدعي العام العسكري القضية إلى المحكمة، ومن بين المتهمين 16 متهمًا أُفرج عنهم من محكمة جنوب القاهرة (الدائرة 16)، وأيضًا من محكمة جنايات القاهرة في التظلُّم من أمر الاعتقال الصادر من وزير الداخلية.

 

وفي سابقةٍ هي الأولى من نوعها، أصدرت المحكمة قرارًا باستمرار حبس جميع المتهمين، وتأجيل نظر الدعوى إلى جلسة 3/6/2007م بحضور المحامين الموكلين عن المتهمين، ورغم أن القرار بحبس جميع المتهمين لم يشمل الـ(16) متهمًا المحالين- وهم مُفرَجٌ عنهم- إلا أنهم ظلوا رهن الحبس الاحتياطي طوال جلسات المحاكمة والتي تجاوزت 8 شهورٍ بالمخالفة للدستور والقانون.

 

2- وجود مخالفةٍ صارخةٍ للمادة 167 من الدستور والمادة 31/3 من قانون المحكمة الدستورية العليا، والتي تُوجب في حالة رفع دعوى تنازع إلى المحكمة الدستورية وقْفَ السير في إجراءات الدعوى لحين الفصل في دعوى التنازع.

 

وقد استقرَّت أحكام الفقه الدستوري على عدم الاعتداد بكافة الإجراءات الصادرة عن الهيئة المتنازعة، بعد رفع دعوى التنازع، ورغم تقديم شهادة للمحكمة العسكرية تفيد وجود دعوى تنازع لم يُفصل فيها بعد، إلا أن المحكمة- وفي تحدٍّ سافرٍ للدستور والقانون والمستقر عليه من مبادئ الفقه الدستوري- أصرَّت على نظر المحاكمة وحبس جميع المتهمين (وسنتعرض لهذه التجاوزات عند استعراض إجراءات المحاكمة).

 

3- تعرض هيئة الدفاع وأهالي المتهمين المحالين للمحاكمة العسكرية للمضايقات أثناء دخول المحكمة، مثل: التفتيش بطريقةٍ غير لائقةٍ ومستفزَّةٍ، خصوصًا أن المحاكمة داخل ثكنةٍ عسكريةٍ تخضع للإجراءات الخاصة بالعسكريين.

 

4- أن القفص الذي يودَع فيه المتهمون غيرُ آدميٍّ، ولا يستطيع أي إنسان التعرف على شخصية من بداخله إلا بصعوبةٍ شديدةٍ، وذلك عندما يقترب من القفص أو يلامسه، أما كراسي القاعة فهي غير مريحةٍ، ولا توجد تهويةٌ من الأساس في القاعة؛ مما كان يضطر رئيس المحكمة وسط احتجاجٍ من جانب الدفاع والأهالي إلى إحضار بعض "المراوح"، خصوصًا أن المحاكمة بدأت في شهور الصيف، وفي صحراء الهايكستب.

 

الضابط المعجزة!!

أجرى المقدم عاطف الحسيني (الضابط بمباحث أمن الدولة) كل تحريات هذه القضية، وقد تبيَّن من خلال إدلائه بالشهادة أمام المحكمة العسكرية التالي:

- أن الضابط بمفرده، ودون الاستعانة بأيٍّ من معاونيه، قام بإجراء التحريات على 138 شخصًا، إضافةً إلى عشرات الشركات والمحالِّ التجارية ومحالّ الإقامة للمتحرَّى عنهم في جميع محافظات مصر، فضلاً عن أشخاصٍ متحرَّى عنهم يقيمون بدولة الكويت والسعودية في قارة آسيا، وآخرين يقيمون في سويسرا وألمانيا في أوروبا.

 

- أنه وحده وبمفرده، ودون الاستعانة بأيٍّ من معاونيه، قام بالاتصال بعشرات الضباط الذين قاموا بالقبض والتفتيش للمتهمين بمساكنهم ومحالِّ إقامتهم، والذين بلغوا 132 شخصًا، بالإضافة إلى عشرات الشركات والمحالِّ التجارية بمحافظات الجيزة والقليوبية والمنوفية والدقهلية والشرقية وكفر الشيخ وسوهاج والغربية والبحيرة وشمال سيناء ودمياط والفيوم وبني سويف والإسكندرية وأسيوط ومرسى مطروح.

 

- أن الضابط أورد في محاضر تحرياته وقائع ماديةً نسبَها للمتهمين فيها، مثل: تدريب الطلاب على فنون القتال، واستخدام السلاح الأبيض والجنازير والعِصِيِّ، والتعدِّي على الطلاب والأساتذة في جامعة الأزهر، واستغلال سيارات أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين في إدخال الأسلحة السالفة الذكر، وتعطيل أحكام الدستور والقانون والهيئات العامة، ووجود لجنةٍ ماليةٍ داخل مصر ولجنةٍ بالخارج تتولى شئون الجماعة ماليًّا، وأنها تتلقَّى الأموال من الداخل والخارج، وأنها تستغل المؤسسات الحكومية والجهات الرسمية- مثل مؤسسة مصر للطيران، ومصلحة الجمارك- وتقدِّم تذاكر مجانية لأعضاء التنظيم في المساجد والجامعات ومراكز الشباب والأندية ومؤسسات المجتمع المدني.

 

- وعند سؤال الشاهد من جانب دفاع المتهمين أن يذكر وقائع ماديةً بهذه الأمور التي نسبها للمتهمين لم يستطع ذكر واقعةٍ ماديةٍ واحدةٍ محددةٍ، وكان يتعمَّد الهروب من الإجابة، فيما كانت المحكمة تساعده على هذا.

 

- كما قام الشاهد بالزجِّ بالشركات والمحالِّ التجارية، المملوكة ملكيةً خاصةً للمتهمين وفق الثابت من المستندات الرسمية، والادعاء أنها مملوكةٌ لجماعة الإخوان المسلمين، ويتم تمويلها من أفراد التنظيم، ويتم استغلال أرباحها في ممارسة النشاط الخاص بدعم طلاب جامعة الأزهر ومدّهم بالسلاح والأزياء التي قاموا بارتدائها أثناء العرض العسكري المزعوم.

 

- ولم يستطع كذلك أن يقدم دليلاً واحدًا على صحة تحرياته وما ردَّده في محضر التحريات من أقوالٍ مرسلةٍ تفتقر إلى الدليل المادي، وقام أيضًا بالتحري عن أشخاصٍ مقيمين في دولة الكويت والسعودية بقارة آسيا، وآخرين مقيمين بدولة ألمانيا وسويسرا في قارة أوروبا، وعند سؤاله: هل سافر للخارج أثناء فترة التحريات؟! أجاب بالنفي، وهو ما اعتبره الدفاع دليلاً على وجود تزويرٍ في محاضر تحريات جميع المتهمين المحالين إلى المحكمة العسكرية.

 

شهادات الضباط

بمطالعة المحاضر التي تم تحريرها بمعرفة ضباط جهاز مباحث أمن الدولة بالمحافظات المختلفة، والمرفَقَة بأوراق القضية ومناقشتهم أمام المحكمة العسكرية تبيَّن الأمور التالية:

- أن بعض هؤلاء الضباط ارتكبوا جرائم التزوير في محررات رسمية "محاضر الضبط والتفتيش"، من خلال إثبات بياناتٍ على خلاف الحقيقة، وجرائم استعمال هذه المحررات لتقديمها في هذه القضية.

 

وهي الجرائم المُؤثًَّمة بالمادتين 211 و214 من قانون العقوبات المصري، وقد طلب الدفاع من المحكمة- خصوصًا أن هذه الجرائم كانت مكشوفةً ومفضوحةً- اتخاذ الإجراءات القانونية الواجبة ضد هؤلاء الضباط المزوِّرين، إلا أن المحكمة العسكرية في تحدٍّ سافرٍ لأحكام الدستور والقانون تجاهلت تحقيق هذه الطلبات القانونية.

 

- ارتكب بعض هؤلاء الضباط جريمة شهادة الزور والمُعاقَب عليها بالمادة 294 من قانون العقوبات المصري، علمًا أن للمحكمة حقًّا بضابط نص المادة 107 من قانون المرافعات المصري بالحكم على الشاهد المُزوِّر بالعقوبة فورًا.

 

 وعلى الرغم من ثبوت هذه الجريمة بحق ضباط أمن الدولة الذين قاموا بالضبط والتفتيش، إلا أن المحكمة التزمت في هذا الأمر المخالفةَ للقانون والالتفات عن طلبات الدفاع الجوهرية؛ مما يؤكد أن إحالة هذه القضية إلى المحكمة العسكرية كان لسببٍ رئيسٍ هو أنها لا تطبِّق أحكام الدستور والقانون، وتطبق التعليمات التي تأتي إليها من الحكومة التي أحالت إليها القضية في إطار تصفية خصوماتٍ سياسيةٍ بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين.

 

- ارتكب بعض الضباط الجريمة المُعاقَب عليها بالمادة 128 من قانون العقوبات المصري، وتتمثَّل في ثبوت قيامهم بتفتيش شركاتٍ ومحال تجارية مملوكةٍ للمتهمين لم يشملها الإذن الصادر من نيابة أمن الدولة العليا بالتفتيش.

 

ورغم ثبوت هذه الجريمة بحق ضباط أمن الدولة أمام المحكمة العسكرية إلا أنها- كما عوَّدت الدفاع والمتهمين وأهاليهم- لا ترى ولا تسمع عندما تكون الجريمة صادرةً عن ضابط التحريات أو الضباط القائمين بالقبض والتفتيش، وكأن القانون أو حتى أبسط مبادئ العدالة يقوم أفراد الشرطة العسكرية والأمن العسكري باحتجازها خارج قاعة المحكمة؛ حتى لا تتصل بها المحكمة فتقوم بتطبيقها على أشخاص المتهمين، وهو ما يُظهر زور وبهتان هذه الاتهامات المنسوبة إليهم ظلمًا وعدوانًا.

 

لجنة الخبراء

أثناء نظر المحكمة العسكرية للجلسة الثانية فوجئ فريق الدفاع أن هناك تقريرًا صادرًا عن لجنة الخبراء، وباطِّلاع دفاع المتهمين على هذا التقرير وأثناء سماع شهادتهم أمام المحكمة العسكرية تبيَّن التالي:

- انعدام قرار الندب الصادر عن مساعد وزير العدل؛ لعدم تفويضه من جانب وزير العدل من أجل ندب لجنة الخبراء التي قدمت تقريرها للمحكمة العسكرية.

 

- ثبوت ارتكاب الخبراء (أعضاء اللجنة الثلاثية) لجناية التزوير في محاضر أعمالهم؛ بإثبات بياناتٍ على خلاف الحقيقة، وارتكابهم أيضًا جنايةَ استعمال هذه المحرِّرات بتقديمها إلى المحكمة العسكرية.

 

وقد تمسَّك الدفاع باتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أعضاء اللجنة والخبراء لثبوت ارتكابهم جنايةَ التزوير في محرراتٍ رسميةٍ واستعمالها، والمُعاقَب عليها بنص المادتين 211, 214 من قانون العقوبات المصري.

 

- ثبوت استلام لجنة الخبراء لأحرازٍ تخالف الأحراز المُسلَّمة إليها، عن طريق نيابة أمن الدولة العليا، وهو ما يؤكد سيطرة ضباط أمن الدولة على هذه اللجنة والزجّ بمستنداتٍ لا علاقة باللجنة بها!.

 

- وقد تكرَّرت هذه الجريمة أيضًا بخصوص الأحراز المُسلَّمة إلى لجنة الخبراء من إدارة المدعي العام العسكري، كما ثبت ارتكاب أعضاء لجنة الخبراء لجريمة شهادة الزور أمام المحكمة العسكرية، وفق الثابت من محاضر الجلسات.

 

- لم يُجِب أعضاء لجنة الخبراء عن الأسئلة الجوهرية من دفاع المتهمين، وأحالوا الإجابة للتقرير المُقدَّم منهم بالمخالفة للمادة 284 من قانون الإجراءات الجنائية، وتدخَّلت المحكمة العسكرية بعد أن ظهر جليًّا أن هذا التقرير ولد سفاحًا، وافتقد الشرعية، ويلزم إهداره وإبعاده عن أدلة الدعوى؛ حيث أصدرت قرارها بإعادة التقرير للجنة الخبراء لتصحيح ما أصابه من انعدامٍ وعوارٍ أفقده مقوِّماته كدليلٍ في الدعوى.

 

ورفضت المحكمة طلبًا جوهريًّا لدفاع المتهمين بالتصريح لهم بمناقشة لجنة لخبراء والحضور أمامهم لتقديم المستندات وتفنيد ما أوردته اللجنة الثلاثية في تقريرها الأول، إلا أن المحكمة العسكرية- وتحت تأثُّرها بشعار المناطق العسكرية "خطر ممنوع الاقتراب أو التصوير"- حالت بين المتهمين ولجنة الخبراء، وأصبحت هي الوسيط بينهما؛ حتى لا يفتضح أمر اللجنة ويظهر من هو المحرك الأول والأساسي لها!.

 

- أودعت لجنة الخبراء تقريرها الثاني، وناقشتها هيئةُ دفاع المتهمين، وتبيَّن أيضًا أنها ارتكبت جناية التزوير في محاضرها الرسمية والنتيجة التي انتهت إليها، وأيضًا شهادة الزور، فضلاً عن ثبوت أنها تبحث في أمورٍ لا تتعلق بالجرائم المنسوبة للمتهمين وفق الثابت بقرار الاتهام الصادر من المدعي العام العسكري.

 

وظهر ذلك عندما قام الدفاع بسؤال أعضاء لجنة الخبراء: هل يوجد بالأوراق ما يفيد ارتكاب المتهمين جريمة غسيل الأموال؟ وكانت الإجابة أن المأمورية المُوكَّلةَ إليهم بحثُها لا تتضمن هذة الجريمة، وأيضًا عند سؤالهم: هل يوجد بالأوراق ما يفيد الاتفاق مع طلبة الأزهر أو دعم نشاطهم؟ فكانت الإجابة بالنفي!!.

 

ورغم إصرار الدفاع على الطعن بالتزوير على محاضر أعمال اللجنة الفنية التي انتهت إليها، وحقه في اتخاذ إجراءات الطعن بالتزوير- خصوصًا أن الجرائم التي ارتكبوها قدَّم الدفاع الدليل الرسمي والقاطع على بطلانها- إلا أن المحكمة كالمعتاد لم تلتفت لهذا الطلب!.

 

خاتمة

هذا قليلٌ من كثيرٍ من فصول هذه المسرحية الدراماتيكية المُسمَّاة "المحكمة العسكرية

أعضاء جماعة الإخوان المسلمين".