كيف تكون العلاقة بين الداعية وأسرة المراهق المدعو بما يفيد دعوة المراهق، وتعاون الأسرة مع الداعية؟ هذا سؤال مهم عن العلاقة بين المشرفين وأولياء الأمور، لما لهذه العلاقة من أثرٍ كبيرٍ في الدعوة مع المراهقين، ورغم ذلك، فهي علاقة تتسم بالغموض والشك من الطرفين، وهذا الغموض والشك سببه أفكار خاطئة لن يزول الشك والغموض إلا بزوالها، وهي مسألة تعتمد على مدى فهم المشرف لطبيعة عمله، وجرأته في الحوار مع الكبار.
فبمجرد أن ينجح المشرف في إقناع الطالب بالانتظام في حضور لقاءٍ مسجدي، يشعر أنه يقوم بعملٍ لا توافق عليه الأسرة، وأن إقبال الولد على التدين يعني بالضرورة أن تبدأ رحلة صراع بينه وبين والديه، صراع المفاهيم والأفكار واقتناص الموافقات على حضور اللقاءات وبرامج الأنشطة، وتضاربها مع رغبات الأسرة ومتطلبات البيت، وهو أمرٌ يشعر المشرف بأن العلاقة بينه وبين أولياء الأمور، هي علاقة صراع على المراهق، لا بد وأن تنتهى بفوز أحد الطرفين.
ويختلف رد فعل الآباء تجاه الأمر، منه مَن يشعر بالخوف على ابنه من البداية، باعتبار أن الحلقات المسجدية ما هي إلا مقدمة لتنظيمات سياسية معروفة، ولها خلفيات مرعبة، في وقتٍ أصبح الحديث عن الإسلاميين محور أي حديث سياسي، سواء التيارات المتهمة بالعنف أو التيارات المعتدلة التي تواجه حربًا شرسةً من حكوماتها، وفي الحالتين يكون التفكير فيما سيحدث للأبناء أمرًا مقلقًا للغاية.
ومن الآباء مَن يترك الابن على حريته في فصل الصيف، ثم يضع خطًّا أحمر للمشرف منذ بداية الدراسة، باعتبار أن الانغماس في الدين، يسبب الإلهاء عن الدراسة، أو على الأقل ضعف المستوى الدراسي.
وهناك من الآباء من يترك الابن دون حساب من البداية، حتى يظهر أثر التردد على الحلقات الدينية عليه تجاه أسرته، ثم يبدأ بعدها اتخاذ القرار بالتأييد والمساندة، أو الرفض والمعارضة.
وهناك فئة أخرى لا تعني كثيرًا بتصرفات الأبناء، وتكتفي بما أرهقها المجتمع من مسئوليات، وفي الحالات الثلاثة الأولى.. يعتبر أولياء الأمور أن الدين منفصل عن الحياة، وأن خط التدين يسير في اتجاهٍ عكسي مع خط الحياة، وأن ما يريده المشرف من الطالب، هو عكس ما يريده الآباء منه، وأنهما على أقصى تقدير من الممكن أن يتلاقيا في بعض الأعمال لبعض الوقت، ولكن من الصعب والصعب جدًّا، أن يلتقيا في كل الأوقات وكل الأعمال.
وهذه النظرية الأبوية تنتقل بسلاسةٍ وتلقائية إلى ذهن المشرف، الذي يضع في اعتباره دائمًا رأي الآباء، ويتوقع امتعاض ولي الأمر من انتظام الابن في الحلقات الدورية، وهو ما يجعله يضع عوائق أمام نفسه، تحجمه وتمنعه من الانطلاق بحريةٍ في برامجه، وتمهد للاستسلام عند أول إشارةٍ يطلب فيها الأب ابنه، معلنًا إنهاء العلاقة مع المشرف.
طب والحل؟..
لا بد من اتصال المشرف بالأسرة من أول أسبوع يتعرف فيه على الطالب، ويقوم المشرف في هذا اللقاء بعرض طبيعة دوره مع الطالب، وأن مهمته هي تقويم الخلق وتكوين شخصية سوية ناجحة ومفيدة، ويشير إلى الاهتمام بالعلم والتفوق الدراسي، ويعرض عليه المشاركة والتعاون في حل المشكلات التي يقابلها مع ابنه.
وأن كل هذا إتباع لتعاليم الإسلام التي تدعو إلى نشر الخلق وبناء الإنسان، والتنويه "إذا لزم الأمر" أن الاهتمام بالسياسة ليس في الاعتبار، إلا من حيث الثقافة العامة كالاستماع إلى نشرة أخبار أو قراءة جريدة.
ويعطي المشرف الأب مواعيد اللقاءات ويعرض عليه استضافته في إحدى هذه اللقاءات، وإعطائه كلمة إن أمكن، المهم أن يشعر الجميع أنهم في اتجاهٍ واحدٍ متفق عليه.
أما الخطوة التالية والتي لا تقل أهميةً عن الأولى، فهي التركيز على البرامج التي تشعر الأسرة بالتغيير الإيجابي لابنهم، تحسن أخلاقه داخل الأسرة.. ارتفاع درجة التفاهم بينه وبين أبويه وأخواته.. اهتمامه بالدراسة، على أن تكون هذه البرامج عملية وواضحة، ومتابعة تنفيذ هذه البرامج من قبل المشرف بعناية، والاتصال بالآباء لمعرفة مدى نجاحها معهم.
ومع الوقت.. ستزداد ثقة الآباء في المشرف، ويزيد التواصل وبالتعاون بينهما بلا شك.
وبالطبع ستختلف درجة قبول الأمر من ولي أمر لآخر حسب ثقافته وتفكيره وشخصيته وقبوله للمشرف نفسه واقتناعه به.
وسيقبل بعض الآباء الأمر وسيرفض آخرون، لكني أعتقد في النهاية.. أنها ستؤتي نتائج أفضل بكثير من الطريقة التي تولد ذلك الغموض الغريب المريب بين المشرف وولي الأمر، وهي طريقة كفيلة بأن تدمر جهد شهور في لحظة.
وفي حالة رفض ولي الأمر لفكرتك، فإن الأمر يتوقف في هذه الحالة على شخصية الطالب وعلاقته بأسرته، ورغبته الحقيقية في حضور الدروس الدينية والالتزام الديني، وما عليك إلا أن تعرض عليه الأمر وتنصحه بمحاولة إقناع والده أو والدته بالرفق وبالحوار الرقيق المهذب مرةً ومرات، فإن باءت المحاولات بالفشل، فاحذر أن تجعل الطالب نقطة صراع بينك وبين أسرته، واحرص على علاقتك الطيبة به وبوالده، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.