إن الحجَّ إلى بيت الله الحرام ليس مجرَّد رحلةٍ ترفيهيةٍ، ولا مجرَّد سفَرٍ للترويح عن النفس، ولكنه معلَمٌ بارزٌ من المعالم التربوية في منهج الإسلام.
فمن خصائص الإسلام ومزاياه أنه لا يكتفي بإطلاق الشعارات ولا بإعلان المبادئ، ولكنه يضع المناهج العملية والبرامج التربوية التي تجعل من الشعارات واقعًا ملموسًا، وتنقل المبادئ المُعْلَنَة من النظريات المجرَّدة إلى واقع حي مطبَّق في دنيا الناس.
وموقع فريضة الحج في منهج التربية الإسلامية موقعٌ مميزٌ؛ ذلك أن الإسلام يريد تكوين إنسان صالح، يعمل الخير لنفسه وللناس، متجرِّدًا من الأنانية والأثرة، متَّصفًا بالإيثار والإخاء، يقول الحقَّ فينطق بالصدق، ويحكم بالعدل ويقوم بالقسط، ويجاهد بنفسه وماله في سبيل المُثُل العليا التي آمن بها، ويجعل هذه الآية الكريمة شعارًا له: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (الحج: من الآية 78).
وفريضة الحج حين تؤدَّى على وجهها الصحيح فإنها تحقق في نفس المؤمن دورها المرسوم، وتصل به إلى الغايات المنشودة خلقًا ونبلاً، وتجردًا وإيثارًا، وشجاعةً وتضحيةً، وقوةً وجهادًا، وعطاءً وبذلاًً.
كل هذه الفضائل السامية والمعاني النبيلة تتمثل في تصرفات وسلوكيات الحجيج منذ بداية توجُّههم إلى أداء المناسك حتى يفرغوا منها ويعودوا إلى أوطانهم.
ولذلك لم يكن غريبًا ولا بعيدًا أن يعود الأخ وقد تطهر من ذنوبه ورجع نقيًا كما ولدته أمه كما أخبر بذلك الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ".
ومنذ اللحظة الأولى حين يفكر المسلم ويستعد لأداء فريضة الحج فإنه يقوم برمحلة شاملة لكل تصرفاته السابقة؛ كي يعد لنفسه ولأهله مالاً طيبًا حلالاً يؤدي منه فريضة الحج، وينفق منه على نفسه وأهله، آملاً أن يكون حجُّه مبرورًا مقبولاً.
عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الحاجُّ حاجًا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز -الغرز: ركاب يعتمد عليه الراكب حين يركب- فنادى: لبيك اللهم لبيك. ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك- لبيك: أجاب الله حجك إجابة بعد إجابة- زادُك حلال، وراحلتُك حلال، وحجك مبرور غير مأزور- مبرور: أي مقبول لا يخالطه وزر-. وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك. ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك؛ زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور- مأزور: جالب للوزر والإثم-".
وأعمال الحج وشعائره في مجملها رموز روحية، إذا أُديت على الوجه الأكمل حلَّقت بالمسلم في آفاق السمو الروحي، وارتقت به في مدارج الكمال الخلقي.
وتبدأ أعمال الحج بالتطهر ظاهرًا وباطنًا؛ فيتوب المسلم توبةً صادقةً من جميع الذنوب والآثام، ويغتسل ثم يلبس ملابس الإحرام، ويُستحب أن تكون بيضاء؛ رمزًا للصفاء والنقاء، ومن المطلوب أن يرتديَها على هيئتها دون حياكة؛ ليكون ذلك رمزًا للتجرُّد من زينات الدنيا، واستعدادًا للقاء الله، وتحقيقًا للمساواة بين الخلق.
![]() |
إن الحاجَّ بهذا الملبس يكون قد تجرد من كل مظاهر التفاخر والتظاهر وأمارات التفاضل والتمايز، إن ملابس الإحرام أقرب ما تكون إلى الملابس التي يُكفَّن فيها الموتى من المؤمنين، ويُعتبر ذلك دعوةً إلى الزهد في الحياة؛ حتى يتجرد المسلم من هوى النفس ويتواضع لله- سبحانه- وينزع من قلبه العجب والاستعلاء على خلق الله- سبحانه وتعالى-.
وتبدأ شعائر الحج بعد الإحرام بالتلبية: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك".
وهذا الشعار الذي يصاحب الحاج في مسيره كله إعلان بأنه لا غاية له سوى الله، ولا مقصد له إلا الله، يخشى غضبه ويرجو رضاه.. إنه نداء تهتف به القلوب، وتلتف حوله الأرواح، ويجتمع عليه المسملون من مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وأجناسهم في مساواة كاملة وأخوة تامة، يقصدون إلهًا واحدًا، ويتجهون إلى قبلةٍ واحدةٍ، ويقودهم زعيم واحد هو سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
يترجم هذه المعاني شاعرهم فيقول:
يا أخي في الهند أو في المغرب
أنا منك، أنت مني، أنت بي
لا تسل عن عنصري عن نسبي
إنه الإسلام أمي وأبي
إخوة نحن به مؤتلفون
ثم يكون الطواف حول الكعبة، وهو تحية بيت الله الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، ومن دخله كان آمنًا. وفي الطواف بالبيت تشبُّه بالملائكة الذين يطوفون حول عرش الرحمن يسبحون الله ويحمدونه كما قال- سبحانه-: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الزمر: 75).
وفي هذا الطواف طاعة وخضوع وإذعان لأمر الله، وإسلام الوجه له- سبحانه-، وفيه من السموّ الروحي ما فيه.
وفي تقبيل الحجر الأسود تسليم لأمر الله ورسوله. والتسليم أمارة العبودية الحقة لله- سبحانه وتعالى-. والعبودية هي الطريق إلى الرفعة، ولا يكون العبد حقيقًا بوصف العبودية إلا إذا أطاع سيده في كل ما أمر ولو لم يعرف حكمة الأمر أو علته؛ ثقةً بأن سيده حكيم، وما دام الآمر هو الله، فهو حكيم عليم.
وهذا عمر ابن الخطاب- رضي الله- عنه يكشف عن حقيقة هذه العبودية في اقتدائه برسول الله في فعله، فلقد ورد أن عمر- رضي الله عنه- جاء إلى الحجر الأسود فقبله، وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك".
ولهذا كان الدعاء المأثور عند ذلك هو: "اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً واتباعًا لسنة نبيك.. بسم الله والله أكبر".
وأما السعي بين الصفا والمرة فهو ترددٌ بين مَعلمَيْن بارزَيْن؛ طلبًا للراحة واستنزال الغيث من عند الله؛ تشبهًا بالسيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل- عليه السلام- في مثل هذا الموقف؛ إذ استغاثت بالله فأغاثها، واستعانت به وحده فأعانها.
وأما الوقوف بعرفة فما أعظمه من موقف!، يتذكر الناس فيه يوم الحشر؛ لكي يستعدوا لذلك اليوم بعمل صالح ينجِّيهم من عذاب الله، ويبلِّغهم جنته ورضوانه.
إن موقف الناس خاشعين بين يدي الله في عرفة موقف يباهي اللهُ فيه بأهل الأرض أهلَ السماء كما جاء في الحديث الشريف.
عن جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة؛ ينزل الله- تعالى- إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي: جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين جاءوا من كل فج عميق؛ يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي".
فما يُرى أكثرَ عتيقًا من النار من يوم عرفة.
وأما رمْي الجمرات فإنه رمزٌ لقوة العزيمة ومَضاء الإرادة التي يتغلب بها المؤمن على نوازع الشر، ويقاوم الهوى والشيطان وينتصر لدواعي الخير.. إن الراميَ بذلك الحجر الصغير يرمي إبليس- منبع الشر ورأس الفساد-؛ لكي يتجرَّأ عليه ويقاوم وساوسه، ويدافع دسائسه.
وهكذا فإن كل أعمال الحج ومناسكه أمور تربوية وجهادية في آنٍ واحد.
![]() |
ولأمرٍ ما ربط الله الحج والجهاد برباط متين، فإن من لم يخلص عمله لا يستيطع أن يكون مجاهدًا، ومن لم يتجرَّد من الرغبات والشهوات لا يستطيع أن يكون مجاهدًا، ومن لم يتعوَّد على تحمل المشاق ومواجهة الصعاب لا يستطيع أن يكون مجاهدًا، ومن لم ينتصر على شح النفس ويتدرَّب على إنفاق المال والسخاء به لا يستطيع أن يكون مجاهدًا، ومن لم يتغلَّب على شهواته وأهوائه وينتصر على نفسه الأمارة بالسوء ويدحر شيطانه لا يستطيع أن يكون مجاهدًا.
وكل هذه الخصال يتدرب عليها الحاج ويمارسها عمليًا في رحلة الحج.
ولهذا فإننا نجد أن أول آية نزل فيها الإذن بالقتال في سبيل الله، وهي قول الله- تعالى-:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: 38) إلى قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: من الآية 40).
جاءت هذه الآيات عقب الحديث عن الحج ومناسكه في السورة المسماة باسمه، وهي سورة الحج.
كما أن الآية التي كلَّف فيها الأمة الإسلامية بالجهاد في سبيله وشرَّفها بهذا التكليف العظيم جاءت كذلك في سورة الحج، يقول الله- تعالى-: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (الحج: من الآية 78).
هو اختاركم من بين الأمم؛ لتحملوا رسالته وتعلموا بها وتبلغوها إلى خلقه وتجاهدوا لإعلاء كلمته.
وما أحوج الأمة في هذا الزمان الذي دِيستْ فيه كرامتُها، واحتُلَّت أراضيها، واغتُصبَت مقدَّساتها، وتُحُكِّم في شئونها!!.. ما أحوج الأمة في هذه الظروف إلى تدبِّر المعاني!!؛ لكي ترى في أداء شعائر الحج ومناسكه مَعلمًا على طريق الجهاد الذي تُستردُّ به الكرامة، وتُحقَّق به العزة، وتُحترم به الأمة، فما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا.
عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد إلا سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
والواقع يشهد أن ترك الجهاد والاشتغال بطلب الدنيا يورث الذل ويؤدي إلى الرضا بالهوان.
ولابد للأمة لكي تتبوأ مكانتها التي أرادها الله لها من إيقاظ روح الجهاد في قلوب أبنائها، وتأخذ زمام المبادرة، وبدون ذلك لن يرهبها العدو، ولن يسلم لها بأي حق من حقوقها.. فاعتبروا يا أولي الألباب.
---------
* عضو مجلس الشعب والأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف سابقًا.

