نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس:
- "أنابوليس" طالب أن يحمي الشعبُ المحتلُّ الدولةَ التي تحتله!
- بوش كان يريد من المؤتمر "دغدغة" العواطف تجاهه قبل نهاية حكمه
- الحوار بين فتح وحماس ضرورة.. سواء رفض أبو مازن أو قَبِل
- من المؤسف أن تتفرج الدول العربية على شعبنا المحاصر بهذا البرود
حوار- عبد المعز محمد
انتهت "الزفَّة".. أفضل تعليق قيل عن مؤتمر "أنابوليس"، الذي عُقد بالولايات المتحدة الأمريكية نهايةَ الأسبوع الماضي؛ فالمؤتمر- أو اللقاء كما يحب الأمريكان أن يطلقوا عليه- فشل قبل أن يبدأ، بل إن الدول العربية التي أُجبرت على المشاركة في هذه "الزفَّة" تعاملت مع المؤتمر بشيء من الكسوف، وكأنها تشعر بكِبَر الجُرم الذي ارتكبته عندما اتخذت قرارَها بالمشاركة، وقد خرج جميع العرب الذين شاركوا في أنابوليس، وفي مقدمتهم الرئيس الفلسطيني أبو مازن، بأكبر الخسائر، بينما جنى كلٌّ من أولمرت وبوش كلَّ المكاسب.
وفي جانب آخر من الصورة كان المكسب الأكبر لحركات المقاومة الفلسطينية التي رفضت هذه "الزفَّة"، ورفعت شعار "السلاح، ثم السلاح، ثم السلاح لتحرير الأرض"، وفي القلب منها حركة حماس، التي كانت الحاضر الغائب في المؤتمر؛ فهي لم تشارك، ولكنَّ التوصيات التي خرج بها المؤتمر كانت ضدها.
تقييم المؤتمر، وما سيترتب عليه على أرض الواقع، وتأثيره على مستقبل القضية الفلسطينية، وهل قضى المؤتمر على أي فرصة للحوار الداخلي؟!.. هذه القضايا وغيرها طرحناها على الدكتور موسى أبو مرزوق- نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس- في هذا الحوار الذي أجريناه عبر الهاتف:
![]() |
|
أولمرت وعباس وبوش خلال مؤتمر أنابوليس |
* انتهى "أنابوليس" ومعظم الآراء التي تابعته أكدت فشله، فكيف ترى هذا المؤتمر؟ وهل من الممكن أن تجد التوصيات التي نتجت عنه دعمًا دوليًّا لإنقاذه من الفشل؟
** مؤتمر "أنابوليس" أكَّد أكثر من مرة أنه يسير على نهج خارطة الطريق، وخارطة الطريق فشلت منذ عدة سنوات بل منذ إطلاقها، وبالتالي فإن "أنابوليس" فشل قبل أن يبدأ، ولو تحدثنا عن القضية بشكل موضوعي لوجدنا أن الكيان الصهيوني هو أقوى قوةٍ عسكريةٍ في المنطقة، وهو الأكثر عُدةً وعتادًا والأكثر تقنيةً، كما أنه يتلقَّى دعمًا أمريكيًّا ودوليًّا غير محدود، ومع ذلك فشل في أن يوفِّر الأمن والأمان لمواطنيه ورعاياه، وفي المقابل يطالبون السلطة الفلسطينية- التي لا تملك من أمرها شيئًا- أن تكون هي عَصا هذا الكيان على شعبها، وبدلاً من أن تكون المواجهة بين الشعب والمحتل، تصبح بين الشعب وسلطته؛ من أجل توفير الأمن للصهاينة، وهو أمر مستحيل؛ فالسلطة لا تملك شيئًا على أرض الواقع، والشعب لن يرضى أن يترك خيارَ المقاومة من أجل عيون السلطة التي فشلت في حمايته من الاحتلال، وفشلت في الدفاع عن حقوقه، سواءٌ بوقف المستوطنات أو بمنع الجدار العازل، أو حتى بتوفير أبسط الحقوق لهذا الشعب المكافح، والذي يريد أن يعيش حرًّا؛ لذلك فإن ما يطالبون به أمرٌ مستحيلٌ؛ فالشعب الفلسطيني قابعٌ تحت الاحتلال منذ عشرات السنوات، وأن تطالب شعبًا بهذا الشكل بحماية الذي يحتلُّه فهذا ضربٌ من الجنون والخيال الذي لن يكون له وجود على أرض الواقع.
دغدغة العواطف!!
* ولكن ألا تعتقد أن هذه الأمور لم تكن غائبةً عن الأمريكان والصهاينة؟! فلماذا إذن عقدوا المؤتمر؟
** هذا المؤتمر- في الأساس- عُقد لدغدغة العواطف تجاه الرئيس الأمريكي بوش؛ لأنه في نهاية فترة ولايته التي تنتهي في النصف الثاني من العام المقبل، والرسالة كانت واضحةً عندما وعد بوش بأنه سيبذل كلَّ الجهد لإنجاز ما تم الاتفاق عليه قبل نهاية 2008، إلا إنه في نفس التوقيت أعلن الصهاينة أنهم غير ملتزمين بموعد لإنهاء أي شيء، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإن الحِراك الدبلوماسي الذي اعتدْنا عليه من الرؤساء الأمريكيين في نهاية فترة ولايتهم- خاصةً في الفترة الأخيرة لولاية بوش والفترة الأخيرة من حكم كلينتون- يواجه إشكاليةً حقيقيةً في السياسة الأمريكية، وهي أنّ السياسة تُصنَع ثم تُحوَّل إلی القانون، بمعنى أنه ممنوعٌ علی الإدارة الأمريكية التواصل مع الأطراف الفلسطينية الفاعلة في الوقت الحاضر مثل "حماس"؛ لأنها وضعتها علی قائمة "الإرهاب"، فتتقيَّد الإدارة الأمريكية بهذا القانون، بالتالي لا تصبح للإدارة الأمريكية إمكانيةُ التحرُّك في الساحة الفلسطينية علی مختلف الأطراف بعكس الساحة الصهيونية؛ بحيث يستطيعون التحرك علی مختلف الجهات والأطراف.
![]() |
|
فلسطينيو الداخل يتظاهرون ضد مؤتمر أنابوليس |
القضية الثانية أنَّ هنالك التزامًا أمريكيًّا قديمًا بالحفاظ علی تفوُّق الكيان الصهيوني وأمنه؛ لذلك عندما تتحدث أمريكا في السياسة تضع أمن الكيان الصهيوني في المقدمة، وحينما يكون هناك التزامٌ أمريكيٌّ بوضع الأمن الصهيوني في المقدمة، فمعنى ذلك أنَّ أمريكا لا تستطيع أن تخالف الأهداف الصهيونية الموضوعة في أي حوار مع الجانب الآخر.
القضية الأخرى هي تفوُّق الكيان الصهيوني في المنطقة، وهذا التزامٌ قديمٌ؛ فأمريكا حينما تقف إلی جوار الكيان في تفوقه العسكري معنى ذلك أنَّ موازين القوی تميل دائمًا للصالح الصهيوني؛ مما يجعل الكيان الصهيوني دائمًا في غنی عن أي تنازل سياسي لأي طرف من الأطراف، وبالتالي يتعنَّت الجانب الصهيوني دائمًا، بل ويطوِّر من أهدافه السياسية ليكسب أكثر علی أرض الواقع.
فأمريكا في ظل هذه السياسات- سواءٌ كانت تقسِّم الفلسطينيين إلی جزء "إرهابي" وجزء مرضيٍّ عنه، أو في الحفاظ علی الأمن الصهيوني، أو في عدم ممارسة الضغط علی العدو الصهيوني، أو في ضمان التفوق لصالح العدو الصهيوني- لا تكون طرفًا نزيهًا، ومهما بذل الرئيس الأمريكي في آخر فترته من جهود متعلقة بحلِّ القضية الفلسطينية سنجد بالفعل أنَّ كل هذه المسائل منحازة إلی الجانب الصهيوني وليست منصفةً في الصراع العربي- الصهيوني أو الفلسطيني- الصهيوني، وبالتالي في الفترة الأخيرة لم تستطع كونداليزا رايس الضغط علی الجانب الصهيوني فضغطت علی الجانب الفلسطيني، ولولا أن حجم المطالب الصهيونية أكثر من أن يتحملها المُفاوض الفلسطيني لشاهد العالم شأنًا آخر.
التطبيع المجاني
* ومَن- من وجهة نظرك- الذي خرج فائزًا من هذا المؤتمر؟
** أعتقد أن الفائز الأساسي، بل قد يكون الوحيد، من هذا المؤتمر هو الكيان الصهيوني نفسه، الذي حصل على تطبيع مجاني مع الدول العربية دون الالتزام بأي شيء، ومجرد وجود ومشاركة الدول العربية في مكان واحد وبهدف واحد مع الكيان الصهيوني فهذا انتصارٌ لا يعادلُه انتصارٌ.
![]() |
|
مظاهرة للفتيات في غزة ضد مؤتمر أنابوليس |
أما النجاح الثاني- وهو أيضًا لصالح الكيان الصهيوني- فهو الرسالة التي حرص المؤتمر عليها، وهي أن عباس تحت طوع وسيطرة أولمرت وبوش ضد المقاومة خاصةً حماس؛ ففي الوقت الذي يظهر فيه عباس مجتمعًا بل ومصافحًا لأولمرت وبوش، تقوم القوات الصهيونية بحملات عسكرية وتقتل الفلسطينيين وتدمِّر البيوت وتواصل الحصار، وهي رسالةٌ لها مغزاها، قَبِل أبو مازن أن يكون أحد أجزائها.
ويجب أن نؤكِّد أنه خلال الأربعين عامًا الماضية لم يقدم الكيان شيئًا على طاولة المفاوضات؛ فسيناء لم تتحرر إلا من خلال حرب أكتوبر، والجنوب اللبناني لم يتحرَّر إلا من خلال مقاومة حزب الله، وغزة لم تتحرر إلا من خلال مقاومة حماس وغيرها من فصائل المقاومة، فهذه هي اللغة التي يعرفها الكيان الصهيوني جيدًا ولا يعرف غيرها؛ فهم يريدون دولةً يهوديةً تتسع لكل يهود العالم، وفي نفس الوقت يريدون دولةً فلسطينيةً لا تتسع لأحد، وهي على المقاس الذي يريده الكيان الصهيوني؛ فلا لاجئين، ولا أسرى، ولا شتاتَ، ولا أي حقوق للفلسطينيين، فلماذا نقبل بهذا الذل ونحن نمتلك السلاح الذي نحصل به على حقوقنا؟!
وللأسف فإن هذه الخطوات التي يسير عليها أبو مازن تضر بالشعب الفلسطيني وتنمُّ عن جهل كبير بحقوق هذا الشعب، ويكفي أنه في كلمته حول العداوة مع الكيان الصهيوني أشار إلى العداوة مع حماس، وتناسى عن عَمْدٍ حقوقَ الفلسطينيين الثابتة، سواءٌ حق العودة ووقف الاستيطان ووقف بناء الجدار الذي يُحفر في قلب الشعب الفلسطيني، بل إنه يفصل الأسرة الفلسطينية الواحدة.
ما عدا ذلك فإن المؤتمر لن يُكتَبَ له النجاح، وهو فاشلٌ، ولا أتصور نجاح أي مفاوضات قادمة؛ لأن العدو الصهيوني لن يعطيَ شيئًا على طاولة المفاوضات، فماذا فعل أبو مازن بهذه المفاوضات العبثية التي لم يجنِ الشعب الفلسطيني من ورائها إلا الكثير من المآسي؟!، وهنالك جهات صهيونية رسمية وغير رسمية أكدت مرارًا عدم استعداد الطرف الصهيوني لتقديم أية تنازلات للجانب الفلسطيني، وحتى حاييم رامون- نائب رئيس حكومة الاحتلال- صرَّح بأنَّ ما يقدِّمه هذا الكيان للسلطة الفلسطينية هو أقلُّ من نصف ما قدمه باراك لعرفات في كامب ديفيد، إلا أنه يبدو أن "أبو مازن" سيظل يتحدث عن المفاوضات والتفاهمات حتى يخرج من دائرة الفعل الفلسطيني؛ فهو واهمٌ إذا كان يظن أن الصهاينة سيعطونه شيئًا.
حصار وبرود وخيانة
أوضاع معيشية صعبة لأطفال غزة في ظل الحصار

* بعيدًا عن "أنابوليس" وما نتج عنه، فإن الحصار على قطاع غزة دخل مراحل خطيرة، كيف تنظرون لهذا التخاذل العربي والإسلامي تجاهكم؟ وهل هذا مرتبطٌ بعلاقات هذه الدول مع السلطة الفلسطينية؟!
** من المعيب أن مأساةً إنسانيةً بهذا الحجم وفي هذا المكان يتفرج عليها العرب والمسلمون بهذا البرود، فهذا موقفٌ مخزٍ، ويكفي أن من تحدَّث عن قضية الحصار وطالب بكسره والقضاء عليه هي مندوبة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وشئون اللاجئين وعددٌ من أحزاب المعارضة الأوروبية، بينما تقف الأنظمة العربية موقفَ المتفرج، وهو بالفعل أمرٌ مخزٍ، فلا نرى أي حراك عربي، والأكثر خزيًا هو أن يشارك أبو مازن و"شلَّته" في هذا الحصار على الشعب الفلسطيني؛ ظنًا منهم أنه سيقضي على حركة حماس وسيقلل من شعبيتها، وسيقلب الشعب الفلسطيني عليها، وهو تفكير "إبليسي" لا ينظر لمصلحة الشعب الفلسطيني بعيدًا عن أية اتجاهات أو خلافات.
* هذا يدعونا إلى فتح ملف الحوار بين حماس وفتح؛ فهل ترى أن مؤتمر "أنابوليس" وموقف أبو مازن فيه قضى على أي آمال للحوار الوطني الفلسطيني؟
** أبو مازن يبني جُدُرًا من الفواصل بينه وبين شعبه، والحوار ليس له بديل، سواءٌ وافق هو أو رفض؛ لأن الوحدة الفلسطينية بالنسبة لنا أمرٌ في غاية الضرورة، وليس لها أي بديل آخر، وإذا كانوا يعتبرون حركة حماس حركةً وهميةً أو ليس لها وجود وبالتالي لن يتحاوروا معنا فهم واهمون؛ لأننا الأكبر والأكثر وجودًا في الشارع الفلسطيني، ونتائج الانتخابات البرلمانية والمحلية تشهد بذلك، ولا يمكن على الإطلاق تجاهلنا إلا في أوهام أبو مازن و"شلَّته" في رام الله، ونحن من جانبنا نمدُّ أيديَنا ولم نرفض أيَّ لقاء للمِّ الشمل، وخيرُ دليل على ذلك لقاء بعض قادة حماس في الضفة مع عباس في مقر المقاطعة برام الله؛ فنحن لم نرفض اللقاء؛ ولذلك جاء هذا اللقاء ضمن سياسات الحركة للقاء مع فتح ومع غير فتح.
أبو مازن دائمًا يرفض، لا بل هو يُنكِر أن يكون هناك حوارٌ رغم اللقاءات الكثيرة لحركة حماس، سواءٌ مع رفيق النتشة أو مع جبريل الرجوب القياديَّيْن بفتح، أو مع قيادات فتح في قطاع غزة، وهناك لقاءات متعددة وكثيرة، وكلها بإذن أبو مازن وعلمه، لكنه لا يريد حوارًا سياسيًّا مع حركة حماس؛ لأنه لا يستطيع أن يُجري هذا الحوار بسبب ضغوطات أمريكية وصهيونية.
* بدأ أمس الإثنين عبور الفوج الأول من حجاج بيت الله الحرام من سكان قطاع غزة، فهل من الممكن أن نعتبر ذلك بدايةً لفكِّ الحصار؟!
** يجب أن نعرب عن تقديرنا لهذه الخطوة التي اتخذتها السلطات المصرية، وإننا نتمنَّى أن تشكِّل بدايةً لكسر الحصار المفروض على أبناء شعبنا في قطاع غزة؛ فهذا الحصارُ الجائرُ لا يستثني طفلاً ولا امرأةً ولا شيخًا ولا مريضًا، ونأمل المزيد في فتح هذه المعابر، فلا يُعقَل أن يعاني الفلسطينيون في قطاع غزة من هذا الحصار والجوع والعطش، وعلى بعد أمتار منهم الإخوة المصريون لا يستطيعون تقديم يد العون لهم بحجة المعابر!!.


