المدونة، مصطلح جديد ظهر في عالم الإنترنت في السنوات الأخيرة، وزاد انتشارًا وتشعبًا في مصر، وأصبحت صفحات الإنترنت تعج بكل مَن يملك لغة الكتابة ومَن لا يملك، تنتشر لتصل حتى إلى مدونين يدخلون لينشروا صورًا لهم أو ليحكوا عمَّا حدث معهم طوال اليوم.

 

لكنَّ هناك صنفًا آخر من المدونات بدأ وانتشر وتوغَّل وأصبح من أشهر المدونات الموجودة في مصر، ومن أشهر المدونات التي تُتابع هي "مدونات أبناء المعتقلين أو المحالين عسكريًّا"، تلك المدونات التي لم يكن يعرف أصحابها إلا القليل عن التدوين قبل اعتقال آبائهم وإحالتهم للمحاكمات العسكرية. وبعد عامٍ من إحالة آبائهم للمحاكمة أصبحت مدوناتهم التي أطلقوا عليها أسماء آبائهم من أشهر المدونات في مصر، كما أنها تُتابع من كل أنحاء العالم، ويتصفحها كل الأطياف السياسية.

 

كانت البداية الأولى للمدونات هي مدونة (انسى)، والتي جمعت كل ما يتعلق بالأربعين المحالين للمحاكمات العسكرية من الإخوان، بالإضافةِ إلى حمل عبء إظهار الحقيقة، وكشف التدليس والكذب الموجودة في القضية، تبعها مدونة (الفجرية) للدفاع عن الأستاذ ياسر عبده، ثم مدونة (رجل حر رغم القيود) للدفاع عن المهندس خيرت الشاطر، ومدونة (الحرية لحسن مالك) للدفاع عن رجل الأعمال حسن مالك، ثم باقي المدونات التي طالبت بالحرية لرجال الأعمال وأساتذة الجامعة المعتقلين، وكأنَّ الاعتقالات والمحاكمات العسكرية هي من فجَّرت عملية التدوين في الوسط الإخواني.

 

الحرية

بدأت جهاد ضياء فرحات (مدونة الحرية لضياء فرحات) كلامها بأنها لم تكن تعلم عن التدوين، ولم تُفكِّر فيه قبل المحاكمة العسكرية لوالدها، ولم تتخذ قرار إنشاء المدونة إلا لإظهار الصورة الحقيقية لوالدها وكشف الظلم الواقع عليه، وقالت: "رواد المدونة من مختلف الأطياف السياسية الموجودين ولا يقتصرون على الإخوان فقط، بل إن زوار المدونة من الناصريين والاشتراكيين والأطياف الأخرى قد يكونوا أكثر من الإخوان الذين يزورون المدونة لحاجتهم للمعرفة المتعمقة بالشخصية الإنسانية للدكتور ضياء والمكانة العلمية التي وصل إليها، وكيف يُحاكم هذا الإنسان محاكمةً عسكرية"، وأكدت أن للمدونات خصوصًا مدونات أبناء المعتقلين دورًا مهمًّا في نشر القضية بين وسط رواد الإنترنت خصوصًا أنهم ينقلون الأحداث أولاً بأول بصفتهم الوحيدين الذين يستطيعون هذا لأنهم مَن يحضرون جلسات المحاكمة.

 

سبب

ويرى عبد الله عصام حشيش (مدونة الحرية للدكتور عصام حشيش)، أن المحاكمات العسكرية كانت سببًا في انتشار المدونات التي كانت محدودةً جدًّا قبل المحاكمات، وأن الشباب رأوا في المدونات منبرًا يُعبِّر عن آرائهم، وأصواتهم لما يحدث معهم ومع قيادتهم، كما أن لها دورًا فعَّالاً في توصيل صوت الشباب لوسائل الإعلام المختلفة، بالإضافة إلى أنها وسيلة سهلة وغير مكلفة ويمكن وضع كل شيء عليها، وقال: "أعتقد أن للمدونات أثرًا كبيرًا في سير القضية من حيث إنها كانت سببًا في فضح المهازل التي تحدث في الجلسات بالإضافة إلى تجميع رأي عام شعبي على الأقل من رواد الإنترنت لصالح المعتقلين "كما أكد أنه لجأ إلى طريق المدونات؛ لأنها وسيلة تفاعلية يمكن الوصول عن طريقها لعددٍ كبيرٍ من خلال إرسال رسائل بضغطة زر واحدة، وأن الهدف الحقيقي هو توصيل القضية ونشرها وتوصيل الحقيقة لجموع الناس بدون خوفٍ كبديلٍ أكثر تأثيرًا عن المظاهرات والاعتصامات.

 

وأضاف أن لزوار المدونة جانبًا كبيرًا في نشر القضية، وأن زوار مدونته من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الطبقات، فمنهم الطلبة وأساتذة الجامعات وأغلبهم من غير الإخوان ولكنهم متعاطفون معهم ويحبونهم، وأكد أنه سيكون للمدونات دور فعَّال في الفترة القادمة كوسيلةِ ضغطٍ وفضحٍ للتزوير الحادث في الجلسات والمحاكمات.

 

خديجة مالك (مدونة الحرية لحسن مالك) قالت إنها لم تكن تدون قبل المحاكمات ولم تكن لها الرغبة في التدوين، ولكنها كانت تسمع عنه، وقررت إنشاء المدونة بعد تحويل والدها للمحاكمة العسكرية لتُظهر مدى الظلم الواقع على والدها ولإظهار الحقيقة الكاملة والغائبة عن القضية، وأن والدها ومَن معه من شرفاء الوطن وليسوا ممن يستحقون المحاكمة.

 

وقالت: "فكرة التدوين بدأت معي عندما رأيتُ مدونة (انسى)، وما تُقدمه للمعتقلين من متابعة لأخبارهم وتغطية الأحداث المتعلقة بهم، وفوجئت بعد ذلك بمدى الإقبال الكبير على مدونات أولاد المعتقلين من كل الأطياف السياسية، حتى المختلفين مع الإخوان سياسيًّا، ولكنهم متعاطفون معهم اجتماعيًّا وإنسانيًّا"، كما أكدت أن للمدونات دورًا كبيرًا في نشر الصورة الحقيقية للمحاكمات والتزوير الحادث بها، وأنها كانت سببًا في تغيير الصورة المشوهة، والتهم المفبركة التي صورتها وسائل الإعلام الحكومية.

 

تجربة

زينب أمير بسام (مدونة الحرية لأمير بسام) تقول إنها كانت تسمع عن المدونات قبل المحاكمات العسكرية، ولكن لم تُفكِّر في إنشاء مدونة لها، وأنها مع بداية المحاكمة لوالدها قررت أن تكون المدونة هي المنبر الذي تستطيع من خلاله أن توصل الرسالة التي كان يعيش والدها من أجلها، بالإضافة إلى تعريف زوار المدونة بشخصية والدها، كما أكدت أن للمدونات تأثيرًا كبيرًا على سير المحاكمات من الناحية الإعلامية من فضحٍ للتجاوزات التي تحدث في الجلسات وتعريف وسائل الإعلام بشخصيات المعتقلين.

 

هذا، بالإضافة إلى تعريف شريحة مستخدمي الإنترنت بالحالة الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها أولاد المعتقلين، كما أنها تأمل أن يكون للمدونات دور أكبر في الفترة القادمة في نقل الحقيقة كاملة خصوصًا عندما تبدأ جلسات المرافعة للمحامين.

 

رجل حر

سعد الشاطر (مدونة رجل حر رغم القيود) أشار إلى أنه لم يكن يعرف التدوين قبل المحاكمات، وأنه فُوجئ بالتدوين من نشر تقريرٍ على شاشة قناة الجزيرة عن المدونين، موضحًا أنه لم يأتِ في التقرير، أي إشارة إلى مدونين عرب، كما أظهر التقرير أن المدونات في الشرق الأوسط لم تنل أي اهتمام، وأن فكرة التدوين جاءت له بعد محاولة تشويه الحكومة والنظام صورة الإخوان، وخصوصًا المحالين عسكريًّا بتقارير وأخبار كلها تدليس ولا تمت الواقع بصلة، فكانت فكرة التدوين للتعبير عن هؤلاء المعتقلين ولإثبات الصورة الحقيقية لهم، وقال: "بدأنا جميعًا بمدونة (انسى) التي أخذت مجهودًا كبيرًا من كل أولاد المعتقلين، حتى انتشرت المدونة وأصبحت المدونة الأكبر التي تتكلم عن أحوال المعتقلين، وأصبحت المدونة التي تأخذ وسائل الإعلام عنها تقاريرها".

 

وأكد أن للمدونات أثرًا كبيرًا في نشر القضية وسط الشباب خصوصًا المدونين منهم، كما لاقى هؤلاء المعتقلون التعاطف الشديد من كل أطياف الشعب من خلال المدونات، بالإضافة إلى نشر الفضائح والتجاوزات التي تحدث، وأنه سيكون للمدونات الأثر الأكبر خلال الفترة القادمة من المحاكمات، وعن زوار المدونة قال: "يتصفح المدونة كل الأطياف السياسية، بل ويصل الأمر إلى زوار ومتصفحين من كل أنحاء العالم سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وكان هذا سببًا رئيسيًّا في عمل مدونة (انسى) الإنجليزية والفرنسية؛ لأن هؤلاء الزوَّار لم تكن الصورة واضحة لهم تمامًا بسبب عدم قدرتهم على التواصل باللغة العربية".

 

واتفقت أسماء ياسر عبده (مدونة الفجرية) في الدور التي تقوم به المدونات في التوعية والتوجيه ونشر القضية وتكوين رأي عام واسع بين رواد الإنترنت ضد المحاكمات العسكرية وما يحدث فيها، كما أعطت فرصةً أكبر للتفاعل والتضامن من الزوار مع الأسر ومع المعتقلين أنفسهم حتى وإن كان تفاعلاً وتضامنًا نفسيًّا فقط، وأكدت أنها لم تكن تدون قبل إحالة والدها إلى المحاكمة العسكرية، وأن اعتقاله كان السبب في إخراج ما بداخلها من مشاعر وأحاسيس، وقالت: "سميت مدونتي (الفجرية) لأني آمل أن يظهر الفجر قريبًا بعد كل هذا الظلام الحالك التي نعيش فيه، وأن المدونة تُعبِّر عن شخصيتي وبها كتاباتي وأعمالي الأدبية بجانب متابعة الأحداث الجارية والدفاع عن والدي".

 

وأكدت أنه سيكون للمدونات دور أكبر خلال الفترة القادمة خصوصًا أن المحاكمات بدأت تقرُب على نهايتها وإصدار الأحكام في الرغبة في معرفة خلفية الأحكام على المعتقلين، وأسرهم ومعرفة الشخصية الإخوانية وتأثير الأحكام القضائية عليها.