من رحمة الله بخلقه ومن مظاهر لطفه بعباده أن جعل لهم على مر الأيام والشهور مواسمَ للطاعة ومحطاتٍ للمغفرة، فما أن انقضى رمضان وتزوَّد الناس بالصيام والقيام والنفقة في وجوه الخير حتى جاءت محطة أخرى وموسم آخر لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات إنه موسم الحج. قال أبو الشعثاء جابر بن زيد- رحمه الله-: "نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك كله".

 

فهيا أخي المسلم إلى سوق من أسواق الخير لنتاجر مع الله لنربح الجنة﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (111)﴾ (التوبة)، ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)﴾ (الحديد).

 

من حِكَم الحج

من الحكم الجليلة لهذه الفريضة السمع والطاعة لله والانقياد والإذعان والخضوع له سبحانه، والتدرب على حمل المشاق، والبذل، وحسن الخلق، والتحكم في النفس ومشاركة المسلمين بعضهم بعضًا في الخير، وبحث قضاياهم، والظهور بمظهر الوحدة كسرًا لقلب العدو، لقد أراد الله للناس أن يجتمعوا في بيته الذي أمر إبراهيم الخليل برفع قواعده ليعيشوا إنسانيتهم الموحدة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾ (المؤمنون)، ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).

 

ستظل هذه الفريضة في ارتباطها بالبيت الحرام وفي استجماعها لفرائض الإسلام كلها، وفي تعويدها المسلم الانخلاع من بلاده وأرضه وماله وأهله وأصدقائه نموذجًا عاليًا للتجرد لله سبحانه والتضحية في سبيله بكل العلائق الأرضية الدنيوية.

 

الأمة لم تمت

هناك دلالة واضحة تلحظها عندما ترى الشوق والحنين لأداء هذه الفريضة وترى التدافع والتسابق عند تقديم أوراق السفر والحزن الشديد والبكاء لمَن فاتته الفرصة أو شاهد الحجاج يؤدون المناسك في الأراضي المقدسة، وهو في بلده بعيدًا عنهم هذا يدل على أن الأمة الإسلامية ما زالت حيةً، وفيها مقومات النصر فهي لم تمت ربما تمرض وتعتريها العلل، ولكنها ستظل حيةً حتى تستعيد مكانتها التي أرادها الله لها ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ (110)﴾ (آل عمران)، فالخير مخزون في القلوب نحو الإسلام وحب الله تعالى مستقر في الضمائر والحنايا.

 

مكانة الحج في الإسلام

الحج ركن من أركان الإسلام وهو من أفضل الأعمال كما أخبر الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم-. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: "سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: يمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله" قيل ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (المبرور: الذي لم يخالطه إثم).

 

والحج يمحو به الله الذنوب ويحط به الخطيئات ويعود بالعبد كيوم ولدته أمه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (رواه البخاري ومسلم).

 

الحج والجهاد

الحج جهاد الكبير والضعيف والمرأة والجبان عن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان، وإني ضعيف، فقال: "هلمَّ إلى جهاد لا شوكةَ فيه: الحج" (رواه النسائي بإسناد حسن).

 

وروي عن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟؟ قال: "لكُنّ أحسن الجهاد وأجمله: الحج، حج مبرور".

 

ويجدر بنا أن نشير إلى الجهاد المقدس والفريضة الغائبة عن كثيرٍ من المسلمين، إنه الجهاد المفروض على الشبان والشيوخ والأغنياء والفقراء قال تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾ (التوبة).. ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (216)﴾ (البقرة).

 

ومرتبة الجهاد في سبيل الله تسبق مرتبة الحج المبرور كما جاء في الحديث الذي ذُكر آنفًا عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله" قيل ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" (متفق عليه)، وعنه رضي الله عنه قال: مرَّ رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشِعب فيه عيينة من ماء عذبة فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى استأذن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فذكر ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزُ في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فوَاق ناقة (ما بين الحلبتين) وجبت له الجنة" رواه الترمذي وقال حديث حسن.

 

الحج سياحة إيمانية

هذه الرحلة السياحية الإيمانية عنوانها التوحيد والوحدة. توحيد الله عز وجل، ووحدة الصف، ووحدة الهدف والغاية، أول ما تجد في هذه السياحة الإيمانية تجد الحب لله والهوى الشديد لمقدساته لتعلم أنك لن تذوق حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما، وهذا الحب يجعل المسلم يتحمل الصعاب في سبيل الوصول إلى الله؛ لذلك ترى المُقعد يذهب للحج والأعمى يطوف بالبيت والأعرج والمريض يسعى بين الصفا والمروة، فحينما تمتلئ القلوب بحب الله يهون كل شيء في سبيله تعالى.

 

ذهب الأصمعي ذات سنة للحج ورأى مُقعدًا أثناء سيره ببلاد العراق فقال له الأصمعي: أيها الرجل من أين أنت؟ قال: من سمرقند، فقال: له أين تذهب؟ قال: إلى بيت الله الحرام لأحج، قال: فكم لك في الطريق؟ قال خمس سنين، فتعجب الأصمعي، وضرب كفًّا بكفٍّ، فقال له الرجل: لِمَ تتعجَّب؟! فقال: أعجب من ضعف صحتك وبدنك وطول رحلتك، فردَّ عليه الرجل وقال: أمَّا ضعفُ بدني فمولاي يحمله، وأما طول رحلتي فالشوق يقربه، ثم أنشد يقول:
زُر من هويت وإن شطت بك الدار وحال من دونها حجبٌ وأستار
لا يمنعنك بُعدٌ عن زيارته إن المحب لمن يهواه زوَّار
الحج والكسب الحلال
من شروط الحج الكسب الحلال.. جاء في الحديث الصحيح: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، وروي عن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرج الحاج حاجًّا بنفقة طيبة (حلال)، ووضع رجله في الغرز (ركاب من جلد يعتمد عليه الراكب حين يركب)، ونادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك (أجاب الله حجك) زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور (جالب للوزر والإثم) غير مأجور" (رواه الطبراني في الأوسط).
هكذا أخي الكريم لا تُقبل الأعمال إلا إذا كان الكسب حلالاً، بعيدًا عن الغش والتدليس والسلب

 

النهب والرشوة وعن الربا؛ ولأن الربا كسب حرام وخبيث نهانا عنه ربنا ووضعه، وأمر بتركه نبينا- صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: "وربا الجاهلية موضوع (باطل)"، ويؤكد لنا النبي- صلى الله عليه وسلم- شناعة الربا فيقول: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا؛ أدناها أن يأتي الرجل أمه"، رواه الحاكم.

 

والدعاء لا يُقبل إلا إذا كان الكسب حلالاً؛ فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)﴾ (البقرة) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)﴾ (المؤمنون).. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب.. يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك؟!" (صحيح).

 

وعندما قال سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال صلى الله عليه وسلم: "يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" (جامع العلوم والحكم لابن رجب).

 

وقفات إيمانية مع أركان الحج

* الإحرام.. يُحرم المسلم لله، يترك ثيابه وعطوره وزينته، يخلع الدنيا عن بدنه ويخلع كل جواذب الأرض من نفسه ويصوم عن اللذَّات الجنسية والشتم والسب والكذب والفحش؛ تمهيدًا للصوم عن حركة الغرائز المحرمة والزينة المحرمة خلال رحلة الحياة كلها ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197)﴾ (البقرة).

 

والإحرام يذكِّر بالآخرة.. فملابس الإحرام كملابس الأكفان تناديك: يا عبد الله، أنا ثيابك في الإحرام، وكفنك يوم وداعك وخروجك من الدنيا، فتذكَّر: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ {29} إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ {30}﴾ (القيامة).

 

تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا

والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهل فهل ترى فيه حرفًا غير ما كانَ!!

فلمّا قرأت ولم تنكر قراءته وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا

نادى بك الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا

المشركون غدًا في النار يلتهبوا والموحِّدون بدار الخلد سكانا

 

* من آداب الإحرام.. النظافة والطهارة والتطيب في البدن والثياب وهكذا يجب أن يكون المسلم طاهرًا في مظهره ومخبره ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ {222}﴾ (البقرة)، وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطّهُور شطر الإيمان" (رواه مسلم)، (الطُّهور: التطهير، شطر: نصف).

 

* الطواف.. يطوف المسلم بالكعبة عكس اتجاه عقارب الساعة؛ ليعود بذاكرته إلى الوراء، يستعرض ماضيه وما فرَّط فيه وما قصَّر في جنب الله، فيتوب ويرجع إلى الله، وكذلك يعود بذاكرته إلى أمجاد الماضي ليصل حاضره بماضيه المجيد..
ملكنا هذه الدنيا القرونا وأخضعها جدودٌ خالدونا
وسطَّرنا صحائف من ضياءٍ فما نسى الزمان وما نسينا
وكنا حين يأخذنا وليٌّ بطغيان ندوس له الجبينا
تفيض قلوبنا بالهدى بأسًا فما نغضي عن الظلم الجفونا
ويتذكر رسالة ملك إنجلترا والنرويج والسويد إلى السلطان هشام الثالث في الأندلس التي جاء فيها:

إلى صاحب العظمة/ خليفة المسلمين/ لأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنجليز، لتتشرَّف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف، وتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وفي حماية الحاشية الكريمة..

 

وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص.. من خادمكم المطيع جورج الثاني.

 

ويتذكر الرسالة التي بعث بها ريتشارد قلب الأسد إلى صلاح الدين الأيوبي جاء فيها: من ريكاردوس قلب الأسد ملك الإنجليز إلى صلاح الدين الأيوبي ملك العرب..

 

أيها المَولَى.. حامل خطابي هذا بطل باسل صنديد، لاقَى أبطالكم في ميادين الوغى، وأبلى في القتال البلاء الحسن، وقد وقعت أخته أسيرة، فقد كانت تدعى (ماري) وصار اسمها (ثريا)، وإن لملك الإنجليز رجاءً يتقدم به إلى ملك العرب.

 

فردَّ عليه صلاح الدين على رسالة ريتشارد:

من السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى ريكاردوس ملك الإنجليز..

أيها الملك: صافحتُ البطل الباسل الذي أوفدتموه رسولاً إليَّ، فليحمل إليكم المصافحة مما عرف قدركم في ميادين الكفاح. وإني لأحب أن تعلموا بأنني لم أحتفظ بالأخ أسيرًا مع أخته؛ لأننا لا نُبقي في بيوتنا سوى أسلاب المعارك، لقد أعدنا للأخ أخته، وإذا ما عمل صلاح الدين بقول عمر بن الخطاب، فلكي يعمل ريكاردوس بقولٍ عندكم: "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، فرُدَّ أيها الملك الأرضَ التي اغتصبتَها إلى أ صحابها؛ عملاً بوصية السيد المسيح عليه السلام.

 

وعندما يطوف المسلم فليعلم أنه يطوف حول منهج الله وشرعه، فيجب أن يدور مع الإسلام ومع القرآن ومع الحق حيث دار، والمسلم الذي يطوف بالبيت العتيق الذي هو مركز الأرض وقبلته، يجب ألا يطوف بالبيت الأبيض أو الأحمر أو بيوت الظالمين والعاصين، ويجب ألا يكون مستكبرًا كجبَلة بن الأيهم، الذي كان يطوف بالكعبة وهو مستكبر؛ لأنه ذو منصب وإمارة، فداس أعرابي على ثوب جَبَلة فضربه فهشم وجهه، فشكا الأعرابي جَبَلة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحكم للأعرابي أن يقتص منه فاعترض جبلة واستنكر وقال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا أمير وهو سوقة (يعني من الفقراء والمساكين)، فقال سيدنا عمر: الإسلام سوَّى بينكما؛ ففضَّل جَبَلة أن يكون عميلاً للروم وخائنًا لوطنه ودينه وقومه.

 

من شروط الطواف

ستر العورة لحديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس في يوم النحر: "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (رواه الشيخان).

 

فليحرص المسلم على ستر عورته وعورات المسلمين في كل أحواله "من خزن لسانه ستر الله عورته"، وجاء في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" (رواه مسلم).

 

السعي بين الصفا والمروة

إن سعي الحاج بين الصفا والمروة التزام بالسعي طوال الحياة نحو الله، والتزام بعدم السعي إلى المعصية أو إلى العصاة والظالمين.

 

السعي يعلمنا اليقينَ فيما عند الله؛ قالت السيدة هاجر لسيدنا إبراهيم عندما همَّ بالرحيل وكان معها رضيعها: إلى مَن تتركنا؟ قال: إلى الله، فقالت: قد رضيت، ثم رجعت وأخذت بالأسباب ولم تيأس.

 

السعي بين الصفا والمروة يدعونا إلى السعي في قضاء حوائج المسلمين، وإلى الاستجابة لأمر الله  ﴿فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: من الآية 9).

 

وعندما تسعى تطمئن لإجابة الدعاء؛ لأن ذهابَك هناك هو استجابةٌ لدعوة الخليل عليه السلام؛ حيث إنه عندما ترك زوجه وولده كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا، رافعًا يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)﴾ (إبراهيم).

 

الوقوف بعرفة

من أهم أركان الحج الوقوف بعرفة، وهو أفضل يوم عند الله، جاء في حديث جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ".. وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي، جاءوني شعثًا غُبرًا ضاحين، جاءوا من كل فجٍّ عميق، يرجون رحمتي ولم يرَوا عذابي، فلم ير أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة".

 

فهل لك أخي المسلم في أن يباهي بك الله ملائكته.. سارع إلى طاعته ومرضاته فلا يجدنَّك حيث نهاك ولا يفقدنَّك حيث أمرك.

 

من واجبات الحج رجم إبليس

فلا ينبغي أن ترجم إبليس هنا وتطيعه عند عودتك، بل اتخذه عدوًّا كما أمرك الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)﴾ (البقرة)، وعليك أن تأخذ الإسلام كله ولا تتبع خطوات الشيطان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)﴾ (البقرة).

 

والسِّلم: هو الإسلام، أي ادخلوا في الإسلام بجميع شرائعه وبجميع أحوالكم ظاهرًا وباطنًا، وخطوات الشيطان هي طرقه وآثاره وأعماله، والشيطان يُخذِّل المسلم عن الإنفاق في سبيل الله ويعده الفقر ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)﴾ (البقرة)، يخيل إليكم بوسوسته أن الإنفاق في الخير يُذهب المال.

 

واحذر أخي المسلم أن يتخبَّطك الشيطان بأخذك الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ (البقرة: من الآية 275)، أي الذين يأخذون الربا يقومون من قبورهم يوم القيامة، كالذي يصرعُه الشيطانُ ويضرب به الأرض ضربًا شديدًا، كالذي أصابه الجنون والخبل، واعلم أخي المسلم أن حزب الشيطان هم الخاسرون كما أخبر ربنا في سورة المجادلة ﴿..أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ (19)﴾.

 

التلبية

تُستحب التلبية عند الركوب والنزول، كلما علا الحاج شرفًا ومكانًا مرتفعًا، أو هبط واديًا، وفي دبر كل صلاة وبالأسحار، قال الشافعي: ونحن نستحبها على كل حال.

 

يرتفع صوت الحاج "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"، فهل يلبي نداء الله في الحج ولا يلبي في بقية الأعمال؟! على المسلم الحاج، وغير الحاج أن يستجيب، ويلبي أمر الله، وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليحيا الحياة الحقيقية. الحياة الكريمة في الدنيا والآخرة ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24)، وفي اتباع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حب الله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية 31).

 

الذي يلبي نداء الخليل يجب أن يلبي ويطيع الله في حركاته، وسكناته، في حله وترحاله، في نومه ويقظته، في قوله وفعله، وسره وعلانيته، في فقره وغناه، في سروره وفرحه وحزنه فهو ملك لمولاه، شعاره ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).. فالتلبية عهد بينك وبين الله بألا تلبي غيره "لبيك لا شريك لك".

 

علامة الحج المبرور

قال الحسن: أن يرجع (أي الحاج) زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وقيل بر الحج: إطعام الطعام ولين الكلام، وهكذا كل الطاعات أخي المسلم إذا أورثت زهدًا وخشيةً وتقوى ومداومةً، فاعلم أنها قُبِلت بإذن الله.

 

الحج والاستدانة

اعلم أخي المسلم أن الدَيْن هَمٌّ بالليل وذل بالنهار، فضلاً عن أنه يحجب صاحبه عن الجنة حتى وإن كان شهيدًا، عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين" فاحذر الاستدانة إلا للضرورة القصوى ولا تقترضنَّ للحج، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سألتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الرجل لم يحج، أو يستقرض للحج؟ قال: "لا" (رواه البيهقي).

 

ومع خطبة الوداع لنا وقفة

على جبل عرفة وقف النبي- صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وخطب خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث- كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله".

 

في هذه الخطبة يقرر النبي- صلى الله عليه وسلم-:

دستور الأمة: الذي لو تمسكت به لن تضل، ألا وهو القرآن.

 

الأسرة المسلمة: وتحدث صلى الله عليه وسلم عن الجانب الاجتماعي والأسري في الإسلام- حق الرجل على المرأة وحق المرأة على الرجل فالأسرة المسلمة هي أساس المجتمع المسلم.

 

وأكد النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الدماء والأموال، فالدم لا يحل سفكه، والمال لا يحل غصبه؛ لذلك شُرعت الحدود في الإسلام حفاظًا على الدماء والأموال والأعراض.

 

ألا فليعلم الناس أن زوال السموات والأرض أهونُ عند الله من قتل امرئ مسلم، وحرمة المسلم أشد وأكبر عند الله من حرمة الكعبة المشرفة.

 

وأنت يا غير الحاج..

كيف تحصل على أجر الحج؟ اعلم أنك لو حرصت على أداء هذه الفريضة، وأخلصت النية في ذلك وأخذت بكل الأسباب الممكنة ثم حيل بينك وبين الحج فإن الله لا يحرمك أجر الحج كالذي يطلب الشهادة بصدق فإن الله يبلغه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".

 

وهناك فرصة أخرى للحج لن تكلفك شيئًا وكل إنسان يستطيع إليها سبيلاً؛ عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "تامة تامة تامة" رواه الترمذي.

 

يا غير الحاج إذا أردت أن تعود من ذنوبك كيوم ولدتك أمك عليك بمكفرات الذنوب:

1- الجمع والجماعات.. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اُجتنبت الكبائر" رواه مسلم، وعنه رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثُم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاث أيام، ومن مس الحصى، فقد لغا" رواه مسلم.

 

2- إحسان الوضوء والانتباه إلى الصلاة.. روى أبو داود عن زيد بن خالد أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى ركعتين لا يسهو فيهما غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

3- كثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة.. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أدلكم على ما يمحو به الله الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (رواه مسلم).

 

4- الأذان والإقامة وإن كنت وحدك.. روى عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية (قطعة مرتفعة) الجبل يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني فقد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة" أخرجه النسائي في الأصول.

 

5- موافقة قول الملائكة.. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

يا غير الحاج.. عليك برياض الطائعين، ورياض الطائعين هي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة التي يحب فيها ربنا العمل الصالح أكثر مما يحبه في غيرها من الأيام.

 

روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي- صلى الله عليه وسلم- "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، (يعني أيام العشر) قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء".

 

ولعظمة هذه الأيام أقسم بها ربنا سبحانه في سورة الفجر ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)﴾ (الفجر). والدليل على ذلك حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إن العشرَ عشرُ الأضحى، والوترَ يومُ عرفة، والشفعَ يوم النحر" (أخرجه أحمد وحسنه ابن رجب في اللطائف)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة"؛ لأن أيام العشر فيها يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية، والليالي الأواخر من رمضان فيها ليلة القدر.

 

الأعمال الصالحة المستحبة في هذه الأيام

1- الصيام.. اجتهد أخي المسلم في أن تصوم من أول ذي الحجة حتى يوم التاسع (يوم عرفة)، روى ابن خزيمة والترمذي وغيره أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال في العشر: "إن صيام يوم فيها يعدل صيام سنة وقيام ليلة تعدل قيام ليلة القدر"، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في صوم يوم عرفة: "يوم عرفة احتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (أخرجه مسلم)، وجاء في حديث حفصة- رضي الله عنها- قالت: "أربع لم يكن يدعهن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة" أخرجه أحمد أبو داود والنسائي.

 

2- الذكر.. أهل الذكر هم أهل مجالسة ربهم، "أهل ذكري أهل مجالستي فمن أراد أن يجالسني فليذكرني"، عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" متفق عليه. والذكر في هذه الأيام أفضل منه في غيرها لقول الله سبحانه في سورة الحج ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: من الآية 28)، والأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء. ولقول النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه ابن عمر- رضي الله عنهما- "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" (أخرجه أحمد).

 

فهيا أخي الكريم ندخل جنة الدنيا "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة ألا وهي ذكر الله" (من أقوال ابن تيمية).

 

3- المحافظة على النوافل.. كالسنن الرواتب وصلاة الضحى والوتر وقيام الليل وقراءة القرآن وبرّ الوالدين والإحسان إلى الجار وكثرة الصدقات ومساعدة المحتاجين، قال الحافظ بن رجب: وكان سعيد بن جبير- وهو إمام حافظ مفسر من أعلام التابعين صاحب الدعاء المجاب- إذا دخل عشر ذي الحجة اجتهد اجتهادًا حتى ما كاد يقدر عليه.

 

4- الاهتمام بأمر المسلمين.. فمَن لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم، أين نحن من وصف النبي- صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين؟! عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (متفق عليه).

 

أخي الكريم.. ما بالنا نَقطع أوصالنا وأعضاءنا ونُمزِّق أشلاءنا في كثير من بقاع الأرض، ولا نحسّ ولا نتألَّم ونقنع بالطعام يملأ بطوننا، وبالنوم يملأ جفوننا، وبالضحك يملأ أشداقنا، ألا هيَّا ننصر إخواننا بالدعاء والمقاطعة والتوعية بقضيتهم والجهاد بالمال والاستعداد للجهاد بالنفس، فهم مظلومون وعليك نصرتهم، حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث قال: حدثني يحيى بن سليم، أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول: سمعت جابر بن عبد اللّه، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-:"ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضعٍ تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضعٍ ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلاَّ نصره الله في مواطنٍ يحب نصرته" (رواه أبو داود).

 

5- الدعوة العامة.. فالدعوة إلى الله فريضة في كل الأوقات وهي في هذه المواسم تكون أكثر أثرًا وأعظم فائدةً لأن النفوس هادئة والأرواح سامية وتقبل النصيحة وتؤثر الدعوة ولنا في نبينا- صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة؛ حيث كان يجعل موسم الحج وأيام ذي الحجة فرصة لتبليغ دعوة الله عز وجل وكان يذهب إلى أسواق العرب ومواسمهم ليتمكن من وصل الاجتماع بوفود القبائل القادمة إلى مكة.

 

هذه بعض الأعمال الصالحة التي ينبغي لأن تجتهد فيها أخي المسلم في هذه الأيام والأعمال الصالحة تؤتي أكلها وثمارها في الدنيا والآخرة، ولا أدل على ذلك من حديث الثلاثة نفر الذين أدركهم المبيت إلى غار فدعوا الله بصالح أعمالهم فنجاهم الله، والحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فإن كان من الصالحين، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصلة والصدقة والبر والمعروف عند رجليه، فإن جاءته الملائكة من ِقبل رأسه قالت الصلاة ما ِقبلي مدخل، فإن جاءته من قِبل يمينه قال الصيام ما قِبلي مدخل، فإن جاءته من قِبل شماله قالت الزكاة ما قِبلي مدخل، فإن جاءته الملائكة من قِبل رجليه قال فعل الخيرات من الصلة والصدقة والبر والمعروف ما قِبلي مدخل، فعند ذلك تنادي عليه الملائكة بنداء رقيق وتقول يا عبد الله قم للسؤال (وفي آخر الحديث) ثم يُفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب من الجنه" نسأل الله أن يرزقَنا الحجَّ المبرور، وأن يغفرَ لنا ذنوبَنا، ويكفِّرَ عنا سيئاتِنا، وأن يتوفَّنا مع الأبرار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.