- السكر والزيت والأرز والشاي في المقدمة.. يليها تدريجيًّا رغيف الخبز
- توقعات بموجة عاتية من الغلاء وغياب الرقابة وجشع التجار
- حالة رعب وقلق عارمة من المجهول والطمأنة الحكومية غير مجدية
- الخبراء: رفع الدعم عن السلع مخاطرة وسيودي بحياة آلاف المصريين
تحقيق- حسونة حماد
المواطن المصري أوشك صبره على النفاد، وضعفت قوَّته على الصمود أمام الصدمات التي تفاجئه بها الحكومة المصرية واحدةً تلو الأخرى، وبشكل متواصل ومستمر، وكأنها جولةُ مصارعة بين المواطن والحكومة، تريد فيها الحكومة القضاء على خصمها بأي شكل من الأشكال، فما يكاد يمر يومٌ إلا وتفاجئ الحكومةُ المصريةُ مواطنيها بقضيةٍ جديدةٍ تكون أشدَّ وطأة على المصريين من سابقتها..
كانت آخر هذه المفاجآت هو تأكيد الدكتور يوسف بطرس غالي- وزير المالية- أنَّ الحكومة تدرس تحويل الدعم من صورته الحالية إلى الصورة النقدية حتى يصل إلى مستحقيه.
ورغم أن عددًا من الخبراء والمتخصِّصين يطالبون بذلك منذ سنوات عديدة كي يصل الدعم إلى مستحقيه، إلا أن المشكلة الحقيقية هي تحديد الصورة المناسبة التي سيتم بها توصيل هذا الدعم، هل ستكون بالصورة النقدية التي سيتبعها زيادة مفاجئة في أسعار السلع والمنتجات من جانب التجار الجشِعين؟ أم سيتم دعم السلع بعينها ليحصل عليها الغني والفقير أيضًا، خاصةً أن أشكال الدعم المطروحة لم تلقَ استحسانًا لدى الخبراء وكذلك لدى رجل الشارع البسيط؟!!
وعلم (إخوان أون لاين) أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل في اتخاذ الخطوات الأولى لإلغاء الدعم بجميع صوره وأشكاله عن السلع الغذائية الأربع: (السكر والزيت والأرز والشاي) التي يتم توزيعها على البطاقات التموينية، على أن يتم في الوقت نفسه وبالتدريج إلغاء الدعم عن رغيف الخبز وتركه للعرض والطلب؛ على اعتبار أن هذه الإجراءات تأتي في إطار التحوُّل من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، وما قد يترتب عليه من ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار جميع السلع والمنتجات الأساسية وغير الأساسية.
![]() |
|
جمال مبارك |
اللافت للنظر أن جمال مبارك- أمين لجنة السياسات بالحزب الحاكم- قال ردًّا على سؤال في مؤتمر صحفي عُقِد على هامش المؤتمر السنوي للحزب الوطني: "إن الإصلاح والتطوير سيتطلب بدائل لن تكون كلها سهلة، وأمامنا خيارات قد تكون غير شعبية!!".
وتسعى الحكومة حاليًّا كعادتها إلى طمأنة المواطنين بأنه لا يوجد آثارٌ سلبية على إلغاء الدعم وتحويله إلى دعم نقدي، إلا أن هذه الرسائل التي تبعث بها الحكومة للمواطنين غير مجدية، ولم يقتنع بها غالبيةُ المواطنين لعدم ثقتهم بها، خاصةً في ظل حالة القلق والرعب التي تنتاب الجميع إذا تم إلغاء الدعم عن السلع والمنتجات الغذائية.
ففي تصريحات خاصة لـ(إخوان أون لاين) أكد اللواء أبو بكر الجندي- رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء- أن الدولة سوف تتحمَّل المسئولية كاملةً في حالة وجود أي تجاوزات تضرُّ بمصلحة المواطن نتيجةً لهذا الإجراء، مشيرًا إلى أن رفع الدعم سيكون تدريجيًّا وليس بشكل مباشر، بمعنى أنه سيتم تقليل الدعم بشكل مرحلي؛ حتى لا يترتب على ذلك حدوث أزمة كبيرة في الشارع المصري، وأوضح الجندي أن هذه المسألة تخضع حاليًّا لدراسات عديدة ومكثَّفة حتى يتم التوصل إلى أفضل طريقة ممكنه يتم عن طريقها إلغاء الدعم وتحويله إلى دعم نقدي.
مشكلة معضلة
وحول الشرائح أو الفئات التي ستحصل على الدعم النقدي، خاصةً في ظل تعدد وتنوع هذه الشرائح، قال اللواء الجندي: إن آلية تحديد الفقراء عملية صعبة جدًّا، وهي أيضًا عملية نسبية تختلف من دولة إلى أخرى؛ حيث إن معدلات الفقر تختلف بين فقر مدقع؛ أي يعيشون على أقل من دولار في اليوم، وفقر عادي؛ أي يعيشون على دولارين في اليوم، موضحًا أن الفقير في مصر هو من يكون دخله الشهري أقل من 166 جنيهًا في الشهر.
واعترف الجندي أن رفع الدعم مشكلة معضلة، وأن الحكومة تبحث حاليًّا عن أفضل السبل لاستغلال كافة الموارد المتاحة الاستغلال الأفضل، مكرِّرًا أنه لن يضارَّ أحدٌ من رفع الدعم، وأن كل شرائح المجتمع ستوضع في الاعتبار، وأنه لن يتغير شيء في الآلية الحالية إلا عندما يكون لها بدائل!!.
ويتفق د. سلطان أبو علي- وزير الاقتصاد المصري السابق- مع ضرورة أن يتم إلغاء الدعم بطريقة تدريجية لتخفيف الواقع على المجتمع المصري؛ حتى لا ترتفع الأسعار بشكل جنوني، مؤكدًا أن الدعم النقدي ستكون له آثارٌ سلبيةٌ على المواطن المصري إذا لم تنتبه الحكومة لذلك.
شبكات ضمان
ويلتقط طرف الحديث الدكتور طارق مرسي- أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- قائلاً: "رغم أنني من أنصار إلغاء الدعم وتحويله إلى شكل نقدي ضمانًا لوصوله إلى مستحقيه، ومن أنصار الاتجاه نحو آليات السوق التي أثبتت نجاحها في العديد من الدول النامية، إلا أنني من المؤمنين بأن اقتصاديات السوق لها ضحايا، سواءٌ قلَّت هذه الضحايا أم كثرت".
ويؤكد د. مرسي أنه لا بد في ظل هذه الأوضاع من وجود شبكات ضمان كفء، وعلى أعلى مستوى لمساعدة الفقراء، مشيرًا إلى أن أيَّ دولة لو استمرَّت على سياسة الدعم سيأتي اليوم الذي لا تستطيع فيه الدولة أن تدعم فقيرًا واحدًا.
ويضيف أنه لا بدَّ للدولة من البحث عن بدائل للدعم، مع ضمان الاهتمام بهم؛ حتى لا يذهبوا في مهبِّ الريح.
مسارات متعددة
د. رشاد عبده

ويوضح الدكتور رشاد عبده- أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية- أن هناك أكثر من نظام لأنظمة الدعم، ولكل منها مزاياه وعيوبه، وعلى متخِذي القرار في ضوء المعطيات الموجودة أن يتعاملوا معها ويصحِّحوا مسارها؛ بحيث تضمن الهدف الأساسي منها، والذي يتمثَّل في تخفيف المعاناة عن الفقراء ومحدودي الدخل.
مشيرًا إلى أن هناك تخوفاتٍ من نظام الدعم النقدي الذي تفكِّر فيه الحكومة الآن من أن يضرَّ بمحدودي الدخل، خاصةً أنه لا توجد رقابة كافية؛ فبمجرد تقديم الأموال لمحدودي الدخل سيقوم التجَّار الجَشِعون برفع الأسعار، وبالتالي سيزداد الموظف البسيط معاناةً؛ لأن هناك فرقًا واضحًا بين دخله النقدي والدخل الحقيقي.
ويؤكد د. عبده أن هذه الطريقة يمكن أن تزيد الفقراء فقرًا، إلا أن الحكومة طرحت عدة بدائل أخرى، من بينها أن تدعم السلع والمنتجات التي يحتاجها محدودو الدخل أكثر من غيرهم، وكان دعم رغيف الخبز الأكثر أهميةً، إلا أن الحكومة رأت أن الفلاحين يقومون بشرائه وتقديمه بدلاً من العلف للحيوانات، وعلى الجانب الآخر رأت الحكومة أيضًا أنها تدعم سلعًا يحصل عليها الأغنياء أيضًا؛ لذا- والكلام ما زال لـ د. عبده- قامت الحكومة في التشكيل الأخير لها باستحداث وزارة أطلقت عليها اسم وزارة التضامن الاجتماعي من أجل الفقراء ومحدودي الدخل ليصل إليهم الدعم، ورأت الحكومة أن البطاقة التموينية هي الحل الأمثل في ذلك، إلا أنه بعد التطبيق وجدوا أنها ليست الحل الأمثل.
ويتساءل د. عبده: هل سيصل الدعم لمن يستحق حقًّا؟ ومن هم المنتفعون من وراء هذا الدعم؟ مبديًا تخوفه من استمرار منظومة الدعم كما هي، وأن يصلَ الدعم للفقراء والبكوات أيضًا، مشيرًا إلى أن الحكومة لا تزال تبحث في هذا الأمر بسبب عدم وجود نظام أنسب؛ لأن الاقتصاد المصري يعدُّ نظامَ احتكار القلة، فرغم انخفاض الدولار في مصر إلى 547 قرشًا بعد أن كان 575 قرشًا، إلا أن الأسعار ما تزال مرتفعةً والحكومة تسعى إلى تحقيق نظام العدالة حتى يصل الدعم إلى مستحقيه.
بدعة
د. جودة عبد الخالق

ويرفض د. جودة عبد الخالق- أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة- مسألة تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، ويرجع ذلك إلى عجز الحكومة عن السيطرة على الأسعار، مؤكدًا أن التحول للدعم النقدي سيزيد من أرباح التجَّار والمحتكرين دون أن يؤدي إلى تحسين مستوى حياة الفقراء، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى مستحقي الدعم، خاصةً أن هناك دراسةً للبنك الدولي تؤكد أن 66% من أموال الدعم تصل إلى غير المستحقين لضعف قاعدة البيانات والمعلومات عن الأسر في مصر، كما أن الدعم مرتبط بوجود الفقر في المجتمع حتى في المجتمعات الرأسمالية وهو ليس بدعة، وأن الفقراء الذين يعيشون على خط الفقر نحو 40% من سكان مصر، وهم يحتاجون للدعم، ولا نستطيع من خلال الدعم النقدي الوصول إلى العديد من فئات الشعب.
ويشدِّد د. عبد الخالق على أن الاتجاه لإلغاء الدعم مخاطرة، فلا بد من التركيز علي دعم الفقراء لا الأغنياء، الذين أصبح دعمهم يمثل أضعاف دعم الفقراء، مشيرًا إلى أن هذا سوف يؤدي إلى نتائج غير متوقعة وحدوث بلبلة وفوضى في المجتمع المصري؛ نظرًا لما يعانيه هذا المجتمع من انهيار اقتصادي ارتفاع مستمر للأسعار، فكيف يضمن المواطن- من ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة- استقرار أسعار السلع الغذائية والأساسية في حياته، وهو يعلم جيدًا أن الحكومة فشلت في قدرتها على ضبط الأسواق والحدّ من جشع التجَّار واستغلالهم وفرض هيمنتهم بلا رقيب أو حسيب.
ويضيف: نحن نعلم جيدًا أن مجتمعنا أصبح مقسَّمًا إلى شرائح وفئات من الموظفين والعاملين باليومية وغير العاملين، كل هؤلاء كانوا يحصلون على الدعم العيني من خلال البطاقة العائلية وتحديد عدد الأفراد الذين يستحقون الدعم.
أما بالنسبة للدعم النقدي، فعلى أي أساس يتم تحديد الفئة المستحقة للدعم؟ سوف تحدد قيمة الدعم النقدي على أساس مرتبات الموظفين، وهنا قد تزداد الفجوة بين هذه الشرائح وبين بعضها البعض؛ لأن هناك موظفين قادرين على العمل الإضافي بجانب الوظيفة الأصلية، وبالتالي لم أستطع تحديد قيمة الدخل الحقيقي لهم، بينما يوجد موظفون غير قادرين على العمل الإضافي، ويعتمدون بشكل أساسي على مرتباتهم الحكومية غير الكافية لسدِّ احتياجات الأسرة!!.
البديل
غالبية الشعب المصري يعتمد على الخبز المدعم

ويؤكد د. حمدي عبد العظيم- رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا- أن المجتمع المصري بأسره سيكون رافضًا لهذا المقترح، وهو تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، وسيظل مقترحًا إلى أن ينفذ؛ لأن الدعم بشكل عام، سواءٌ السلعي أو الخدمات الأساسية في حياتنا من بنزين وكهرباء وخلافه، جزءٌ أساسيٌّ من حياة كل مواطن مصري، ولا يوجد بديل للدعم السلعي والخدمي مطلقًا، سواءٌ كان دعمًا نقديًّا أو غيره، فماذا يعني أن يحصل الفرد كحد أقصى على 150 جنيهًا كدعم نقدي، ويفاجأ بعد ذلك بأن الأسعار زادت بنسبة 90%؛ نظرًا لعدم قدرة السوق المحلية على اكتفاء نفسه ذاتيًّا؟ وبالتالي تزيد فاتورة الاستيراد ونضيفها على فاتورة السلع الغذائية المباعة.
كذلك بالنسبة لرغيف الخبز فنجد هناك مصاعبَ في توفيره حتى الآن وعجز الرقابة عن توقف نزيف جشع التجار القائمين على بيع الدقيق المدعم في السوق السوداء.
مشيرًا إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي قدمت حلولاً سريعةً لهذه الظاهرة، وهي فصل التوزيع عن الإنتاج، لكن للأسف- والكلام لـ د. عبد العظيم- لم ينفَّذ هذا القرار، وفوجئنا بقرار أصعب، وهو إلغاء الدعم تمامًا؛ فالمواطن يحتاج 150 جنيهًا شهريًّا لشراء الخبز المدعَّم فقط دون شراء أي متطلبات غذائية أخرى.
وتساءل د. عبد العظيم: هل يستطيع الدعم النقدي سدَّ حاجة المواطنين من خبز وسلع بـ150 جنيهًا؟! مؤكدًا أن هذا قرارٌ قد يودي بحياة آلاف المصريين، وينتج عنه أيضًا زيادة أعداد الفقراء في مجتمعنا.
