الحاجة فاطمة مصلوحي:

- اليهود مستعدون لدفع شيكٍ على بياضٍ للاستيلاء على بيوتنا بأي شكل

- الشعوب لا تستطيع نجدتنا وعلى الأنظمة التحرك لحمايتنا والضغط على الكيان

- لا نتعدَّى في زاوية المغاربة 5 أسر ونُمثِّل شوكةً في حلق المغتصبين

إستانبول- نسيبة حسين

عندما تشاهدها تشعر بمأساة ما يتعرض له المسجد الأقصى الأسير، هي الحاجة فاطمة أحمد مصلوحي واحدة ضمن 5 أسر هم الباقون من سكان باب المغاربة في القدس الشريف، حديثها معك لا بد وأن يجعلك تعيش معها ذكرياتِ هذا المكان؛ فهي قصة كفاح وصمود تنتقل من مكانٍ إلى آخر، في محاولةٍ لتوصيل قضيتها، ورغم مشاهدتها اليومية لجنود الاحتلال ومتطرفي الصهاينة إلا أنه يملؤها أمل كبير ويقين في أن المسجد لا بد وأن يتحرر في يومٍ ما.

 

التقينا بالسيدة فاطمة أثناء مشاركتها في منتدى القدس العالمي الذي عُقد بتركيا في شهر نوفمبر الماضي، فتشنا معها في دفتر ذكرياتها حول المسجد الأقصى، وكيف كان، وما الحال الذي آل إليه.

 

بدأت معنا السيدة فاطمة بنشأتها، مشيرةً إلى أنها ترعرعت في القدس؛ حيث وُلدت لأبٍ فلسطيني وأم مغربية، وبقيت في القدس حتى زواجها فتزوجت وسافرت مع زوجها للعمل في المغرب، وبعدها بفترةٍ تُوفي الزوج فقررت العودة بأبنائها إلى القدس، وما زالت في منزل أهلها بأرض المغاربة أو ما يُعرَف بباب المغاربة.

 

* هل هناك فرق بين باب المغاربة وأرض المغاربة؟
 
 الصورة غير متاحة

 المسجد الأقصى

**

ليس هناك فرق؛ لأننا جزءٌ من منطقةٍ تُسمَّى باب المغاربة، وهو واحد من أربعة عشر بابًا للمسجد الأقصى المبارك، أربعة منها في الجنوب والشرق، أُغلقت بعد أن حرر صلاح الدين الأيوبي القدس، وهو واحد من سبعة أبواب في الجدار الغربي للمسجد، وهو الأخير من الجهة الجنوبية الغربية، وهذا جعله في بؤرة الاستهداف الصهيوني منذ اللحظة الأولى لاحتلال الشطر الشرقي من المدينة.

 

وقد مثَّل باب المغاربة بموقعه القريب من حائط البراق أو ما يُطلق عليه الصهاينة اسم "حائط المبكى" نقطةَ البداية في مشروع الكيان الصهيوني الرامي للسيطرة على الحرم القدسي، فسارع إلى الاستيلاء على مفاتيحه مباشرةً عقب احتلال القدس؛ ليتحوَّل إلى منفذٍ ينطلق منه الكيان الصهيوني للتدخل في شئون المسجد والعبادة فيه.

 

طريق المغاربة واحدة من الطرق التي تربط الأحياء الجنوبية من المدينة بالمسجد الأقصى، قبل أن يمنع الكيان الصهيوني المواطنين من عبوره، ليجعل استخدامه حكرًا على قواته، ومنه دخل إلى باحات المسجد ونفَّذ مجازره واعتداءاته بحقِّ المصلين، طيلة سنوات الاحتلال ومنه دخل شارون ومن بعده غلاة اليمين لتدنيس هذا المكان الإسلامي الخالص.

 

وقد عُرف هذا الباب أيضًا باسم باب البراق، أو باب النبي أو باب حارة المغاربة نسبةً إلى سكان الحي الذي كان يفضي إليه، وهم من المغاربة المالكيين الذين سارع الكيان الصهيوني في يونيو 1967م إلى محوه من الوجود بالجرافات وتشريد سكانه إلى الأردن، ومن هناك نُقلوا إلى بلدهم الأصلي المغرب، وقد طالت عمليات الهدم مقامات ومدارس وجامع العادل ومعالم أثرية وتاريخية مهمة.

 

ومنذ المحاولات الأولى للحركة الصهيونية للاستيلاء على حائط البراق في النصف الأول من القرن الماضي، لتحويله إلى مبكى لهم، شكَّل أهل الحارة المغاربة حائط الصد الأول في وجه المخططات الصهيونية، والتي تسببت في اندلاع مواجهات عنيفة بين المسلمين واليهود تُوجِّت بما يُسمَّى بثورة البراق في العام 1929م.

 

وقد استقرَّ المغاربة في القدس في القرن الثالث عشر الميلادي في عهد الملك العادل الأيوبي، وحافظوا في نفس الوقت على علاقتهم بالمغرب حتى العام 1967م؛ حيث وصل عددهم في حينه إلى نحو ألف نسمة عند تهجيرهم، وقد تمَّت عملية التهجير بالجرافات بعد منع التجول واستمرت يومين، عندما كان الناس يعيشون صدمةَ سقوط المدينة.

 

وباب المغاربة هو ما تبقَّى من حارة المغاربة التي تسبب تدميرها في خفض المنطقة الملاصقة للباب نحو اثني عشر مترًا عن مستوى البلدة القديمة، ومن أجل الإبقاء على الباب مفتوحًا فقد جرى وضع الركام على شكل تلة تربط بين ساحة حائط البراق الذي يعتبره اليهود مكانًا مقدسًا لهم، وباحات الحرم القدسي.

 

وأرض المغاربة- كما سبقت الإشارة- أرض في بيت المقدس كانت وقفًا تابعًا للمغرب حتى تم هدمه في اليوم الرابع من يونيو عام 1967م ما عدا خمسة منازل هي ما تبقَّى من أرض المغاربة، وهو الأثر العربي الوحيد الباقي في محيط المسجد الأقصى، ومع ذلك يُحيط به المستوطنون من كل جانب بأبنية عالية جدًّا حتى إنك عندما تنظرين إلى زاويتنا ترين حيًّا صغيرًا ضائعًا وسط مستوطناتٍ تُحيط بنا كالأسوار.

 

* ولماذا ترككم اليهود حتى الآن في هذه الزاوية؟

** هذه الزاوية حتى الآن يُفترض أنها وقف مغربي (يتبع أرض المغرب)، فيبدو- والعلم عند الله- أنه توجد علاقات بين المغرب والكيان الصهيوني؛ لذلك لم يطالبونا بالهدم حتى الآن، أو أنه بهدف تحسين صورة هذا الكيان أمام العالم بأنهم يعيشون بسلامٍ وسط الفلسطينيين، إلا أن هذا لا يمنع أن هناك إغراءاتٍ غير طبيعية نتعرَّض لها لترك هذا المكان.

 

إغراءات مستمرة

* وما نوعية هذه الإغراءات التي تتعرضون لها؟

** جارتي الملاصقة لي عَرَضَ عليها مستوطن من جمعية عطارد كوهانين، وهي أكبر جمعية يهودية عندنا في القدس تعمل لشراء كل سنتمتر عربي في القدس بملايين الدولارات، وهي لا تبخل بشراء هذا الأثر ولو بالملايين، رغم أن مساحته صغيرة جدًّا، وتقول جارتي إن هذا المستوطن دخل عندي وأنا مريضة وهي تقطن فقط في غرفةٍ واحدة، فقال لها اليهودي: سأعطيكِ شيكًا مفتوحًا؟ فقالت: في هذه الغرفة فقط؟! فأجاب بنعم. فقالت له: هذه الغرفة ليست ملكي إنها وقف. فأجابها: ليس لكِ دخل، فقط وقعي أنك بعتِ لي وأنا سأتكفل بالباقي.

 

وتضيف قائلةً: حتى أصحاب المنزل المجاور الآخر عُرِضَ عليهم ملايين الدولارات رغم أن المكان لا يساوي ذلك أبدًا، وحتى الآن لم يتم بيع المنزل، ولكنهم 8 أفراد ورثة، والخوف كل الخوف أن يضعف أحدهم أمام الإغراء المالي ويبيع حصته فيصبح كما يُقال بالمثل العربي (مسمار جحا) فيُجبَر الباقون على البيع لليهود.

 

وبالنسبة لي فقد هَدَمَ اليهود لي غرفةً رغم أن شقتي لا يتجاوز طولها ثلاثة متر ونصف وعرضها مترين ونصف، وكانت قائمةً قبل الترميم فأنا أقمتها قبل أن أحصل على ترخيص.

 

* لماذا؟

** لأن البلدية الصهيونية لن يعطوكِ ترخيصًا للترميم، وفي نفس الوقت سيمنوعنكِ من الترميم.

 

* لماذا؟

** حتى يتهالك البيت ويسقط ونضطر لترك المكان، وإذا كانوا لن يعطوني ترخيصًا فماذا أفعل؟ وكيف يمكنني أن أرمم بدون ترخيص، وبعد أن انتظرت طويلاً حتى أحصل على إذنٍ للترميم رممتُ بنفسي بدون الإذن فتمَّ تحويلي لمحكمةٍ عسكرية سألني فيها القاضي: لماذا رممتِ بدون إذن؟ قلتُ: ومن سيعطيني الإذن؟ قال: البلدية. قلتُ: تقدمتُ للبلدية ولمهندس البلدية ورفضوا إعطائي الإذن، مع العلم أن الغرفةَ التي رممتها كان سقفها مبنيًّا من الزنك (صاج مضلع)، وأرضيتها من الخشب، وقد مرَّ عليها وهي على هذا الحال أكثر من مائة عام، وقلتُ للقاضي: نحن في القرن الواحد والعشرين، فهل هناك أحد يعيش في غرفةٍ بهذا الشكل، والتي أصبحت مرتعًا للفئران والصراصير؟ فأجاب: هذه ليست مشكلتنا.

 

فقلتُ له: مع أن الدار المقابلة لي والتي تمَّت مصادرتها عام 76 صارت الآن ثلاثة طوابق وهي بيني وبينها عدة أمتار!! فقال: هذا مش شغلك. فقلت: فشغل من الآن؟! أنا رممت فماذا سيحصل؟. قال: ما رممتيه سنقوم بهدمه. وعندما قال ذلك. قلتُ له: إذا هدمتم بيتي فسأحضر خيمةً وأسكن فيها في نفسِ المكان، ولن أخرج من أرضي وبيتي، وقد استمرَّ هذا الجدل لمدة عامين، حتى أتوا ونفذوا حكم الهدم.

 

تصوري أنهم أتوا ليهدموا الغرفة بكميةٍ كبيرةٍ من الجنود والعساكر؛ حتى تشعري أنهم ذاهبون لمعركة تحتوي على  أكثر من خمسين جنديًّا وعسكريًّا ومجنداتٍ وسياراتٍ عسكرية، وقد حاصروا المنطقة لمدة خمس ساعات ومنعوا أي فردٍ من الدخول إلى المنطقة بأكملها أو الخروج منها؛ حتى إنَّ ابنتي لما سمعت الخبر جاءت فرفضوا أن يُدخلوها، وأتى أخي كذلك ورفضوا دخوله فأصرَّ قائلاً: ليست فقط أختي هي التي تقطن في الداخل ولكني أيضًا من سكان الداخل، فأصروا على الرفض، ولكن ابنتي اشتبكت معهم قائلةً: لن نترك أمي وحدها بإذن الله لن تنهار، ولكن عندها الضغط قد يحصل لها أي مكروهٍ؛ فلا بد أن نكون مع أمي.. فقاموا بإدخالها في النهاية.

 

حتى إنَّ إحدى المجندات الروسيات التي جاءت معهم عندما وصلت إلى الغرفة ورأتها تحدثتْ مع ابنتي قائلةً: هل أتوا بنا كلنا من أجل هذه الغرفة الصغيرة؟!! هذه الغرفة على مَن تُشكِّل خطرًا؟!! فقلتُ لها: لِمَ لا تُخبرينهم بذلك؟.

 

فأجابت قائلةً: نحن أتينا لتأدية وظيفة، أنا لا أستطيع أن أتحدَّث، ولكني أرى أن هذه الغرفة لا تُشكِّل خطرًا على أي فردٍ، ولا أي خطرٍ على أمن "إسرائيل"، وهدموا الغرفة الملحقة بالغرفة الثانية، والآن أنا ليس عندي بيت؛ كل ما عندي هو غرفة حمامها داخلي ومطبخها داخلي.

 

وبعد جدلٍ بيزنطي مع البلدية وافقوا أخيرًا أن أُعيد الغرفةَ الثانيةَ إلى غرفتي على شرط أن تعود كما كانت سابقًا بالزنك والخشب!!! وواجهة المنزل كانت من الحجر فرفضوا أن ترجع كما كانت، ولكن يمكن أن نستعمل ما يُطلق عليه حجز (إزاز) شبيه بالسراميك.

 

* معاناة المرأة المغربية في القدس كيف تصفينها لنا؟

** هناك شريحة كبيرة من النساء المغربيات المتزوجات من فلسطينيين، فهؤلاء يأتين من المغرب بإقاماتٍ وتنتهي مدة الإقامة وترفض الحكومة الصهيونية تجديدها؛ فتظل المرأة حبيسةَ القدس لا تستطيع مغادرتها كمَن فُرِضَ عليها الإقامة الجبرية، فإن هي خرجت لن تستطيع الدخول مرةً أخرى، حتى إن إحدى النساء المغربيات المتزوجات من فلسطيني مضى على وجودها ما يزيد على عشر سنوات دون أن تتمكَّن من الخروج لكي تزور أهلها في المغرب؛ حتى إن والدها تُوفي ولم تره، وتخاف أن تتوفَّى والدتها الآن وهي لم ترها أيضًا، ولا تستطيع حتى اليوم مغادرة القدس؛ ولذلك فنحن نتمنى أن تحاول الحكومة المغربية إيجاد حلٍّ لمثل هؤلاء، بالرغم من أننا أنشأنا جمعيةً خاصةً لمثل هؤلاء لعلها تساعدهن.

 

* برأيك هل هناك من حلٍّ لمشكلتكم؟

** قضيتنا لا تحلها الشعوب، فالشعوب ليس في يدها شيء، إنما الأمر في أيدي أصحاب القرار العرب والمسلمين الذين يملكون سلطةَ قرارٍ للضغط على الحكومة الصهيونية.