- القضية بدأت طلابيةً ثم تحوَّلت لانتقامٍ من الجماعة ومحاولة تحجيم شعبيتها

- 4 أحكام بالإفراج الفوري عن المعتقلين قابلها النظام بالتحويل للعسكرية

 

كتب- عبد المعز محمد

مرَّت قضية المهندس خيرت الشاطر وإخوانه المحالين للمحكمة العسكرية بالعديد من المحطات القانونية في قضيةٍ وصفها كل المتابعين بالمهزلة؛ فالقضية التي تحمل رقم 963 لسنة 2006 جنايات أمن دولة عليا، والمُقيَّدة بإدارة المدعي العام العسكري تحت رقم 2 لسنة 2007 جنايات عسكرية عليا، عكست حالة التخبط التي يعيشها النظام المصري، سواءٌ في سير القضية منذ حملة الاعتقالات في 14/12/2006م وحتى قرار رئيس المحكمة يوم 16/12/2007م بتعديل التهم المُوجَّهة للمعتقلين والغموض الذي شاب قراره بإسقاط تهم الإرهاب والتمويل عن قيادات الجماعة.

 

ولعل هذه القضية التي لاقت رفضًا محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا عكست حالةً من حالات الانفصام داخل النظام الحاكم؛ ففي الوقت الذي برزت فيه ظاهرة إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري بقوةٍ خلال عقد التسعينيات؛ حيث مثَّل العنف والعنف المضاد المصدر الرئيسي لانتهاك الحق في الحياة في هذا الوقت، فقد مثَّلت المحاكمات العسكرية المصدر الرئيسي لانتهاك الحق في محاكمةٍ عادلةٍ خاصةٍ؛ حيث طالت هذه المحاكمات مدنيين ليس لهم صلةٌ بأعمال العنف، ويعبرون عن كبرى القوى المعارضة في البلاد، كما حدث مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

 

وتعتبر المحاكمة العسكرية الأخيرة للمهندس خيرت الشاطر- النائب الثاني للمرشد العام للجماعة- وعددٍ آخر من قيادات الجماعة هي القضية رقم (7) في سلسلة محاكمات عسكرية لقادة الجماعة، والتي تُعقد غالبًا كلما حققت الجماعة انتشارًا شعبيًّا جديدًا وحازت ثقة الشعب المصري في انتخاباتٍ أو غيرها؛ ما أرعب النظام خوفًا على مستقبله في الاستئثار بالسلطة.

 

وبدلاً من أن ينظر النظام في مصر إلى قوى ومؤسسات المجتمع المدني باعتبارها مساهمًا وشريكًا في تنمية المجتمع، نجده يتوجس من الحركات الشعبية ومن نشاطها، ويعتبرها جهات ضغطٍ هدفها نقده ومعارضة سياساته، ويستخدم ضدها القوانين والمحاكم الاستثنائية؛ مما أدَّى إلى العصف بالحريات العامة.

 

وقرار الإحالة للمحكمة العسكرية قرارٌ سياسيٌّ بالدرجة الأولى؛ لأن محكمة الجنايات أصدرت قرارًا بالإفراج عنهم، والسلطات لا تريد أن تنفذ القرار، وهناك مفارقاتٌ في الأمر؛ ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إصلاحٍ سياسيٍّ في البلاد يجري تحويل معارضين سياسيين إلى القضاء العسكري، ولا يجري مقاضاة بعض الفاسدين ومَن تسببوا في غرق المصريين بنفس السرعة.

 

وبالتالي يمثِّل الأمر برمته تطورًا خطيرًا في الحياة السياسية المصرية، فهذه القضية مهما كان حجمُها فهي أولاً وأخيرًا تتعلق بالقوى السياسية في مصر، وليس لها أي علاقةٍ بالشأن العسكري، وهذا أمرٌ مستغرَبٌ، خصوصًا أنه يأتي في ظل شعاراتِ الحرية التي يرفعها النظام، وكذلك في الوقت الذي يطالب فيه المجتمع المصري بمختلف اتجاهاته بضرورة إلغاء حالة الطوارئ.

 

البداية طلابية

وكما سبق فإن هذه القضية شهدت العديد من المحطات التي تعكس تعامل الدولة في عددٍ من القضايا، كان أبرزها استهداف الحركة الطلابية ومنعها من ممارسة حقها الدستوري في الترشيح والانتخاب في الانتخابات الطلابية؛ حيث قامت الأجهزة الأمنية بفرض سيطرتها على إدارات الجامعات التي قامت بشطب جميع الطلاب من الحركات الطلابية المعارضة وخصوصًا الإسلامية في الانتخابات من جهةٍ، وإعلان فوز بعض الطلاب المحسوبين على الحكومة بالتزكية في أغلب الأحيان؛ مما دفع الطلاب إلى ابتكار وسيلةٍ جديدةٍ لممارسة حقوقهم الدستورية تتمثل في انتخاب "اتحادات حرة" عبر صناديق شفافة تخضع لرقابة كل المنظمات الحقوقية، وروعي فيها دقة الإجراءات ونزاهتها.

 

ومن وقتها بدأت الأجهزة الإدارية والأمنية في شن حملةٍ واسعةٍ ضد هؤلاء الطلاب في كافة الجامعات المصرية، وفي هذا الإطار قامت مباحث أمن الدولة باستغلال الحفل الطلابي الذي نظَّمه طلاب جامعة الأزهر وقاموا خلاله بعمل بعض المشاهد التمثيلية والتمارين الرياضية التي لا تعتبر جديدةً عليهم، وتم تحريض الإعلام المتمثل في الصحف الحكومية والبرامج التليفزيونية وبعض الكتّاب بتضخيم هذه المشاهد التمثيلية ووصفها على غير حقيقتها، ونعتوها بأوصافٍ غريبةٍ عنها، وهي كون هذه المشاهد والتمارين تقوم بها "ميليشيات شبه عسكرية" رغم اعتذار الطلاب عن هذه المشاهد, ومحاولتهم أن يضعوا الأمر في نصابه الصحيح، وأن يبيِّنوا المقصود منها دون جدوى، وتلك كانت البداية!!.

 

وقائع القضية

وعلى إثر هذا التضخيم الإعلامي قام ضباط مباحث أمن الدولة بتحرير محضر تحريات بتاريخ 13/12/2006م زعم أن المذكورين فيه يعملون على إعادة إحياء نشاط جماعة الإخوان المسلمين ونشر أفكارها ومبادئها، وعقد اجتماعاتٍ تنظيميةٍ تهدف للتغلغل داخل القطاع الطلابي، وعمل المظاهرات وتعكير صفو الأمن وإشاعة جوٍّ من الفوضى.. إلى آخر هذه الاتهامات المتكررة!.

 

وأضاف المحضر أن التنظيم اعتمد في تثقيف كوادره على برامج تربويةٍ وثقافيةٍ مستقاةٍ من فكر الإمام حسن البنا؛ حيث يؤدي الطالب قَسَم البيعة، وأن هذا التنظيم يروِّج للمبادئ الجهادية وإقناع البعض بالسفر للبلاد التي تشهد صراعاتٍ، مثل العراق وفلسطين ولبنان.

 

واستشهد بما جاء بالصحف والقنوات الفضائية من ردود أفعالٍ، وبما جاء على لسان المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ونائبه في الصحف ووكالات الأنباء والفضائيات، وكذلك التصريحات الصادرة عن بعض أعضاء مجلس الشعب، كما ركَّز في ملاحظاته على تصريحٍ للمرشد العام في أحد المؤتمرات في نقابة المحامين بأنه على استعدادٍ لإرسال عشرة آلاف مقاتلٍ إلى لبنان إبَّان الحرب على لبنان.

 

وبتاريخ 13/12/2006م أذنت نيابة أمن الدولة العليا بالقبض على 124 طالبًا من طلاب جامعة الأزهر واختطافهم من الحرم الجامعي أو من مسكنهم وسط حالةٍ من صمت إدارة الجامعة، خصوصًا أن هؤلاء الطلاب من المتفوقين علميًّا والمتميزين خُلُقيًّا.

 

وتُوازي هذه الحملةَ حملةٌ أخرى في ذات التاريخ أدَّت إلى إلقاء القبض على 16 قياديًّا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين على رأسهم النائب الثاني لمرشد الجماعة المهندس/ محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر.

 

وفي غضون أيامٍ قلائل وبتاريخ 19/12/2006م قامت مباحث أمن الدولة بالقبض على خمسةٍ من قياديي جماعة الإخوان المسلمين وغلق مقار شركاتهم والاستيلاء على الأموال والمستندات الموجودة بها، كما قامت أيضًا بتفتيش مساكنهم والاستيلاء على الأموال الخاصة بهم وكذلك المملوكة لزوجاتهم وأولادهم، ثم أعقبت ذلك حملةً أخرى باعتقال ستةٍ من قياديي جماعة الإخوان المسلمين على رأسهم عضو مكتب إرشاد الجماعة الدكتور محمد علي بشر بتاريخ 12/1/2007م، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل طال مجموعةً أخرى بتاريخ 16/1/2007م، وأغرب ما في الأمر أن أحدهم كان قيد الاعتقال طبقًا للأمر الصادر من وزارة الداخلية قبل توقيفه بشهرين.

 

وبلغ إجمالي عدد المقبوض عليهم 156 ما بين طالبٍ ورجل أعمالٍ وأساتذة جامعات، وسرعان ما باشرت نيابة أمن الدولة العليا التحقيقات مع المقبوض عليهم، وانحسرت التهم التي وُجِّهت إليهم في تهمتين: الأولى: الانضمام إلى جماعةٍ محظورةٍ الغرض منها الدعوة إلى تعطيل أحكام الدستور والقانون، ومنع مؤسسات الدولة من ممارسة أعمالها، والإضرار بالسلام الاجتماعي، وكان الإرهاب أحد وسائلها. والثانية: القيام بجريمة غسل أموال مُتحصَّلة من الجريمة الأولى.

 

وقد امتنع بعض المتهمين عن الإدلاء بأقوالهم، وقرروا أمام نيابة أمن الدولة العليا أن التهمة المنسوبة لهم تهمةٌ سياسيةٌ، الغرض منها النيل من أكبر فصيلٍ سياسيٍّ معارضٍ، وهو جماعة الإخوان المسلمين، كما أن الغرض هو محاولة تمرير التعديلات الدستورية المطروحة وإخلاء الساحة السياسية من كل معارضٍ قويٍّ، بالإضافة إلى محاولة الاستيلاء على أموال رجال الأعمال المقبوض عليهم المشهود لهم بالكفاءة والتفوق.

 

وقد ارتكبت النيابة أثناء التحقيقات انتهاكاتٍ جسيمةً مُخالِفةً كل قواعد الشرعية الإجرائية؛ إذ خلت الأوراق من ثمة دليلٍ يدل على ارتكاب المتهمين لتلك الجرائم، خصوصًا أنهم من أصحاب الفكر والرؤى الإصلاحية.

 

وكانت المفاجأة في صدور قرارٍ بحبس كل المتهمين 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ثم قامت نيابة أمن الدولة العليا بتمديد حبسهم مُددًا أخرى، على الرغم من أن الطلاب كانوا يستعدون لأداء الامتحانات، وإزاء ضغط (المتهمين) وذويهم ومحاميهم قام النائب العام بإصدار قرارٍ بتمكين الطلاب من أداء امتحاناتهم في محبسهم.

 

كما بدأت النيابة على غير العادة في مثل هذه القضايا بسماع أقوال ضباط جهاز مباحث أمن الدولة الذين حرروا محاضر التحريات والذين قاموا بالقبض على المتهمين؛ مما أنبأ أن هناك خطواتٍ أخرى في هذه القضية.

 

قرار المنع من التصرف

وفي تطورٍ مفاجئٍ أصدر النائب العام قرارًا يُعدُّ سابقةً هي الأولى في مثل هذه القضايا، وذلك بتاريخ 28/1/2007ن؛ حيث قرر منعَ المتهمين المحبوسين احتياطيًّا من التصرف في أموالهم، وكذلك زوجاتهم وأولادهم القُصّر.

 

وشمل أمر المنع كل الأموال السائلة والنقدية والعقارية والمنقولة، بل شمل بعض الأولاد البالغين، وكذلك بعض الشركات غير المملوكة للمتهمين, واستند القرار إلى نص القانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن غسل الأموال.

 

رغم أنه يخالف القانون الذي استند إليه, كما صدر مُخالفًا لنص المادة 208 من قانون الإجراءات الجنائية؛ وذلك على النحو التالي:

1- مخالفة أمر المنع من التصرف للقانون رقم 82 لسنة 2002 بشأن غسل الأموال؛ إذ قررت المادة الثالثة أنه: "تنشأ بالبنك المركزي المصري وحدةٌ مستقلةٌ ذات طابعٍ خاصٍ لمكافحة غسل الأموال تمثل فيها الجهات المعنية، وتتولى الاختصاصات المنصوص عليها في هذا القانون".

 

وتقرر المادة 42 أنه: "تختص الوحدة بتلقي الإخطارات الواردة من المؤسسات المالية عن العمليات التي يُشتبه في أنها تتضمن غسل الأموال".

 

ومن جهتها تنص المادة الخامسة على أن: "تتولى الوحدة أعمال التحري والفحص عما يرد إليها من إخطاراتٍ ومعلوماتٍ في شأن العمليات التي يُشتبه في أنها تتضمن غسل الأموال، وتقوم بإبلاغ النيابة بما يسفر عنه التحري من قيام دلائلٍ على ارتكاب جريمةٍ من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون, وللوحدة أن تطلب من النيابة العامة اتخاذ التدابير التحفظية على النحو المُبيَّن في المادة 208 مكرر من قانون الإجراءات".

 

وقد اشترط القانون قيام وحدة مكافحة غسل الأموال بإبلاغ النيابة بمثل هذه القضايا؛ نظرًا لوجود وتوافر عددٍ من المختصين في هذا المجال بالوحدة، لكن ما حدث هو أن مباحث أمن الدولة رفعت مذكرةً إلى نيابة أمن الدولة العليا والتي قامت- بناءً عليها- برفعها للنائب العام، والتي بموجبها أصدر قرارًا بالمنع من التصرف رغم عدم وجود دليلٍ واحدٍ واضحٍ يدل على اتهام المتهمين في جريمة غسل الأموال.

 

2- إن عددًا من المتهمين في هذه القضية لا يملكون أية شركات، بل إنهم أساتذةٌ في الجامعات المصرية لا يملكون سوى رواتبهم.

 

3- إن عددًا منهم يمتلكون هذه الشركات طبقًا للسجلات الرسمية منذ عام 1970م، أي قبل إقرار هذا القانون "قانون غسل الأموال" بنحو ستة وثلاثين عامًا.

 

4- إن عددًا من هؤلاء المتهمين والممنوعين من التصرف لا يعدون سوى شركاء في شركات أموالٍ، لهم حصصٌ يسيرةٌ فيها, ومع ذلك تم غلق مقار الشركات والاستيلاء عليها.
5- إن أمر المنع من التصرف خالف نص المادة 208 من قانون الإجراءات الجنائية، والذي استلزم توافر أدلةٍ قويةٍ على ارتكاب أيٍّ من الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وهي المتعلقة باستخدام الإرهاب كوسيلةٍ من وسائل ارتكاب الجريمة، وهذا لا أساسَ له من الصحة؛ فالمتهمون رجال أعمالٍ وأساتذة جامعات ومن أصحاب الفكر والرأي في هذا البلد, أي لا يرتبطون من قريبٍ أو بعيدٍ بأي صلةٍ بالإرهاب.

 

استئناف أوامر الحبس وإخلاء سبيل البعض

لجأ المتهمون إلى استئناف أوامر الحبس الصادرة لهم من نيابة أمن الدولة العليا بتاريخ 28/1/ 2007م طبقًا لما نصَّ عليه قانون الإجراءات الجنائية من جواز استئناف أوامر الحبس الصادرة من النيابة.

 

وبتاريخ 29/1/ 2007م صدر قرارٌ من محكمة جنايات القاهرة بقبول الاستئنافات شكلاً وموضوعًا بإلغاء كافة قرارات الحبس الاحتياطي الصادرة من نيابة أمن الدولة العليا، وبإخلاء سبيل المتهمين المذكورين فورًا وبلا أي ضمانٍ، وهم:

1- محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر

2- أيمن أحمد عبد الغني حسانين

3- محمود أحمد محمد أبو زيد

4- صلاح الدسوقي عامر مراد

5- أحمد عز الدين أحمد محمد الغول

6- عصام عبد المحسن عفيفي

7- ياسر محمود عبده علي

8- صادق عبد الرحمن صادق

9- ممدوح أحمد عبد المعطي الحسيني

10- سيد معروف أبو اليزيد مصبح

11- فتحي محمد بغدادي علي محمد

12- محمود المرسي محمد قورة

13- محمد مهني حسن موسى

14- جمال محمود شعبان السيد

15- فريد علي أحمد جلبط

16- مصطفى محمد محمود سالم

 

وكان هذا القرار الأكثر إظهارًا للحق، إلا أنه سرعان ما تبدد الأمل؛ حيث أصدر وزير الداخلية أمرًا بتاريخ 29/1/2007م- وهو ذات التاريخ الذي أُخْلِي فيه سبيلهم- باعتقال مَن قررت النيابة إخلاء سبيلهم؛ مما يكشف عن نيةٍ حقيقيةٍ للنيل من المتهمين.