- د. المهدي: الصم والبكم والمجتمع كله يعيش في حالة من الطوارئ
- ويفي: الإنتاج والسطحية في التناول هي المشكلة الأولى والأخيرة
- محيي إسماعيل: قناة فضائية ومسرح متخصص للصم ضرورةٌ حتميةٌ
تحقيق- خديجة يوسف
أن تعيش وحيدًا فهذا أمر شاق، وأن تعيش وحيدًا ومهمَلاً فهذا أمرٌ قاسٍ، أما أن تعيش وحيدًا مهمَلاً منعزِلاً عن الجميع في عالمٍ من الصمت فهذا هو الموت البطيء, ولعل هذا ما ينطبق على قطاع الصم والبكم، ونحن هنا لن نتحدث عن مشاكلهم الحياتية ولا عن ما يعانون منه في مختلف المجالات، وإنما نتحدث عن وجودهم في الدراما المصرية؛ فهم قطاعٌ كبيرٌ قدَّره البعض بـ6 ملايين مصري، أي 9% من إجمالي عدد السكان، ومع ذلك فهم مهمَلون، لا يتحدث عنهم أحد، ولا ينقل مشاكلهم أحد، فليسوا نجوم "شباك" حتى يتسارع المنتجون إليهم، وليسوا من ذوات النفوس حتى يكونوا ملءَ السمع والبصر، فلماذا غابوا عن الشاشة الصغيرة والفضية والكبيرة بل والمسرح الذي تناول شتى مجالات الحياة في مصر؟.. أسئلةٌ طرحناها في هذا التحقيق.
في البداية أكَّدت د. سهير عبد الحفيظ- التي اشتُهرت بلقب "أم الرجال"؛ فهي أمٌ لولدَيْن من الصم والبكم- أن الدراما المصرية لا تعبِّر عن مشاكل الصم أبدًا عدا فيلم "الصرخة" لنور الشريف، والذي عبَّر عن بعض واقع الصم.
وحكت لنا د. سهير أن ابنها كان منعزلاً، ولا يريد أن يخبر أحدًا أنَّه أصم، وعندما كان يتحدث مع أحد الأفراد على الشبكة الدولة للمعلومات لم يكن حريصًا على إخبار مَن يتحدث معه عن حقيقة شخصيته إلا عندما يشعر تجاهه بالأمان، وأنه لن يقابله بصد، إلا أنَّ الوضع اختلف بعد ظهور بعض الأعمال الفنية التي تحدثت عن الصم والبكم بصورةٍ لائقة، ومن وقتها وهو لا يخاف أو يتحرَّج أن يوضِّح شخصيته من أول مرة لمَن يراسلهم.
![]() |
|
المنشد الإسلامي أحمد بو خاطر |
وأشارت د. سهير إلى أغنية المنشد الإسلامي أحمد بو خاطر التي تتحدث عن أصحاب الإعاقات- ومنهم الصم بالطبع- والتي أثَّرت في ابني الثاني كريم- الأصم-، وعندما يتم إذاعة هذه الأغنية يأتي ابني كريم ليسمعها، ويبدو على وجهه السعادة؛ لأنها عبَّرت عن مشكلةٍ أساسيةٍ من مشاكل الصم، وهي الوحدة، فهو بالفعل يصبح وحيدًا بين الأصحَّاء، مؤكدةً أنه يجب- عند التعبير عن الصم- أن نعبِّر عنهم بواقعهم الحقيقي؛ فهم مجتمع طبيعي جدًا, فيهم الخارق للعادة، والمتوسط، والضعيف, فنحن لا نريد التعاطف بقدر أن يروا أنفسهم في الدراما، وتساءلت: لماذا لا يكون البطل من الصم أنفسهم، وأن يوضح العمل الدرامي كافة حياته، وألا يقتصر وجودهم في الأعمال الدرامية على دور ثانوي غالبًا ما يكون شريرًا فيه؟!، وهو ما ينقل صورةً سيئةً لمجتمعٍ عن هذا الفصيل الذي يعاني من إعاقةٍ مثلها مثل كل الإعاقات؟!.
![]() |
|
الإشارة هي لغة التخاطب بين الصم والبكم |
وعندما تحدثنا مع أحمد السيد- أحد شباب الصم- أكَّد أنه لا يجد في الدراما ما يعبر عنه أبدًا، حتى إنه قام بتأليف قصة تعبِّر عنهم- أي الصم والبكم- تخيَّل فيها أنه سيتم اختراع نظارة؛ لكي تستطيع أن تحوِّل له كلام البشر المنطوق والمسموع إلى كتاباتٍ يستطيع أن يعرف من خلالها ماذا يقولون وماذا يريدون، وتطرَّق في قصته إلى مشكلة مهمة من مشاكل الصم، وهي الوحدة، حتى إن صديقه الوحيد هو الإنسان الآلي, وذكر مشهدًا آخر، وهو أن أحد أصدقائه الأصحَّاء رفض أن يجلس الأصمُّ بجانبه في السيارة؛ لأنه يريد أن يتحدث مع أحد, ولم تتوافر هذه الخاصية في الأصم. وسرد مشاكل أخرى يتعرض لها الصم.
وفي نفس الإطار أعرب كريم نجيب- شاب أصم- عن استيائه مما تَعرضه الدراما عن الصم, وقال إننا لسنا دائمًا أحد أفراد العصابة كما تُصوِّرنا الدراما.
أما وائل خميس- مترجم إشارة- فأشار إلى أن الصم يريدون أن تكون هناك مساواة بينهم وبين المعاقين أمثالهم, خاصةً أن حقوقهم مُهدرة، فعلى سبيل المثال نجد الكفيف والمعاق جسديًّا يدخل الجامعة، أما الأصم فممنوعٌ، ومكتوبٌ عليه أن يكتفيَ بالتعليم المتوسط.
وأكد خميس أن الدراما أهملت كل مشاكل الصم، وجاءت بالانتقام في الصرخة, فأين مشاكل الصم الحقيقية مثل الوحدة التي يعانون منها، وكذلك الإهمال الثقافي والعلمي؟!، مشيرًا إلى أن المشكلة الكبرى أنه لا توجد لغة إشارة موحَّدة نستطيع أن نجتمع حولها، خاصةً في الإشارات الدينية، فهي مُختَلف فيها، فلا نجد ترجمة خطبة جمعة لهم ولا شيء من هذا القبيل.
والدتي.. أقسى موقف
أما نادية عبد الله- مترجمة إشارة، والتي وُلدت في أسرةٍ مُكوَّنة من أب وأم من الصم- تقول إنها لم تجد أي اهتمامٍ بهم حتى في وسائل الإعلام التي تهتم بكل من هبَّ ودبَّ, وتضيف: إن أقسى موقف تتعرض له وتدمع منه عيناها عندما تشاهد والدتها وهي تجلس معهم وهم يتابعون التليفزيون، ولا يوجد مترجم إشارة كالمعتاد، وتضيف: "أجدها تنظر إلى تعبيرات وجهنا؛ لكي تستطيع أن تشاركنا الفرحة إذا ضحكنا، والحزن إذا امتعضنا"، مؤكدةً أنه أمر شاقٌّ على النفس من الصعب تحمُّله, وهي الآن تعاني من وقت فراغ كبير لا تجد ما يسد هذا الفراغ القاتل؛ فالدراما قد تكون منقذةً لهؤلاء البشر من الصمت الرهيب الذي يعيشون فيه، موضحةً أنها التحقت بكلية الحقوق؛ لكي تكون أول محامية للصم في مصر، وتمنَّت الاهتمام بالصم الذين يتراوح عددهم في مصر ما بين 3 إلى 6 ملايين نسمة.
![]() |
|
الفنان محيي إسماعيل |
القضيَّةَ عرضناها على الفنانين والنقَّاد؛ حيث أكَّّد الفنان محيي إسماعيل أنه يمكن التواصل مع الصم عن طريق التمثيل الصامت, ويجب عمل قناة فضائية خاصة بالصم والبكم تطرح قضاياهم وتناقشها وتحاول حلَّها وتعبِّر عنهم, وأيضًا يجب إنشاء جمعية لهم تُشرف عليها الدولة, وتقدِّم أعمالاً فنيةً ودراميةً لهم.
وطالب إسماعيل بعمل مسحٍ شاملٍ لمعرفة عدد الصم البكم في الوطن العربي؛ لكي نستطيع معرفة مشاكلهم ومواجهتها، وتخصيص نادٍ لهم, وهو الأمر الذي لن يتحقق إلا إذا وصل إلى المسئولين الكبار عن طريق عقد الندوات وأي طرق أو فاعليات يمكن أن تساعد في حل القضية.
أما الناقد الفني محسن ويفي فتساءل عن كيفية الاهتمام بالصم والبكم والتعبير عنهم بشكلٍ جيدٍ في وقت لا يتم التعبير فيه عن المواطن البسيط بأي شكل، مؤكدًا أن هناك عدة مشكلات تواجه دراما الصم والبكم، أبرزها مشكلة الإنتاج؛ فالمنتج يسأل نفسه: ما المكاسب الذي ستعود عليه من تناول هذه المشكلة، خاصةً أن السينما لا تتسع لمثل هذه المشاكل؟. وحتى المسلسلات التي من المفترض أنها تعبِّر عن واقع المجتمع المصري وتشغل اهتمامات المواطن العادي تناقشها بسطحية، فما بالك بمشاكل مثل هذه الفئات؟!.
![]() |
|
ترجمة للغة الإشارة بمسجد السيدة زينب بالقاهرة |
وأضاف ويفي أن المجتمع ككل تجاهل وجود هذه الشريحة في المجتمع بالفعل؛ لذلك يجب وضعهم في بؤرة الاهتمام, ويجب على المشرفين على الفضائيات ترجمة البرامج بلغة الإشارة؛ حتى يشعرَ المتفرِّج السليم- وكذلك الأصم- بالمشاركة، ويتقبل المشاهد العادي هذه الشريحة التي يتجاهلها المجتمع، مؤكدًا أنه يجب على جمعيات الصم والبكم أن تهتم بأفرادها من خلال عروض تليفزيونية مترجَمة، وإنتاج أفلام ومسلسلات تتحدث عنهم؛ حتى لا يشعر الصم أنهم ضد المجتمع, كما أن هذا كله يؤكد أنهم جزء من الشاشة ومن الجمهور، وليس هناك فرق.
وعن دور الدولة قال ويفي: إن إنتاج الدولة أصبح في خبر كان, وإنه يجب أن نقدم حلولاً بديلةً مسموحًا بها، مثل عمل عرض مسرحي أسبوعي للصم والبكم, وعمل حفلات لهم بمعدل حفلة أسبوعية، على أن تكون هذه الأشياء مجَّانيِّة أو بنصف الثمن.
![]() |
|
ندوة عن فيلم الصرخة الذي يتخذ من قضايا أصحاب الاحتياجات الخاصة موضوعًا له |
ويرى المخرج والمؤلف سمير عشرة- مؤسس فريق ون شوت- أن الدراما تنقسم لنوعين: أحدهما معتمد على الحوار، والآخر يعتمد على الصورة, والدراما المعتمدة على الصورة تفيد الصم والبكم؛ فهو يفهم كل المَشاهد من خلال الصورة التي تعبِّر بدون كلام, وهذه هي لغة السينما التي تقلِّل في الحوار، وتعبِّر عنه بالصورة, وهذا النوع من الأفلام مفيد للصم والبكم، ولا يحتاج- في الغالب- إلى مترجم.
وأضاف عشرة إلى أن ما يحكم الكاتب هو ما يفكر فيه الجمهور, ولكن في مصر فإن الكتابة تعتمد على البيزنس؛ حيث يفكر الموزِّع في كيفية توزيع هذا العمل دون التفكير في القيمة أو الهدف؛ لذلك فإن هذه الطائفة لا تمثِّل شيئًا بالنسبة للموزع.
وأضاف عشرة أنه من الممكن أن نحلَّ القضية عن طريق اختيار نجم شباك, فنجد الفنان نور الشريف عندما تناول القضية في فيلم الصرخة لم يسقط الفيلم، مؤكدًا أيضًا أنه لا يوجد كاتب يريد أن يُرهق نفسه من أجل أن يكتب عن شخصية الأصم، إضافةً إلى أن الدراما بشكلٍ عام أصبحت في حالةٍ من الخمول.
![]() |
|
د. محمد المهدي |
وفي رأيه يرى د. محمد المهدي- أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر- أن أزمة الصم والبكم جزءٌ من أزمة المجتمع الذي يعيش في حالة طوارئ شاملةٍ كلَّ شيء، مؤكدًا أن هناك قاعدة، هي أن المستوى الحضاري لأي أمة يُقاس بمستوى رعايتها للضعفاء؛ فكلما كان الضعفاء لهم حيِّز كبير في أجندة الدولة كان هذا دليلاً قويًّا على أن هذه الأمة متقدمة, فنجد كل تليفزيونات العالم المتقدم تهتم بقضية الصم؛ حيث يَظهرون بصورةٍ محترمة وكريمة وواقعية, ولا يعني أن الشخص أصم أنه ليس له دور في الحياة، وإنما هو يشارك في صنع ديناميات الأسرة أكثر من الشخص السليم.
وأكد المهدي أن هذا الشخص يصبح محور اهتمام الأسرة, ولكن الدراما لا تبحث أن الأسرة تبحث عن علاج وتأهيل لهذا الشخص الذي أصبح ضمن أفرادها رغمًا عنها, بالإضافة إلى أنه يتحكم في قراراتها بالسفر والإقامة وجميع أمور الحياة، مضيفًا أن هذا الطفل من الممكن أن يربط بين زوجٍ وزوجته بينهم بعض علامات عدم التوافق؛ لأنه محتاج إلى تكاتف الأيدي؛ لكي يصل إلى بر الأمان.
وأعرب المهدي عن أسفه الشديد تجاه موقف الدراما تجاه الصم والبكم, مؤكدًا أن هذه من أهم مشاكل الدراما، فهي لا تُلقي الضوء على الموضوعات الإنسانية, وأغلب الدراما أحادية الوجه، و90% من الموضوعات تدور حول علاقة الحب بين الفتاة والفتى.
وأشار المهدي إلى أننا نرى هذا الشخص من الخارج كأنه لا يريد إلا احتياجاته الأساسية فقط؛ فلا يريد ثقافةً ولا معرفةً ولا ترفيه, وهو أمر خطأ؛ لأننا ننظر إليهم على أنهم أشياء مهملة، فنشعر أنهم ليس لديهم احتياجات المعرفة والحب والمشاعر، رغم أنهم يتميزون بالذكاء الشديد.
ونصح المهدي المجتمع بالاهتمام بالصم والبكم، وكل أصحاب الإعاقات؛ لكي يقوموا بعلاقات اجتماعية سليمة، وأن نعمل على التواصل معهم بلغة مشتركة, متمنيًّا أن ينالوا اهتمامًا إعلاميًّا؛ حتى لا يشعروا بالإهمال والقهر والظلم.





