- تضرر 7600 شخص ماليًّا و7350 طالبًا علميًّا و76 شركةً مضارة أو مغلقة
- توقف 28 رسالة دكتوراه و17 رسالة ماجستير وعشرات الأبحاث العلمية
- توجيه تهمة غسيل الأموال لرجال الأعمال بقعة سوداء على جبين النظام
تقرير: حسونة حماد
لم يكن غريبًا أن تحتل مصر ذيل قائمة الدول الأكثر جذبًا للاستثمار، بل ويتراجع ترتيبها في أحدث تقريرٍ للبنك الدولي هذا العام إلى المرتبة 162 ضمن 173 دولةً، ولم يكن غريبًا أن يهرب من مصر العديد من الاستثمارات الأجنبية وحتى المحلية تُقدَّر بمليارات الجنيهات رغم كل التنازلات التي تُقدمها الحكومة المصرية لصالح المستثمر الأجنبي على حساب المستثمر المصري "ابن البلد" لدرجة دفعت محمد فريد خميس رئيس لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشورى المصري أن ينتقد كثرة تدليل الحكومة للمستثمر الأجنبي قائلاً: "كفاية دلع بقى، إحنا ناقصين نفرش لهم الأرض سجاد"، واتفق أيضًا معه الدكتور حسن راتب رئيس جمعية مستثمري شمال سيناء وقال: إن الحكومة المصرية بليدة في جذب الاستثمار رغم أن مصر دولة غنية جدًّا وبها من المقومات والمميزات النسبية التي تميزها عن دولٍ كثيرةٍ تتصدر قائمة الدول الأكثر جذبًا للاستثمار.
وعلى الرغم من أن الحكومة تُقدِّم القرابين للمستثمرين الأجانب على حساب المواطن المصري "الغلبان" إلا أنَّ الأمر مختلف مع المستثمر المصري وبعيدًا عن رجال الأعمال الذين بنوا ثرواتهم من أموال البنوك ومص دم الشعب فإن هناك رجالَ أعمال آخرين شرفاء أثبتوا وجودهم في الساحة الاقتصادية دون واسطة من "فلان" أو تدليل من "علان"، والحكومة مع هذا النوع الأخير استحضرت من جعبتها مساوئ قانون الطوارئ، وأعملت المادة الثالثة من قانون الطوارئ 162 لسنة 1958م والمعمول به حتى الآن الذي يُعطي الحكومة حرية الاستيلاء على أي منقولٍ أو عقار، وفرض الحراسة على الشركات متى تشاء، وهو ما حدث مع رجال الأعمال من الإخوان المسلمين الذين يمر الآن عامٌ على اعتقالهم ومحاكمتهم عسكريًّا والتحفظ على أموالهم وغلق شركاتهم "بالضبة والمفتاح"، بينما فتحت مزادًا علنيًّا لبيع مقدرات الوطن للأجانب؛ الأمر الذي جعل البيئةَ مناسبةً لخلق مناخٍ طبيعي لميلاد الفساد والرشوة والبيروقراطية المعطَّلة، والذي أدَّى إلى هروب 200 مليار دولار خلال ربع قرن- بحسب تصريح للدكتور عزيز صدقي- وتضخُّم الدَّين الخارجي إلى 36 مليار دولار وتضخُّم الدَّين المحلي إلى 600 مليار جنيه وانخفاض الاستثمار الأجنبي بنسبة تجاوزت 40%، وهروب الاستثمار الوطني للخارج بنسبة 550% (من 47 مليارًا إلى 264 مليار جنيه) وتراجع ترتيب مصر بين الدول الجاذبة للاستثمار إلى الترتيب 162 من 173 دولة.
فضلاً عن تراجع الودائع بالجهاز المصرفي وزيادة معدلات التضخم وتزايد العجز في الميزان التجاري إلى 747 مليون دولار وتراجع الصادرات الشهرية، خاصةً القطن وتزايد مستفز في أسعار السكر والخضراوات المجمَّدة، بينما تنخفض في معظم بلدان العالم.
وقد حذَّرت دراسةٌ رسميةٌ لهيئة سوق المال المصرية من خطورة التصعيد الأمني الأخير ضد رجال الأعمال بجماعة الإخوان المسلمين، لأنه يبعث رسائل سلبية للخارج عن سوء مناخ الاستثمار في مصر، موضحًة أن ذلك قد يتسبب في انتكاسة جديدة بأداء البورصة المصرية، لا سيما وقد بدأ كثيرٌ من رجال الأعمال في تسييل محافظهم المالية خوفًا من تعرُّض السوق لنكسةٍ قريبة، بعدما تردد الحديث- مؤخرًا- عن خروج 21 مليار جنيه (3.3 مليار دولار) من السوق المالية المصرية.
والآن ومع مرور عام على المحاكمات العسكرية لـ40 إصلاحيًّا مصريًّا من العلماء والمهنيين ورجال الأعمال يعولون أكثر من 50 أسرةً و136 ابنًا وابنةً و29 حفيدًا نتج عن اعتقالهم 7600 شخص مضار ماليًّا و7350 طالبًا مضار علميًّا و76 شركةً مضارة أو مغلقة وتوقف 28 رسالة دكتوراه و17 رسالة ماجستير وعشرات الأبحاث العلمية.
هؤلاء يُحاكمون أمام محاكم عسكرية استثنائية تُصادر أموال وتُغلق الشركات ويُشرَّد العمال ويُحاربون في أرزاقهم ويُحرمون من أسرهم وأبنائهم رغم أنهم لم يغرقوا العبَّارات ولم يحرقوا القطارات ولم يسرقوا البيوت ولم يلوثوا دماء المصريين؛ الأمر الذي ترتب عليه خسائر كبيرة تُقدَّر بملايين الجنيهات في رءوس أموال الشركات المتحفظ عليها، والتي تمَّ إغلاقها على خلفية القضية المفتعلة من قبل السلطات الأمنية والمنظورة حاليًا أمام القضاء العسكري.
وتتضاعف هذه الخسارة عدة مرات عند إضافة خسائر الأرباح المفترضة والإصابات الشديدة في دورة رءوس الأموال بتلك الشركات، سواء في أموال الإخوان أو في أموال شركائهم من رجال الأعمال المصريين والأجانب، فضلاً عن الآلاف الذين خسروا فرص العمل بالمشروعات التي كان من المفترض تدشينها في الفترات المقبلة كالمشروع الذي أسس له رجل الأعمال حسن مالك لإنشاء مصنع أثاث بالعاشر من رمضان، وكان المتوقع له أن يقوم بتشغيل 1000 عامل مصري.
وكانت من أكبر الشركات المتضررة شركات المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام للإخوان المسلمين ورجليّ الأعمال حسن مالك وعبد الرحمن سعودي؛ نظرًا للتعنت الشديد ضد شركاتهم التي تمَّ تشميعها بالكامل مع سرقة ما تمَّ العثور عليه في حوزتها من ملايين الجنيهات، وكذلك لأن شركات الثلاثة تُعتبر من أكبر شركات العمل والاستثمار في السوق المصري.
معركة اقتصادية
خبراء الاقتصاد أكدوا أن شركات الإخوان المغلقة تُمثِّل من الناحية الاقتصادية رافدًا من روافد الاقتصاد القومي، وتعمل في أنشطة واستثمارات متعددة في مجال العقارات والتنمية الزراعية والملابس الجاهزة والبرمجيات والمواد الغذائية.. إلخ.
واعتبر الخبراء أن تهمة غسيل الأموال التي وُجِّهت لبعض قيادات الجماعة تضر بوضع الدولة في مصر قبل أن تضر بالإخوان؛ لأن هذه التهمة واعتراف الحكومة بها على هذا النحو تُصنِّف مصر في خانةٍ أخرى مع الدول التي تقوم بغسيل الأموال، والتي يُمنع التعامل معها أو التحريض على عدم الاستثمار فيها، وأن الحكومة استخدمت في خصومةٍ سياسيةٍ ضد الإخوان سلاحًا سيضر بها قبل الإخوان.
يعلق رجل الأعمال حسن مالك على الآثار السلبية الناتجة عن اعتقال وإرهاب رجال أعمال الإخوان قائلاً: خسارة كبيرة جدًّا ليس لنا فقط كأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، ولكن للبلد كله، مضيفًا: أبسط مثال على ذلك هو أنني قبل اعتقالي في تلك القضية مباشرةً كنتُ قد تعاقدتُ مع شركةٍ أجنبيةٍ كبرى للاستثمار في مصر، واتفقتُ معها فعلاً على إقامة مصنع ضخم لصناعة وتصدير الأثاث للخارج، وبعد إنهاء جميع الموافقات وتخصيص الأرض اللازمة للمصنع تم اعتقالي.
وأكد أنه ترتب على اعتقاله إلغاء هذه الشركة لكل تعاقداتها وهربت من مصر، وهذا طبعًا حال عددٍ من الشركات الأخرى، مشيرًا إلى أنه في مجال الاستثمار تحديدًا معروف أن أخطر شيء هو عدم احترام القانون وأحكام القضاء، وهذا طبعًا متوافر بكثرةٍ في قضيتنا؛ لأن إغلاق تلك الشركات تمَّ بدون سندٍ من القانون أو أي حكمٍ قضائي نهائي، وعندما يعرف المستثمرون ذلك لن يُفكروا مرةً أخرى في الاستثمار داخل مصر.
وأوضح مالك أن هناك بالطبع آثارًا أخرى بالغة الخطورة حدثت على مستوى البورصة، مؤكدًا أنه حدث بالفعل اضطراب شديد في بداية القضية في معدلات البورصة؛ حيث زاد معدل السحب من ودائع البنوك المختلفة في مصر.
ولفت مالك إلى أنه تعرَّض لخسائر مالية وأدبية لا حصرَ لها جرَّاء إحالته إلى المحاكمة العسكرية وتلفيق قضايا له لا أساسَ لها من الصحة.
ويوضح ممدوح الولي- الخبير الاقتصادي- أن إغلاق شركات الإخوان مخالف لجملة القوانين الاقتصادية المصرية، ويخالف أيضًا الروح التي سادت مؤخرًا بعدم اللجوء إلى القوانين الاستثنائية مثل قانون الطوارئ في معالجة الملفات الاقتصادية، واستبعد الولي تأثر الاقتصاد الإسلامي في مصر كثيرًا بحملة الاعتقالات الأخيرة، لكنه أقرَّ بأن مناخ الاستثمار العام في البلاد بات مهددًا بمزيد من التراجع بعد اهتزاز ثقة رجال الأعمال المصريين والعرب وازدياد مخاوفهم من أن تطالهم نفس الإجراءات، وربما "لتصفية حسابات قديمة في السوق، غير مرتبطة بالعمل السياسي".
ورأى أن التعاطف الديني القوي لدى المصريين وتجاربهم الجيدة مع البنوك والمؤسسات الإسلامية جنب الاقتصاد الإسلامي بمصر هزة، ربما كانت ستصبح الأقوى منذ قضية شركات توظيف الأموال في التسعينيات، لكنه أبدى تخوفه من تأثير هذه الملاحقات الأمنية على خطط ومشروعات رجال الأعمال العرب والمسلمين في البلاد مستقبلاً.
الدكتور عبد الحميد الغزالي
ويضيف الدكتور عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة- قائلاً: إن إغلاق أكثر من 30 شركةً مصريةً من شأنه بالتأكيد التأثير على كافة قطاعات الاقتصاد في البلاد بما فيها الاقتصاد الإسلامي، خاصةً أن تهمة "غسيل الأموال" المُوجَّهة لأصحاب الشركات المغلقة مرتبطة لدى المصريين بقضية شركات توظيف الأموال المثيرة للجدل، ووصف الخبير الاقتصادي قرار إغلاق هذه الشركات وتسريح نحو ثلاثة آلاف عامل وموظف مصري، فضلاً عن التحفظ على قرابة 100 مليون دولار، بأنه "غير مسئول ويفاقم من مشاكل البطالة والفقر والتضخم التي يعاني منها الاقتصاد المصري"، متسائلاً: "كيف تجزم الحكومة بأن جميع العاملين بهذه الشركات هم أعضاء بالإخوان؟".

وللتدليل على كبر حجم مشروعات الإخوان التي تمَّ إغلاقها ومدى الآثار السلبية المتوقعة من جرَّاء ذلك على الاقتصاد المصري نسوق هذه النماذج.
قلعة "سعودي" الاقتصادية
المهندس عبد الرحمن سعودي من أكبر رجال الأعمال والتجارة في مصر، صاحب سلسلة سوبر ماركت "سعودي" وشركتي التنمية العمرانية والجيزة الطبية، سبق أن ساهمت شركة التنمية العمرانية في تنفيذ الكثير من المشروعات الحكومية التابعة لوزارات التعليم والتعليم العالي والصحة.
ويصل إجمالي حجم استثمارات "سعودي" إلى (300) مليون جنيه، وتضم الشركات حوالي (1400) موظف مؤمن على 90% منهم، وقد شارك عبد الرحمن سعودي مؤخرًا في تنفيذ الكثير من المشروعات العمرانية في دول قطر والسودان وليبيا، وحاليًا لديه الكثير من المشروعات في هذه البلدان التي توقفت جميعها بعد إغلاق شركة التنمية العمرانية، كما توقفت المشروعات التي ينفذها للحكومة المصرية بسبب التحفظ على ملفات هذه المشروعات واحتجاز البعض منها داخل الشركة، كما أنه تم إغلاق شركة التنمية العمرانية للاستثمار العقاري التي يمتلكها شقيقه زكريا سعودي.
وقد تم اقتحام الشركتين مساء يوم 14 يناير الجاري، وتم الاستيلاء على جميع الأموال الموجودة فيهما وأجهزة الكمبيوتر وجميع الأوراق والمستندات، كما تم القبض على عبد الرحمن سعودي نفسه.
مشروعات "مالك"
![]() |
|
مالك مع رئيس الوزراء التركي |
أول المشروعات التي أُغلقت وكان يمتلكها هي شركة "مالك للتجارة والملابس الجاهزة" صاحبة توكيل استيراد وتصدير ملابس جاهزة، وتمتلك محلاً باسم "رواج للتجارة"، ويعمل في هذا المشروع وحده (50) عاملاً وموظفًا، ويملك حسن مالك أيضًا مصنع "مالك للغزل والنسيج" بمدينة 6 أكتوبر، ويعمل فيه ما بين (100- 150) من العمال والموظفين والمهندسين، وتم إغلاقه أيضًا.
أما بقية المشروعات التي تم إغلاقها في يناير الماضي أيضًا، ويعتبر حسن مالك مساهمًا فيها ضمن مجموعة من رجال الأعمال فهي توكيل "استقبال" للأثاث والمفروشات التركية وله (5) فروع، ويعمل في تلك الفروع وحدها (100) عامل وموظف.
دار الطباعة والنشر
كما تم إغلاق دار التوزيع والنشر الإسلامية، وهي شركة توصية بسيطة تأسست عام 1978، ويُساهم فيها حاليًا (24) شريكًا، وتمتلك الدار عدة مكتبات، إضافةً إلى مخزن في قليوب ومطبعة في العاشر من رمضان، ويعمل بمقر الدار الرئيسي بالسيدة زينب والمطبعة وبالمخزن (34) موظفًا وعاملاً، ويبلغ حجم أعمالها السنوية (500) ألف جنيه.
وأثناء الاعتقال تحفظت الشرطة على (9) أجهزة كمبيوتر، إضافةً إلى جهاز "لاب توب" والمستندات الموجودة بالدار ومبلغ (166) ألف جنيه كانت في الخزينة، وهي رواتب الموظفين والمنح التي كانت ستُصرف لهم بمناسبة عيد الأضحى، فضلاً عن جزءٍ من إيرادات الدار.
وفيما يلي جدول يوضح باختصار شديد الآثار السلبية المترتبة على إحالة 40 إصلاحيًّا مصريًّا من العلماء والمهنيين ورجال الأعمال إلى المحاكمات العسكرية:
|
|





















