- خبراء: نسبة الـ5% للإسلاميين ترتبط بعوامل داخلية وخارجية

- الحكومة الأردنية لجأت لتغييرٍ تشويهي لتركيبة الدوائر الانتخابية

- رشوان: الحركات الإسلامية لم تتراجع ويكفي صبرها على الضغوط المختلفة

- العناني: هناك حاجة ملحة لإعادة هيكلة جماعات الإسلام السياسي لمواجهة التحديات

 

القاهرة- حسونة حماد، عمان- حبيب محفوظ

رأى خبراء ومحللون سياسيون أن الانتخابات الأردنية الأخيرة كشفت عمَّا يُشبه النيةَ من قِبل الأنظمة العربية بألا تزيد نسبة مشاركة الإسلاميين في السلطات التشريعية بل والمحلية عن 5%، وهي النتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات النيابية الأردنية التي جرت منذ عدةِ أيامٍ وسبقتها الانتخابات الجزائرية التي حصل فيها الإسلاميون على نفس النسبة، مؤكدين أن الانتخابات التشريعية المصرية التي جرت عام 2005م والتي أسفرت عن فوز 88 نائبًا من الإخوان بما يمثل نسبة 20% من مقاعد المجلس، ثم الانتخابات الفلسطينية التي أسفرت عن فوز حركة حماس بثلثي مقاعد المجلس التشريعي، ثم النتيجة التي حققتها الحركات الإسلامية في البحرين والمغرب والكويت والتجربة القومية في تركيا، دفعت الأنظمة العربية إلى وضع ما يشبه الإستراتيجية المدعوة من الولايات المتحدة بألا تزيد نسبة الإسلاميين عن 5% ظنًّا منهم أن هذا هو تمثيلهم في الشارع العربي.

 

ولو بدأنا بالانتخابات الأردنية فإن المراقبين يرون أن ما جرى في الانتخابات النيابية الأخيرة، بمختلف مراحلها القانونية، يؤشر بصورةٍ واضحةٍ إلى أن الحكومةَ لجأت بصورةٍ غير مسبوقةٍ إلى تسهيل إحداث تغييرٍ تشويهي في تركيبة عددٍ من أكبر الدوائر الانتخابية في المملكة، بما يسهل أمامها التحكم في نتائج الانتخابات النيابية لصالح مرشحين معينين، وعلى حساب آخرين!

 الصورة غير متاحة

 المرشحون استخدموا وسائل المواصلات للدعاية بالانتخابات الأردنية

 

وبعيدًا عمَّا رافق الانتخابات ويوم الاقتراع من "تجاوزات واسعة، وتواطؤ مكشوف مع رأس المال وأصحاب النفوذ، واتساع ظاهرة البيع والشراء العلنية للأصوات"، والتي تعكف الحركة الإسلامية والمركز الوطني لحقوق الإنسان على توثيقها ونشرها في تقاريرها، فإن ما يسترعي انتباه المراقبين والسياسيين بالأردن عند استقراء خارطة الدوائر الانتخابية، وما أفرزته العملية الانتخابية من نتائج وظواهر، هو حجم النخر في نسيج المجتمع، وجهود الحكومة وإجراءاتها الممتدة على مدى أشهرٍ لتغيير وتشويه تركيبة الدوائر الانتخابية؛ من حيث عدد ناخبيها وفتح باب نقل الأصوات على الغارب لصالح مرشحين منفذين وأصحاب المال، وفي محاولةٍ مستميتة لضرب فرص مرشحي الحركة الإسلامية ومرشحين آخرين!

 

فقد بيَّنت سجلات الناخبين الرسمية أن عددًا من الدوائر الانتخابية، خاصةً الكبيرة منها في عمان وأربد والبلقاء والزرقاء شهدت انخفاضًا واضحًا في أعداد ناخبيها المسجلين في كشوف الناخبين، مقابل ارتفاعات غير طبيعية في دوائر أخرى.

 

ويرى مراقبون أن الأخطر في هذا التغيير، لم يكن التأثير التشويهي وغير القانوني على نتائج الانتخابات، رغم خطورته، بل يكمن خطره الرئيس في أنه عكس عمق الأزمة السياسية والوطنية، التي تغذيها السياسات الرسمية ومنذ سنوات، في ظل تراجع فرص الإصلاح السياسي، وفقدان قطاعات شعبية واسعة للثقة بجدوى المشاركة السياسية والعملية الانتخابية، ما هيَّأ- بترسيخ الأزمة الاقتصادية والمعيشية وظاهرتي الفقر والبطالة- لتعمق ظواهر سلبية في البنية السياسية والاجتماعية، تشكل ظاهرة بيع وشراء الأصوات إحدى تجلياتها وتعبيراتها!.

 

ولم يعد خافيًا أن الحديث بات واسعًا بين النخب والمواطنين عن عمليات نزوح عشرات آلاف الأصوات من مناطق ومدن معينة (!!) لها تركيبتها السكانية المعينة، وهي مناطق ومدن تميَّزت في الانتخابات الأخيرة، والتي سبقتها بانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات أيضًا، ما يعكس حجم الأزمة السياسية والبنيوية التي تولدها الحسابات والإجراءات الرسمية في محاصرة القوى السياسية والشعبية، وعلى رأسها الحركة الإسلامية.

 الصورة غير متاحة

جميل أبو بكر

 

وفي هذا السياق، لم يكن مستغربًا- بحسب المراقبين- التحذير الذي أطلقته الحركة الإسلامية بعد صدور نتائج الانتخابات الأخيرة، وعلى لسان نائب المراقب العام للإخوان المسلمين جميل أبو بكر، والذي أكد أن "قراءة نتائج الانتخابات بعمق، ورصد تصرفات الحكومة فيها تبيَّن أن هناك إثخانًا في النسيج الاجتماعي وتهديدًا للوحدة الوطنية، يسببها قانون الصوت الواحد المجزوء، والذي يسير بالبلاد إلى الوراء وبمؤازرة سياسات وإدارة بعيدة عن الرشد والحكمة تمزق النسيج الاجتماعي، وتهدد الاستقرار العام والطمأنينة النفسية بالمجتمع؛ حيث يتعاظم اليأس ويتضاءل الأمل في إمكانية إحداث إصلاح شامل وبخاصة السياسي منه".

 

ولا يستطيع المراقب، عند قراءته لنتائج الانتخابات، تجاهل ما يعكسه الحس الشعبي الساخر، الذي بات يُعبِّر بوضوحٍ عن عمق الأزمة المذكورة، والتي تجلَّت في نجاح أعداد من النواب في دوائر معينة بخلاف منطق الأمور، وبخلاف الحسابات الشعبية والواقعية في حدها الأدنى.

 

ويتندر مواطنون الآن بعد انتهاء "العرس الانتخابي" بأن النائب فلان في الدائرة كذا بعمان فاز بأصوات الزرقاويين مثلاً! وآخرون يتندرون مثلاً بأن الزرقاء أو الرصيفة أو تلك المدينة أو المنطقة لها عشرون نائبًا(!!) أوصلتهم بأصواتها، وليس فقط عدد نواب الدائرة أو تلك!

 

ورصد المراقبون، في هذا السياق، ارتفاع حجم مشكلة نزوح الأصوات من حادثتين دفعت الطبيعة العشائرية وصغر الدائرتين اللتين تم النزوح إليهما إلى كشفهما مبكرًا، ووقفهما عبر ضغوط واحتجاجات المرشحين وعشائرهم.

 

ونتحدث هنا عن دائرة بدو الوسط، التي اضطرت وزارة الداخلية قبيل الانتخابات إلى شطب عدة آلافٍ من الناخبين المرحلين إلى هذه الدائرة المغلقة لتوفر إمكانية حصر أسماء العائلات غير المدرجة ضمن عشائر هذه الدائرة المغلقة، وكذلك الأمر جرى في دائرة الطفيلة الانتخابية، التي دفعت احتجاجات المرشحين والسكان إلى إلغاء وشطب عدة آلاف رحلت لتلك المدينة من عمان ومناطق أخرى، وكادت محاولات مرشحين لجلب أصحاب الأسماء المشطوبة للتصويت يوم الاقتراع، كونهم يحملون هويات مثبت عليها دائرة الطفيلة الأولى، أن تتسبب في مشاكل اجتماعية وأحداث شغب واسعة.

 

ليس تراجع

 

ضياء رشوان

وإذا كانت الحالة الأردنية لها طبيعتها العشائرية والقبلية، إلا أن الخبراء على مستوى الوطن العربي ينظرون لها من زاويةٍ أخرى؛ حيث يرى ضياء رشوان- رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن نتائج انتخابات الأردن لها دلالة على المستوى العربي وعلى الوضع المستقبلي للحركات والجماعات الإسلامية المهتمة بالعمل السياسي، مؤكدًا أن الحركة الإسلامية لم تتراجع، لكنها تواجه حملات شرسة من الحكومات زادت حدتها مؤخرًا، وتتنوع ما بين تجفيف المنابع المالية والاجتماعية لها إلى تقديم أعضائها لمحاكمات عسكرية؛ إذ تعتبر سيطرة هذه الجماعات على البرلمان خطًّا أحمر، منبهًا أيضًا إلى تأثير تجربة حماس في تحركات الأنظمة الحاكمة لمحاصرة التيارات السياسية الإسلامية.

 

غير أنه اعتبر أن فوز إخوان مصر بخمس مقاعد مجلس الشعب عام 2005م على الرغم من التضييقات الأمنية- أي قبل فوز حماس- كان حافزًا لتوسع طموح الحركات الإخوانية العربية، باعتبار أن مصر أكبر الدول العربية، وتحتضن التنظيم الأم، موضحًا أن فوز إخوان مصر بـ88 مقعدًا عام 2005م، وما تبعه من فوز حماس الكاسح في فلسطين، نظرت له الأنظمة، وخاصةً في مصر، على أنه خطرٌ كبير، وبالتالي صعَّدت من حملاتها الأمنية، وأجرت تعديلات دستورية أغلقت الطريق على قوة المعارضة الرئيسية في مصر، وهم الإخوان؛ إذ نصت التعديلات الأخيرة صراحةً على حظر قيام أحزاب دينية.

 

ويلفت إلى أنه لم يجد أي نفع مع الحركات الإسلامية بالدول الثلاث ما قدمته من تنازلات أو "رسائل طمأنة" غير مباشرة للسلطة تعكس عدم رغبتها في كرسي الحكم، وتمثلت بشكلٍ رئيسي في تقليل عدد مرشحيهم للبرلمان كما حدث بمصر والأردن، بل على العكس تشددت السلطة أكثر في التعاطي معها.

 

مشاكل الحركات الإسلامية

 

خليل العناني

ويرى خليل العناني- الباحث في شئون الحركات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن هذا التراجع يرجع لأسبابٍ عديدةٍ جزء منها يتعلق بالحركة الإسلامية نفسها والجزء الآخر خاص بطبيعة المناخ السياسي والأنظمة العربية.

 

وقال: أما ما يتعلق بالحركات الإسلامية نفسها فأشعر أن ربيعها أوشك على الانتهاء، فهي تعيش الآن نقطة تحوَّل تتعلق بمشروعها السياسي وهيكلها التنظيمي، مشيرًا إلى أن الحركات الإسلامية في حاجةٍ إلى تغيير مشروعها السياسي والابتعاد عن مشروعها الإيديولوجي لكي تصبح حركات اجتماعية مدنية؛ لأن عصر أفكار الإيديولوجيات الكبرى انتهى، مؤكدًا أن الحركات الإسلامية في حاجةٍ إلى مشاريع سياسية واقعية وليس مجرد شعارات، مضيفًا أن الحركات الإسلامية أيضًا مطالبة بإعادة إنتاج خطابها الفكري بحيث يصبح أكثر توافقًا مع القيم الديمقراطية، وكذلك إعادة الهيكلة التنظيمية لها بحيث تسمح للأجيال الشابة لاحتلال أماكن متميزة بداخلها، مؤكدًا أن الحركات الإسلامية تحتاج إلى "بيروسترويكا" ثورة تصحيح داخلية حتى لا تذبل كما ذبلت جميع الأطروحات الفكرية الأخرى.

 

وفيما يتعلق بطبيعة المناخ السياسي للأنظمة العربية أكد العناني أن معظم التيارات الإسلامية تعاني حالةً من القمع السلطوي تمارسه النظم المستبدة في المنطقة؛ وذلك بسبب انحصار موجه الضغط الخارجي على هذه النظم، وكأنَّ هناك ثمةَ ضوء أخضر أمريكي يقمع هذه الحركات باعتبارها تُشكِّل تهديدًا جذريًّا وحقيقيًّا لصالح أمريكا والكيان الصهيوني في المنطقة، مضيفًا أن محصلة التقاء هذين العاملين- سواء فيما يتعلق بالحركات الإسلامية نفسها أو ما يتعلق بالأنظمة العربية- أدَّى إلى أفول نجم الحركات الإسلامية وتراجعها عن الصعود السياسي، كما حدث في مصر والمغرب والأردن وفلسطين.

 

ولفت العناني إلى أن أهم الأخطاء التي وقعت فيها الحركات الإسلامية هي أنها لم تُدرك مدى تغير السياسات الإقليمية المحيطة بها، فضلاً عن البعض منها ارتدى رداءً يتعدى حدود الدولة الوطنية، مشيرًا إلى أن الشعوب العربية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية تعيش حالةً من المخاض الاجتماعي والفكري والسياسي أسفر إلى حدٍّ بعيدٍ إلى وجود قدرٍ من الحسِّ السياسي عندها جعلها تستطيع التمييز بين التيارات المختلفة.

 

وأكد العناني أنه لن يحدث تحولٌ ديمقراطي في العالم العربي بدون دمج الإسلاميين في الواقع السياسي، مؤكدًا أن مَن يقول إن الحركات الإسلامية ستموت وتزول فهذا غير منطقي، والمسألة لا تتعدى كونها مجرَّد هبوط وصعود للحركات الإسلامية.

 

وقال العناني: أتمنى ألا ينظر الإسلاميون لأي محاولةٍ لتجديد الخطاب الفكري والمشروع السياسي على أنها خروج عن ثوابت الدين، بل على اعتبار أن التجديد سنة كونية، ونحن حريصون على وجود هذه التيارات باعتبارها تُعبِّر عن هوية الأمة وجزء رئيسي من مشروعها الحضاري.

 

تنظيم جيد

واعتبر الدكتور عمرو هاشم ربيع أن التشريعات العربية والإسلامية التي توضع حاليًا تسعى جميعها لتقويض الإسلاميين من الوصول للسلطة، وعلى رأسها التشريعات المصرية.

 

وأكد هاشم ربيع أن حصول الإسلاميين على المقاعد بالرغم من هذه القيود يرجع إلى التنظيم الجيد لهم بشكلٍ كبيرٍ وتنامي تيار عام في المنطقة ضد كل ما هو يساري أو ليبرالي أو قومي نتيجة ظروف كثيرة، منها فشل تطبيق برنامج الخصخصة وتأثيراته السلبية، وكذلك تراجع معظم البرامج اليسارية، حتى الفكر القومي تراجع هو الآخر نتيجة تراجع المد اليساري بشكلٍ عام، مضيفًا أنه أصبح هناك احتياج بشكلٍ عام للاعتماد على التيار الإسلامي في المقاومة كما حدث في فلسطين ولبنان.