- د. نافعة: استعادة التوافق اللبناني يحتاج إلى معجزة و"أنا بوليس" لن يفيد

- د. أبو طالب: ضعف الجهود العربية والدولية يدعم نشوب حرب أهلية في لبنان

- المستشار عمر: ترك لحود الرئاسة غير دستوري والحل لدى الجامعة العربية

 

تحقيق- علاء عياد

وقع المحظور، وأصبحت لبنان بلا رأس أو رئيس، فإلى أين يتجه لبنان؟ وهل سيستطيع اللبنانيون أن يكسروا حالة الفراغ وتجاوز الأزمة الراهنة التي أسرت لبنان؟!

 

تساؤلات كثيرة، أصبحت تشغل الرأي العام اللبناني والعربي على حدٍّ سواء؛ فالأحداث المتسارعة التي شهدتها الساحة اللبنانية في الأيام الأخيرة، من تأجيل جلسة البرلمان اللبناني قبل التوافق على رئيس جديد للسلطة، ونهاية فترة الرئيس إميل لحود في الساعة الثانية عشرة من مساء الجمعة 23 نوفمبر 2007، جعلت الأزمة اللبنانية تدخل مرحلةً حرجةً، تدفع بالمنطقة كلها لتكون فوق صفيح ساخن.

 

فلبنان تعيش الآن حالةً من الفراغ والشلل السياسي شبه الكامل، بعد أن أصبحت دولةً بلا رئيس، وتسيِّرها حكومةٌ مطعونٌ في شرعيتها، وسلطتها التشريعية معطَّلة، وضعٌ باتَ من الصعب على أحدٍ أن يعرف ما ينتظره وكيف سيكون المخرج منه؛  لذلك حاولنا أن نطرح الأزمة اللبنانية على بعض الخبراء والمتخصصين لمعرفة لبنان إلى أين؟!

 

 د. حسن نافعة

 

يعترض الدكتور حسن نافعة- أستاذ العلوم السياسة بجامعة القاهرة- على تحليل الأزمة اللبنانية الحالية كأزمة دستورية أو قانونية، موضحًا أن كلَّ الأطراف اللبنانية المتصارعة، سواءٌ قوى 8 آزار أو 14 آزار، يملك في مواجهة الآخر قرائن دستورية وقانونية للتدليل على صحة موقفه.

 

مشيرًا إلى أن لبنان لا يزال صورةً مصغَّرةً للعالم العربي، بكل ما ينطوي عليه من علامات قوة وضعف، فمن الطبيعي أن يتحوَّل أحيانًا إلى مرآةٍ عاكسةٍ للتناقضات الموجودة داخل العالم العربي، وأحيانًا أخرى إلي مختبر لإدارة هذه التناقضات والتعامل معها، وبالتالي إلى ساحة لتصفية كل أنواع الحسابات المحلية والإقليمية والدولية.

 

ولأن النظام السياسي اللبناني- كما يقول رئيس وزرائه الأسبق سليم الحص- ينطوي على "الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية، دون أن يتمكن من ترجمة حرياته إلى ممارسة ديمقراطية فاعلة"، فلم يكن مستغرَبًا أن يفشل "لبنان المقاوم"، والذي بدا عملاقًا بإنجازات عجزت عن تحقيق مثيلاتها كبرى الدول العربية وأقواها، من حماية نفسه من "لبنان الآخر"، الذي يبدو قزمًا بطائفيته، وتهافت نخبة سياسية تقليدية لا تُجيد سوى المناورات والبحث عن المصالح والمنافع الشخصية، حتى لو كانت بالخصم على حساب مصالح الوطن والأمة.

 

ويرى نافعة أنه طالما أن لبنان دولة تُحكَم بالتوافق وليس بالدستور، فحلُّ الأزمة اللبنانية مستحيلٌ، قبل استعادة هذا التوافق، مضيفًا أن الأزمة التي يمر بها لبنان حاليًّا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد سبق للنظام السياسي اللبناني أن شهد أزماتٍ كثيرةً بعضها أكثر حدَّةً، فقد وصلت الأمور أحيانًا إلى حدِّ اندلاع حروب أهلية، ظل بعضها مشتعلاً لما يقرب من 15 عامًا، كما وصلت الأمور أحيانًا أخرى إلى حدِّ استدعاء وتدخُّل قوات أجنبية دولية وإقليمية.

 

مؤكدًا أن الأزمة الحالية مختلفة عما سبقها، من حيث درجة انخراط القوى الإقليمية والدولية فيها، فالأزمات اللبنانية السابقة كانت تندلع في العادة لأسباب محلية داخلية، بينما الأزمة الحالية أسهم في تفجرها تطوُّرُ الأوضاع على الساحتَين: الإقليمية والدولية.

 

كما أن الأزمة الحالية تختلف من حيث الشكل وخريطة موازين القوى المحلية السائدة في لبنان؛ فقوة (حزب الله) تملك مقومات الحسم المنفرد، إذا ما اندلعت مواجهاتٌ عسكريةٌ، وهو ما قد يشكِّل في حدِّ ذاته عاملَ ردعٍ، يمكن أن يحُول دون اندلاع حرب أهلية جديدة، إلا إذا سعت قوى دولية وإقليمية إلى ذلك لتصفية حزب الله.

 

وأوضح د. نافعة أن التخفِّي وراء الشرعية الدستورية لتبرير الانحياز للحكومة اللبنانية هو أمرٌ ينطوي على مغالطة كبيرة؛ فالشرعية الدستورية يجسِّدها نظامٌ سياسيٌّ، ليست الحكومة سوى جزء منه، وليس بوسعه أن يعمل إلا في إطار من التوافق، وبانسجام تامٍّ مع بقية الأجزاء، خاصةً مع مؤسسة الرئاسة والمؤسسة التشريعية.

 

ويؤكد أن الأزمة اللبنانية ترتبط ببقية أزمات المنطقة، وأن تطوراتها وحلّها متوقِّفان على ما سوف يحدث في لقاء "أنابوليس"، الذي من المستحيل أن يُنجز شيئًا حقيقيًّا، وهو ما يرجِّح عودة اشتعال الأزمة اللبنانية من جديد، ما لم تحدث معجزة.

 

مهمة صعبة

 

حسن أبو طالب

ويرى الدكتور حسن أبو طالب- نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن الفراغ الدستوري والمؤسسي الذي خلَّفه انتهاءُ ولاية الرئيس إميل لحود في الرابع والعشرين من الشهر الجاري دون أن تظهر ملامح توافق وطني على شخص الرئيس الجديد، لم يعُد من السهل مَلؤُه بالطرق الشرعية, خاصةً أن الكثير من القوى السياسية يتربَّص بعضها ببعض, بل يصل الأمر إلى حدِّ أن المسيحيين المَوارنة- أصحاب الحق في أن يكون الرئيس من بينهم- منقسمون على أنفسهم إلى الحدِّ الذي يُنذر بحرب أهلية مسيحية قبل أن تكون حربًا أهليةً لبنانيةً.

 

مشيرًا إلى أنه من الصعب القول بأن هناك مؤشراتِ تفاؤلٍ قويةً في الجهود العربية والإقليمية والدولية المستمرة والمبذولة منذ فترة، والتي زادت في الأيام الماضية؛ لأنها تصطدم بجدار سميك من المطالب المتعارضة من اللبنانيين أنفسهم؛ فقوى 14 آذار التي تمثِّل الأكثرية البرلمانية تَعتبر أنه يمكن انتخاب الرئيس بنصابٍ قانونيٍّ هو نصف عدد النواب زائد واحد، فيما يُعرف بالأغلبية البسيطة، في حين أن المعارضة ترى أن الدستور ينص على أن الانتخاب الرئاسي الصحيح لا يتم إلا عبْر أغلبية الثلثين، وهو ما يُعرف بـ"التوافق"؛ الأمر الذي يعني عدم قدرة فريق الأكثرية وحدَه على اختيار الرئيس, خاصةً أنهم أقل عددًا من نصاب الثلثين، وهو ما يحتِّم وجود أصوات المعارضة في عملية الانتخاب، ومن ثم يجب أن تؤخَذ رؤى واختيارات المعارضة في الاعتبار، سواءٌ في شخص الرئيس أو في توجهاته وعلاقاته داخليًّا وخارجيًّا.

 

وأوضح أبو طالب أن السبب الحقيقي وراء هذه الأزمة هو أن الرئيس الجديد سيكون جزءًا من تصوُّر عام أو خطة كبرى لما ينبغي عمله في المستقبل؛ لأنه سوف يتبعه اختيار حكومة جديدة يرأسها أيضًا شخصٌ سنِّيٌّ، سيكون عليه- عند اختيار الحكومة أيًّا كانت وحدة وطنية أو من خلال الأكثرية وحسب- أن يتعامل مع قضايا حساسة وشائكة، من قبيل تعيين قيادات الجيش والمؤسسات الأمنية المختلفة والسفراء وتطبيق بنود القرار1701, خاصةً البند الخاص بنزع سلاح القوى غير الرسمية, كحزب الله، وأسلحة الفلسطينيين في المخيمات، وهما القضيتان الشائكتان؛ لأنه من غير المتصور أن تستطيع أي حكومة لبنانية أن تأخذ قراراتٍ حاسمةً فيهما دون أن يكون هناك تفاهمٌ مسبقٌ حول طرق التطبيق.

 

هذا بافتراض أن حزب الله سيوافق على هذا المطلب، وهو بالطبع يرفض هذا جملةً وتفصيلاً، بل ويؤكد- حسبما قاله السيد حسن نصر الله- أنه لا توجد قوةٌ على الأرض تستطيع أن تنزع سلاح حزب الله، الذي أعاد ترتيب أوراقه وجهَّز نفسَه لأي مغامرة عسكرية قد تُقدِم عليها "إسرائيل" ضد لبنان.

 

مخالفات قانونية

 

المستشار حسن عمر

ومن الناحية القانونية والدستورية أكد المستشار حسن محمد عمر- الخبير القانوني- أنه لا يجوز للرئيس إميل لحود بأي حال من الأحوال تركُ قصر الرئاسة والرحيل عنه، مشيرًا إلى أن الدستور اللبناني ينص في (المادة 60) على أن ترك منصب الرئيس لا يجوز إلا في حالتين، وهما: مخالفة الرئيس للدستور أو الخيانة العظمي، ويكون ذلك بأغلبية ثلثي البرلمان، وقال عمر: "بما أن الرئيس لحود لم يخالف الدستور أو يتهم بالخيانة العظمى، فليس من حقه أن يترك منصب الرئيس".

 

مؤكدًا أنه حتى في حالة تقديم الرئيس اللبناني استقالته أو انتهاء فترة رئاسته لا يجوز له بنص المادة 74 من الدستور اللبناني أن يترك قصر الرئاسة إلا بعد أن يتم انتخاب رئيس لبناني جديد، موضحًا أن السبب في الأزمة الحالية التفسير الخاطئ للفقهاء القانونيين اللبنانيين والمستشار القانوني للرئيس، مؤكدًا أن عودة الرئيس لحود إلى منصبه ليس حقٌّ له بل هو واجبٌ عليه.

 

وأوضح عمر أن وصول رئيس لبناني بالأغلبية لا يمثِّل مشكلةً دستوريةً، وإنما سيسوق لبنان إلى تعقيد سياسي، خاصةً أن مجلس الوزراء يعاني من عوار بعد تقديم 6 من الوزراء الشيعة استقالتهم.

 

ويطالب المستشار عمر العاهلَ السعوديَّ للعب دور في الأزمة الحالية بدعوة الأطراف إلى عقد مؤتمر "الطائف 2"، كما سبق أن عقدت السعودية "الطائف 1" في الأزمة السابقة، ودعا الأمين العام للجامعة العربية بتعيين الدكتور علي الغتيت المحكم الدولي مفوضًا لشئون لبنان ليباشر مهامَّ التشاور والتنسيق، خاصةً أن أعباء الأمين العام لا تُتيح له أن يقوم بحل كل القضايا الشائكة، مشيرًا إلى العراق والسودان والصومال.